
30-01-2022, 09:28 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,416
الدولة :
|
|
رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
سُورَةُ الْبَقَرَةِ
الحلقة (64)
صــ341 إلى صــ 345
قوله تعالى: ولا يضار كاتب ولا شهيد قرأ أبو جعفر بتخفيف الراء من "يضار" وسكونها . وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال . أحدها: أن معناه لا يضار بأن يدعي وهو [ ص: 341 ] مشغول ، هذا قول ابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، والسدي ، والربيع بن أنس ، والفراء ، ومقاتل . وقال الربيع: كان أحدهم يجيء إلى الكاتب فيقول: اكتب لي ، فيقول: إني مشغول ، فيلزمه ، ويقول: إنك قد أمرت بالكتابة ، فيضاره ، ولا يدعه ، وهو يجد غيره ، وكذلك يفعل الشاهد ، فنزلت ولا يضار كاتب ولا شهيد . والثاني: أن معناه: النهي للكاتب أن يضار من يكتب له ، بأن يكتب غير ، ما يمل عليه وللشاهد أن يشهد بما لم يستشهد عليه ، هذا قول الحسن ، وطاووس ، وقتادة ، وابن زيد ، واختاره ابن قتيبة ، والزجاج . واحتج الزجاج على صحته بقوله تعالى: وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم قال: ولا يسمى من دعا كاتبا ليكتب ، وهو مشغول ، أو شاهد; فاسقا ، إنما يسمى من حرف الكتاب ، أو كذب في الشهادة ، فاسقا . والثالث: أن معنى المضارة: امتناع الكاتب أن يكتب ، والشهادة أن يشهد ، وهذا قول عطاء في آخرين .
قوله تعالى: (وإن تفعلوا) يعني: المضارة .
وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم .
قوله تعالى: (وإن كنتم على سفر) إنما خص السفر ، لأن الأغلب عدم الكاتب ، والشاهد فيه . ومقصود الكلام: إذا عدمتم التوثق بالكتاب ، والإشهاد ، فخذوا الرهن .
قوله تعالى: فرهان قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وعبد الوارث (فرهن) بضم الراء والهاء من غير ألف ، وأسكن الهاء عبد الوارث . ووجهه التخفيف . وقرأ نافع ، وعاصم ، وابن عامر ، وحمزة ، والكسائي (فرهان) بكسر الراء ، وفتح الهاء ، وإثبات [ ص: 342 ] الألف . قال ابن قتيبة: من قرأ (فرهان) أراد: جمع رهن ، ومن قرأ (فرهن) أراد: جمع رهان ، فكأنه جمع الجمع .
قوله تعالى: (مقبوضة) يدل على أن من شرط لزوم الرهن القبض ، وقبض الرهن أخذه من راهنه منقولا ، فإن كان مما لا ينقل ، كالدور والأرضين ، فقبضه تخلية راهنه بينه وبين مرتهنه .
قوله تعالى: فإن أمن بعضكم بعضا أي: فإن وثق رب الدين بأمانة الغريم ، فدفع ماله بغير كتاب ، ولا شهود ، ولا رهن ، (فليؤد الذي اؤتمن) وهو المدين (أمانته وليتق الله ربه) أن يخون من ائتمنه .
قوله تعالى: (فإنه آثم قلبه) قال السدي عن أشياخه: فإنه فاجر قلبه . قال القاضي أبو يعلى: إنما أضاف الإثم إلى القلب ، لأن المآثم تتعلق بعقد القلب ، وكتمان الشهادة إنما هو عقد النية لترك أدائها .
لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير .
قوله تعالى: وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله أما إبداء ما في النفس ، فإنه العمل بما أضمره العبد ، أو النطق ، وهذا مما يحاسب عليه العبد ، ويؤاخذ به ، وأما ما يخفيه في نفسه ، فاختلف العلماء في المراد بالمخفي في هذه الآية على قولين . أحدهما: أنه عام في جميع المخفيات ، وهو قول الأكثرين . واختلفوا: هل هذا الحكم ثابت في المؤاخذة ، أم منسوخ؟ على قولين . أحدهما: أنه منسوخ بقوله تعالى: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها [ البقرة: 286 ] . هذا قول ابن مسعود ، وأبي هريرة ، وابن عباس في رواية ، والحسن ، والشعبي ، وابن سيرين ، [ ص: 343 ] وسعيد بن جبير ، وقتادة ، وعطاء الخراساني ، والسدي ، وابن زيد ، ومقاتل . والثاني: أنه ثابت في المؤاخذة على العموم ، فيؤاخذ به من يشاء ، ويغفره لمن يشاء ، وهذا مروي عن ابن عمر ، والحسن ، واختاره أبو سليمان الدمشقي ، والقاضي أبو يعلى . وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال: هذه الآية لم تنسخ ، ولكن الله عز وجل إذا جمع الخلائق ، يقول لهم: إني مخبركم بما أخفيتم في أنفسكم مما لم يطلع عليه ملائكتي ، فأما المؤمنون فيخبرهم ، ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم ، وهو قوله تعالى: (يحاسبكم به الله) يقول: يخبركم به الله ، وأما أهل الشرك والريب ، فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب ، وهو قوله تعالى: فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء .
