عرض مشاركة واحدة
  #377  
قديم 29-01-2022, 12:06 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,426
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو)
(244)

- باب التعوذ في الصلاة - نوع آخر من التعوذ في الصلاة
مما يشرع قوله في الصلاة التعوذ من أربعة أمور، وهي: التعوذ من عذاب القبر وعذاب النار ومن فتنة المسيح الدجال ومن فتنة المحيا والممات، حتى إن بعض أهل العلم ذهب إلى وجوب ذلك في التشهد الأخير.
باب التعوذ في الصلاة
شرح حديث: (كان رسول الله يقول: اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت ومن شر ما لم أعمل)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التعوذ في الصلاة.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا جرير عن منصور عن هلال بن يساف عن فروة بن نوفل قلت لـعائشة حدثيني بشيء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو به في صلاته، فقالت: نعم، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت، ومن شر ما لم أعمل).
يقول النسائي رحمه الله: التعوذ في الصلاة؛ أي الإتيان بذكر فيه الاستعاذة بالله عز وجل، وقد أورد النسائي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: أنه قال لها فروة بن نوفل: حدثيني بشيء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو به في صلاته، فقالت: نعم، كان يقول في صلاته: (أعوذ بك من شر ما عملت، ومن شر ما لم أعمل) وهذا دعاء عظيم من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، فإن فيه التعوذ من شر ما عمل الإنسان؛ أي: ما حصل منه من أمور سيئة عملها، وهو لا ينبغي له أن يعملها، (ومن شر مال لم يعمل) يعني: من الأمور التي طلب منه أن يعملها، وهو لم يعملها؛ أي: ما فعل من السيئات، وما ترك من الحسنات، ما فعل من الأمور التي لا يجوز فعلها، وما لم يفعله من الأمور التي يطلب فعلها.
إذاً: هذا دعاء عظيم شامل من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، ومن الأدعية الجامعة التي تشمل كل إخلال فيما يتعلق بارتكاب المحظورات، وفيما يتعلق بعدم القيام بفعل ما هو واجب، ومطلوب؛ لأن الإنسان مطلوب منه أن يعمل كل ما هو خير، وأن ينتهي ويبتعد عن كل ما هو شر، فإذا استعاذ الإنسان من شر ما عمل، ومن شر ما لم يعمل، فمعناه أنه استعاذ من فعله لأمور منكرة هي من قبيل السيئات، ولما حصل منه من الإخلال، والتقصير في أمور مطلوبة منه هي كفعله للحسنات.
فهو دعاء عظيم من جوامع الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، وأدعية الرسول عليه الصلاة والسلام جوامع، ولهذا فإن المسلم عليه أن يحرص على معرفة الأدعية التي جاءت عن النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، سواء كان مما يدعى به في الصلاة، أو في غير الصلاة؛ لأن الأخذ بالأدعية النبوية فيه العصمة، وفيها السلامة؛ لأنها كلام الذي لا ينطق عن الهوى صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وأما الأدعية التي يأتي بها الإنسان من نفسه، وليست مأثورة عن رسول عليه الصلاة والسلام، فإنها تحتمل أن تكون سليمة، ويحتمل أن تكون مشتملة على خطأ، ومخالفات، ووقوع في أمور محظورة، ولكن العصمة والسلامة بلا شك إنما هي بما أوثر عن النبي الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وأدعية الرسول عليه الصلاة والسلام كما أن السلامة فيها محققة؛ لأنها كلام الذي لا ينطق عن الهوى، ولأنها كلام المعصوم صلى الله عليه وسلم، فأيضاً هي جوامع، فبالإضافة إلى كون فيها السلامة أيضاً هي جوامع مشتملة على معاني واسعة مع أن ألفاضها قليلة، فهي قليلة المبنى واسعة المعنى، وهذا هو معنى كون كلمه عليه الصلاة والسلام جوامع، وكون الأدعية التي يدعو بها هي من الجوامع.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يقول: اللهم إني أعوذ بك من شر ما علمت ومن شر ما لم أعمل)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو ابن مخلد المشهور بـابن راهويه الحنظلي، وهو ثقة، ثبت، مجتهد، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وهو محدث، فقيه، إمام مشهور، إمام في الفقه، وإمام في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.
[حدثنا جرير].
هو ابن عبد الحميد الضبي الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديث أصحاب الكتب الستة.
[عن منصور].
هو منصور بن المعتمر الكوفي، وهو ثقة، حديثه أيضاً عند أصحاب الكتب الستة، وهو من أقران الأعمش.
[عن هلال بن يساف].
ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن فروة بن نوفل].
اختلف في صحبته، وقيل: إن الصحبة إنما هي لأبيه، وحديثه أخرجه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[قلت عائشة].
أم المؤمنين، الصديقة بنت الصديق، التي هي ذات المناقب الجمة، والفضائل الكثيرة، والتي هي من أوعية السنة، والتي حفظت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لا سيما الأحاديث المتعلقة في البيوت، والتي لا يطلع عليها إلا أهل البيت، التي لا يطلع عليها إلا أمهات المؤمنين مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإنها حفظت الشيء الكثير، وروت الشيء الكثير عن رسول الله عليه الصلاة والسلام فيما يتعلق بأمور البيت وفي غيرها، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحابه الكرام، وهم ستة رجال، وامرأة واحدة هي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وقد قال السيوطي في هؤلاء السبعة في ألفيته:
والمكثرون في رواية الأثر أبي هريرة يليه بن عمر
وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي
وزوجة النبي المراد بها: أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضها الصديقة بنت الصديق أنزل الله عز وجل في براءتها مما رميت به من الإفك آيات تتلى في كتاب الله عز وجل في أوائل سورة النور، فمن رماها بالإفك فإنه يعتبر مكذباً للقرآن، ويعتبر كافراً ليس من المسلمين؛ لأن من قال: إنها واقعة في الإفك الذي رميت به، وقد برأها الله عز وجل، وأنزل براءتها في كتابه الكريم، فإنه يكون مكذباً بهذه الآيات التي أنزلها الله على رسوله الكريم، وفيها براءة لأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
وكان من نبلها، وفضلها رضي الله تعالى عنها أنها مع إنزال الآيات في براءتها، وفي ذلك إظهار لفضلها، كانت تتواضع لله عز وجل، وكانت تقول: وكنت أتمنى أن يرى النبي عليه الصلاة والسلام في منامه رؤيا يبرأني الله بها. ومن المعلوم أن رؤيا الأنبياء وحي، فهي تريد أن يحصل وحي في براءتها عن طريق الرؤيا، وكانت تستهون نفسها وتقول: ولشأني في نفسي أهون من أن ينزل الله تعالى فيَّ آيات تتلى.
فهؤلاء هم أولياء الله حقاً الذين جمعوا بين الكمال، والتواضع لله عز وجل، أحسنوا لله، وقاموا بما هو مطلوب منهم، ورفع الله شأنهم، وأعلى ذكرهم، ومع ذلك يحصل التواضع منهم لله عز وجل، وقد قال النبي الكريم عليه الصلاة والسلاممن تواضع لله رفعه الله) فهي تقول: ولشأني في نفسي أهون من أن ينزل الله تعالى فيَّ آيات تتلى. وهذا من تواضعها، ومن فضلها، ونبلها رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
نوع آخر من التعوذ في الصلاة
شرح حديث عائشة في تعوذ النبي من عذاب القبر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر.أخبرنا محمد بن بشار عن محمد قال: حدثنا شعبة عن أشعث عن أبيه عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عذاب القبر؟ فقال: نعم، عذاب القبر حق قالت عائشة: فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة بعد إلا تعوذ من عذاب القبر)].
هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي نوع آخر؛ أي: من التعوذ في الصلاة، وأورد فيه حديث عائشة رضي الله عنها، و(أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عذاب القبر؟ فقال: نعم، عذاب القبر حق، وقالت: فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة بعد إلا تعوذ بالله من عذاب القبر).
فهذا الحديث يدلنا على التعوذ بالله من عذاب القبر، وإنه يتعوذ به في الصلاة، ومن المعلوم أن التعوذ في الصلاة، والذكر، والدعاء في الصلاة إنما يكون في موضعين: في السجود، وفي التشهد الأخير قبل السلام، فهذان هما الموضعان اللذان يكثر فيهما الدعاء، ويؤتى فيهما بالدعاء، ويتخير الإنسان فيه من الدعاء ما شاء، وقد جاء في الحديث بالنسبة للسجود: (أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم) وجاء في الحديث الذي مر: (ثم ليتخير الدعاء أعجبه ما شاء) أي: أعجبه إليه يدعو به، إذاً: معناه أنه يدعو الإنسان في التشهد الأخير قبل السلام، ويدعو أيضاً في السجود، فيستعيذ بالله عز وجل في صلاته، سواءً كان ذلك في السجود، أو في التشهد قبل السلام؛ لأن السجود أرشد فيه النبي عليه الصلاة والسلام إلى الإكثار من الدعاء، وكذلك أيضاً التشهد الأخير جاء ما يدل على الدعاء فيه، وأن الإنسان يتخير من الدعاء أعجبه إليه.