[ ص: 344 ] والأكثرون على تسكين راء "فيغفر" وباء "يعذب" منهم ابن كثير ونافع ، وأبو عمرو ، وحمزة ، والكسائي . وإنما جزموا لإتباع هذا ما قبله ، وهو "يحاسبكم" وقرأ أبو جعفر ، وابن عامر ، وعاصم ويعقوب: برفع الراء ، والباء فيهما . فهؤلاء قطعوا الكلام عن الأول ، قال ابن الأنباري: وقد ذهب قوم إلى أن المحاسبة هاهنا هي إطلاع الله العبد يوم القيامة على ما كان حدث به نفسه في الدنيا ، ليعلم أنه لم يعزب عنه شيء . قال: والذي نختاره أن تكون الآية محكمة ، لأن النسخ إنما يدخل على الأمر والنهي . وقد روي عن عائشة أنها قالت: أما ما أعلنت ، فالله يحاسبك به ، وأما ما أخفيت ، فما عجلت لك به العقوبة في الدنيا . والقول الثاني: أنه أمر خاص في نوع من المخفيات ، ولأرباب هذا القول فيه قولان . أحدهما: أنه كتمان الشهادة ، قاله ابن عباس في رواية ، وعكرمة ، والشعبي . والثاني: أنه الشك واليقين ، قاله مجاهد . فعلى هذا المذكور تكون الآية محكمة .
آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير .
قوله تعالى: آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه روى البخاري ومسلم في "صحيحيهما" من حديث أبي مسعود البدري عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال: "الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأهما في ليلة كفتاه" قال أبو بكر النقاش: معناه: كفتاه عن قيام الليل .
[ ص: 345 ] وقيل: إنهما نزلتا على سبب ، وهو ما روى العلاء عن أبيه عن أبي هريرة قال: لما أنزل الله تعالى: وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله اشتد ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم [فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم جثوا على الركب ] فقالوا: قد أنزل عليك هذه الآية ولا نطيقها ، فقال: "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا؟ قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير" فلما قالوها وذلت بها ألسنتهم ، أنزل الله في أثرها (آمن الرسول) . قال الزجاج: لما ذكر ما تشتمل عليه هذه السورة من القصص والأحكام ، ختمها بتصديق نبيه ، والمؤمنين . وقرأ ابن عباس (وكتابه) فقيل له في ذلك ، فقال: كتاب أكثر من كتب ، ذهب به إلى اسم الجنس ، كما تقول: كثر الدرهم في أيدي الناس ، وقد وافق ابن عباس وفي قراءته حمزة ، والكسائي ، وخلف ، وكذلك في (التحريم) ، وقرأ ابن كثير ، ونافع ، وعاصم في رواية أبي بكر ، وابن عامر (وكتبه) هاهنا بالجمع ، وفي (التحريم) بالتوحيد . وقرأ أبو عمرو بالجمع في الموضعين .
قوله تعالى: لا نفرق بين أحد من رسله قرأ أبو عمرو ما أضيف إلى مكنى على حرفين مثل "رسلنا" و"رسلكم" بإسكان السين ، وثقل ما عدا ذلك . وعنه في قوله تعالى: (على رسلك) روايتان ، التخفيف والتثقيل . وقرأ الباقون كل ما في القرآن من هذا الجنس بالتثقيل . ومعنى قوله: لا نفرق بين أحد من رسله أي: لا نفعل كما فعل أهل الكتاب ، آمنوا ببعض ، وكفروا ببعض ، وقرأ يعقوب (لا يفرق) بالياء ، وفتح الراء .
قوله تعالى: (غفرانك) أي: نسألك غفرانك . والمصير: المرجع .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|