وسؤال أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاه عن عذاب القبر، يدلنا على ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عليهم وأرضاهم من الحرص على معرفة الأحكام، ومعرفة أمور الدين أصوله وفروعه، وكانوا يسألون عن الأصول والفروع، وهذا من السؤال عن أصول الدين؛ لأن هذا من الأمور العقدية، وهو من الإيمان بالغيب الذي لا يعرف العلم به إلا عن طريق الوحي، وهو من جملة الأخبار التي يخبر بها النبي الكريم عليه الصلاة والسلام عن أمور مستقبلة.
ومن المعلوم أن من مقتضيات أشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن يطاع في كل ما يؤمر به، وأن ينتهى عن كل ما ينهى عنه، وأن يصدق في كل ما يخبر به، وألا يعبد الله إلا طبقاً لشريعته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فإن الإيمان بعذاب القبر، والتصديق بعذاب القبر، هذا من التصديق بأخباره عليه الصلاة السلام، ومن الإيمان بالغيب الذي امتدح الله أهله وأثنى عليهم في أول سورة البقرة حيث قال: (الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ )[البقرة:1-3]، فهذا من الغيب الذي يجب الإيمان به.
الأدلة على وقوع عذاب القبر
وقد جاءت الأحاديث الكثيرة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه بعذاب القبر، وإثباته، بل جاء القرآن الكريم في إثبات ذلك في قول الله عز وجل في آل فرعون (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ )[غافر:46]، فإن هذه الآية تدل على عذاب القبر، وأن آل فرعون يعذبون في قبورهم حتى تقوم الساعة، وإذا قامت الساعة ينتقلون من عذاب شديد إلى عذاب أشد، (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ )[غافر:46]، وقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد وغيره من حديث البراء بن عازب الحديث الطويل في عذاب القبر، وفي آخره: (أن المؤمن يفتح له باب إلى الجنة، فيأتيه من روحها ونعيمها، والكافر يفتح له باب إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها) فهذا فيه بيان إثبات عذاب القبر، وهو ثابت في كتاب الله عز وجل، وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام.واستعاذة النبي عليه الصلاة والسلام منه، والإرشاد إلى التعوذ منه، وبيان أن عذاب القبر حق، يدل على إثباته، وإنه يجب التصديق به، ومن كان أهلاً لأن يعذب في قبره، فإنه يصل إليه عذاب القبر، وإن لم ندرك كيفية وصوله؛ لأن هذه من الأمور الغيبية يجب التصديق بها، ولا يكون الإيمان مبنياً على المشاهدة، والمعاينة، بل الإنسان يؤمن بالخبر إذا جاء عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، وإن لم يعرف الكنه والكيفية؛ لأن عذاب القبر ونعيم القبر ليس من جنس ما يعقل في الدنيا، ويشاهد في الحياة الدنيا، فقد يفتح القبر ولا يوجد فيها لا جنة ولا نار، لكن لا يمنع وجود الجنة والنار، لكن الإنسان لم يطلعه الله عز وجل على ذلك، لم يطلع الله عز وجل البشر على ذلك، وقد أطلع نبيه عليه الصلاة والسلام كما جاء في الحديث في صحيح مسلم: (لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع) ،وقد أخفاه الله على الناس لحكمة؛ وهي أن يتميز من يؤمن بالغيب ومن لا يؤمن بالغيب؛ لأنه لو كشف للناس ما يجري في القبور ما يتميز من يؤمن بالغيب، ومن لا يؤمن بالغيب، لكن صار ذلك خفياً، ولهذا لما كانت الحيوانات غير مكلفة كانت تسمع كما جاء في الحديث، (إنه عندما يسمع من يعذب في قبره يصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنس، والجن، ولو سمعها الإنسان لصعق)، فالله سبحانه وتعالى أطلع البهائم على ذلك، ولم يطلع الإنس والجن على ذلك؛ لأنهم مكلفون، فكان في عدم إطلاعهم التمييز بين من يؤمن بالغيب ومن لا يؤمن بالغيب، من يصدق بالأخبار، ومن يكذب بالأخبار، ولا يؤمن إلا بالمشاهدة والمعاينة.
فعذاب القبر حق، ومن كان أهلاً لعذاب القبر فعذاب القبر يصل إليه، سواءً قبر أو لم يقبر، وسواءً أحرق وذر في الهواء، أو أكلته الحيتان، أو أكلته السباع، الله عز وجل قادر على أن يوصل إلى جسد الإنسان العذاب على الكيفية التي يعلمها سبحانه وتعالى، ولو فتح القبر فلا يرى الإنسان جنة ولا نار، لكن هذا لا يمنع، ولا يجعل الإنسان لا يؤمن، بل يؤمن؛ لأن أمور الآخرة ليست من جنس أمور الدنيا، ليست من جنس ما يشاهد الناس في الدنيا، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما عرضت عليه الجنة والنار وهو يصلي بالناس الخسوف، هو راءاها ورأى عناقيد العنب، ومد يده ليتناول منها، والصحابة وراءه يرونه يرون اليد الممدودة ولا يرون الشيء الذي مدت إليه، أطلع نبيه ولم يطلع الصحابة، وكلهم في مكان واحد، فالرسول صلى الله عليه وسلم رأى الجنة التي عرضت عليه، ورأى النار التي عرضت عليه، والصحابة ما رأوا هذا الذي رآه الرسول صلى الله عليه وسلم، بل رأوا يده ممدودةً كأنه يتناول شيئاً، وسألوه بعد ذلك فقال: أنه رأى الجنة: وعرضت عليه، ورأى عناقيد العنب متدلية، فأراد أن يأخذ منها عنقوداً، قال: (ثم تركت، ولو أخذت منه لأكلتم ما بقيت الدنيا) لو أخذ عنقوداً لأكل الناس منه إلى نهاية الدنيا، هذا نعيم الآخرة، لكن الله عز وجل شاء ألا يكون نعيم الآخرة في الدنيا، بل يكون في الآخرة، وهذا العنقود لو أخذ منه النبي صلى الله عليه وسلم لأكل الناس منه إلى نهاية الدنيا، هذا هو نعيم الآخرة.
إذاً: الرسول صلى الله عليه وسلم رأى العناقيد، ورأى الجنة، ورأى النار، والصحابة وراءه ما رأوه، وهو عليه الصلاة والسلام أطلعه على ما يجري في القبور من حيث أنه يسمع العذاب، وهم لم يطلعهم عليه على ذلك، حيث قال: (لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع) فأحاديث عذاب القبر كثيرة متواترة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ويجب الإيمان بها، ولا يتوقف الإيمان على المشاهدة والمعاينة، وأن الإنسان يقول: لو فتحنا القبر ما وجدنا نعيم، ولا وجدنا جنة ولا نار، والذي أكلته السباع كيف يصل إليه العذاب، والذي أكلته الحيتان كيف يصل إليه العذاب، الله عز وجل يقول: (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ )[ق:4]، ويعيد الأجساد من تلك الذرات التي اختلطت بالتراب، والذي يعاد يوم القيامة هو الجسد الذي كان في الدنيا، ليس جسداً جديداً، الذي يعاد عند البعث هو الجسد الذي كان في الدنيا؛ لأنه هو الذي أحسن وأساء، فينعم ويعذب، ما يوجد جسم جديد ينعم، ويعذب وهو ما حصل منه إساءة، وإنما الذي يعذب هو نفس الجسد الذي حصلت منه الإساءة، وقد بين الله ذلك في كتابه العزيز: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ )[يس:65]، الأيدي تشهد، والأرجل تشهد، إذاً الأيدي التي تشهد هي الأيدي التي في الدنيا، والأرجل هي الأرجل التي في الدنيا، الأرجل التي مشت إلى المعصية، والأيدي التي فعلت المعصية، فالبعث يكون للأجساد التي كانت في الدنيا، والعذاب يكون على الأجساد التي كانت في الدنيا، والنعيم يكون على الأجساد؛ لأنها هي التي أحسنت وهي التي أساءت، والإحسان يكون على الجسد الذي أحسن، والروح التي أحسنت، والعذاب يكون على الروح التي أساءت، والجسد الذي أساء؛ لأن العمل سواءً كان خيراً أو شراً بمجموع الروح والجسد، ليس من الروح وحدها، ولا من الجسد وحده، ولهذا تنعم الروح والجسد، ويعذب الروح والجسد، والعذاب يصل إلى من يستحقه، سواء قبر أو لم يقبر، أكلته السباع أو أكلته الحيتان أو أحرق وذر في الهواء، الله عز وجل يوصل إلى العذاب إلى من يستحق العذاب.
ثم من الأمور التي يمكن أن نتبينها في الدنيا وهي مشاهدة معاينة حاصلة بالنسبة للإنسان في الأمور الدنيا، وهي توضح أن عذاب القبر يمكن أن ينعم المنعم، ويعذب المعذب، وقد يكونان في قبر واحد، هذا في نعيم وهذا في جحيم، وهذا ما يصل إليه نعيم هذا، وهذا ما يصل إليه جحيم هذا، العذاب ما يصل إلى المنعم، والنعيم ما يصل إلى المعذب، وهم في قبر واحد مدفونين مع بعض، والله تعالى على كل شيءٍ قدير، في الدنيا شيء يوضح هذا، وهو ما يجري في النوم، ينام شخصان في غرفة واحد، بل يكونان في لحاف واحد؛ الزوج، والزوجة، ينامان في لحاف واحد، ثم كل واحد منهم يقوم من نومه، واحد منهم منعم، وواحد معذب، واحد منهم رأى أنه يأكل من الفواكه، ويتمتع في النعيم، ثم يقوم ولعابه يسيل مسروراً بالشيء الذي حصل له في هذا النوم، والثاني في جواره يرى أن السباع تلاحقه، والحيات تنهشه، والعقارب تلسعه، ثم يقوم وهو في ذعر، وفي خوف، وريقه ناشف من شدة ما حصل له في النوم، من هذا الأمر الذي حصل للروح، ومن المعلوم أنه إذا كان هذا حصل في الدنيا، مع أن هذا بجوار هذا، وهذا ما درى عن نعيم هذا، فهذا في الآخرة من باب أولى، هذا يبين لنا أمور الآخرة، والإنسان يجب عليه أن يصدق بكل ما جاء عن الله وعن رسوله عليه الصلاة والسلام، وبذلك يكون محققاً شهادة أن محمداً رسول الله.
أما إذا لم يصدق بأخبار الرسول عليه الصلاة والسلام، فإنه لم يكن محققاً لمعنى أشهد أن محمداً رسول الله، لأن أشهد أن محمداً رسول الله تعني أن يصدق في كل ما يخبر به، وأن ينتهى عن كل ما ينهى عنه، وأن يفعل كل ما يأمر به، وألا يعبد الله إلا طبقاً لشريعته، لا يعبد بالبدع والمنكرات والمحدثات والخرافات، والأمور التي ما أنزل الله بها من سلطان، وإنما يكون الإنسان عمله مبنياً على أساس متين، ومتوفر فيه شرطان هما: إخلاص العمل لله، وتجريد المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكون العمل خالصاً لوجهه سبحانه وتعالى، ومطابقاً لسنة نبيه محمد عليه الصلاة والسلام، لا يكون مبتدعاً محدثاً من محدثات الأمور التي حذر منها رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ حيث قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثةٍ بدعة، وكل بدعة ضلالة) ثم أيضاً قوله عليه الصلاة والسلام: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد) وقال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) فالمسلم يحقق مقتضى أشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويصدق الأخبار، ويمتثل الأوامر، ويجتنب النواهي، وتكون عبادته طبقاً لما شرعه رسول صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
ثم قالت: (فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاةً بعد إلا تعوذ بالله من عذاب القبر).
يعني: إما أنه شرع له التعوذ من ذلك الوقت، أو أنه كان موجوداً من قبل، ولكنها ما فطنت له ولا تنبهت إلا بعد ما سألت هذا السؤال، وأجاب بهذا الجواب، فيحتمل هذا، ويحتمل هذا؛ يحتمل أن يكون التعوذ بالله من عذاب القبر موجوداً في صلواته من قبل، وما كانت فطنت لذلك، وإنما فطنت لما سألت، وأجابها بهذا الجواب، ويحتمل أنه إنما كان أوحي إليه أن يتعوذ في الصلاة في ذلك الوقت الذي حصل سؤالها إياه، وأجابها بأن عذاب القبر حق، وأنه كان يتعوذ في صلاته من عذاب القبر.

يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 46.53 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 45.90 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.35%)]