عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 26-01-2022, 11:20 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,268
الدولة : Egypt
افتراضي رد: العابرون بين المذاهب .. الحنابلة أكثرهم تنقلا والشافعية أشدهم استقطابا

عينة نادرة


ثانيا: الانتقال إلى المذهب الحنفي: تعددت نماذج انتقال أئمة وعلماء من المذهبين الشافعي والحنبلي إلى المذهب الحنفي، لكن حالات الانتقال من المذهب المالكي إلى الحنفية ظلت نادرة الوقوع إذا تجاوزنا الغموض الحاصل -نوعا ما- في التصنيف المذهبي للإمام أسد بن الفرات (ت 213هـ/828م)؛ ومن نماذج التحول إلى الحنفية ما يلي:
أ- حنابلة تحولوا حنفية: جاء في ترجمة عبد الواحد بن عليّ العُكْبُري (ت 456هـ/1065م) عند كمال الدين الأنباري (ت 577هـ/1181م) -في ‘نزهة الألبّاء في طبقات الأدباء‘- أنه “كان في أول زمانه منجِّما ثم صار نحويًّا، وكان حنبليا فصار حنفيا”!
ويبدو أنّ العكبري هذا مرّ بتحولات فكرية ومنهجية عميقة، إذ لم يتحول عن مذهبه الفقهي فحسب، بل إنه كذلك غيّر تخصصه العلمي فأصبح نحويا بعد أن كان منجما، مما يدلّ على خوضه مرحلة فارقة في حياته علميا ونفسيا! وهو نموذج لشريحة من العلماء كان انتقالهم المذهبي حادًّا في تحولهم من مذهب أثري خالص -كالمذهب الحنبلي- إلى مذهب عُرف بغلبة النظر العقلي على أصحابه كالمذهب الحنفي.
ومن اللافت أنه غالبا ما نجد هؤلاء يمرّون بمرحلة تحوّل وُسْطى بانتمائهم للمذهب الشافعي بعد الحنبلي، وكأنهم بذلك يهيئون أنفسهم لنقطة التحول العقلية الكبرى نحو الحنفية، وتلك ربما دلالة أخرى على وسطية الشافعية بين المذاهب الفقهية!! حتى إنهم أطلقوا على من مرّ بمسار هذا الانتقال المذهبي الثلاثي (الحنبلي/الشافعي/الحنفي) لقب “حَنْفَشَ”؛ فالذهبي -في ‘السِّيَر‘- يقول إن البَنْدَنِيجي المتقدم ذكره “كان حنبليا ثم صار حنفيا ثم شافعيا”، ولذلك صار يعرف بـ”حَنْفَشَ”!!
وممن “تَحَنْفَشَ” أيضا من الحنابلة: الإمام أبو اليُمْن زيد بن الحسن الكِنْدي (ت 613هـ/1216م) الذي نعته الذهبي -في ‘السير‘- بأنه “الشيخ الإمام العلامة المفتي شيخ الحنفية، وشيخ العربية وشيخ القراءات ومُسْند الشام..، وكان حنبليا فانتقل حنفيا..، [وكان] أشبه بالوزراء من العلماء لجلالته وعلوّ منزلته”!
ثم نسب الذهبي إلى الإمام الحنبلي موفق الدين ابن قدامة المقدسي (ت 620هـ/1223م) قوله إن الكندي “انتقل إلى مذهبه [الحنفي] لأجل الدنيا إلا أنه كان على السنة، وصّى إليّ بالصلاة عليه والوقوف على دفنه، ففعلتُ”!! وهذا مثال آخر على تحول مذهبي بدافع البحث عن منافع تضمن لصاحبها أن يظل “أشبه بالوزراء من العلماء”!!
ومن هؤلاء أيضا الحسن بن المبارك الزبيدي (ت 629هـ/1232م)، وهو إمام كبير ذاق طعم الانتماء إلى جُلّ المذاهب فاستقرّ على المذهب الحنفي؛ فقد قال السيوطي -في ‘بغية الوعاة‘- إنه “كان فاضلا عالما..، وكَتَبَ بخطه كثيرا، وكانت أوقاته محفوظة؛ وكان حنبليا، ثم تحول شافعيا، ثم استقرّ حنفيا”.
وهذا الانتقال من الحنبلية إلى الشافعية إلى الحنفية يدلّ غالبا على النظر الجاد والاجتهاد الدائم من أولئك العلماء للوصول إلى الحقيقة التي هداهم علمهم واجتهادهم إليها، ويمكن القول إنّ هذا الانتقال معبّر عن الحياة العلمية والاجتهادية آنذاك، فالانتقال من لوازم الاجتهاد إذْ لا يُعقل انتقالٌ دون اجتهاد!
استقرار مؤسسي


ب- شافعية تحولوا حنفية: من الناحية المنهجية؛ قد يكون غريبا أن يكون انتقال الحنابلة إلى الحنفية أكثر من تحول الشافعية إليهم، ولعل استقرار الأوضاع المؤسسية للشافعية ووسطيتهم المنهجية كانت سببا في ذلك. ومع ذلك فإننا نلاقي أمثلة عديدة على انتقال علماء الشافعية إلى المذهب الحنفي، وإن كان العديد ممن وقفنا على انتقالهم ينتمون زمنيا إلى الحقبة التي بسطت فيها الدولة العثمانية سيادتها على منطقة العراق والشام ومصر، ومن المعلوم العلاقة الوثيقة بين هذه الدولة والمذهب الحنفي.

ومن هؤلاء الشافعية المتحولين حنفيةً: سعد الله بن حسين الفارسي السَّلْماسي الحنفي المقرئ (ت 890هـ/1485م)؛ فقد ترجم له السخاوي (ت 902هـ/1498م) -في ‘الضوء اللامع‘- فقال إنه “نزيل بيت المقدس وإمام الحنفية بالأقصى.. وكان شافعيا فتحنَّف (= صار حنفيا)”.
ومنهم القاضي معين الدين أشرف محمد التبريزي (ت 995هـ/1587م) الشهير بميرزا مخدوم الحسني، الذي ترجم له حاجي خليفة (ت 1067هـ/1657م) -في ‘سلم الوصول‘- فقال إنه “كان قدومه إلى قسطنطينية سنة 953 (هجرية = 1546م) وكان شافعيا فتحنَّف، فأكرمه السلطان (= سليمان القانوني ت 974هـ/1566م) فمَن دونه، وتولى المناصب العلمية”، وتقلّد القضاء في مدن عظيمة بينها مكة المكرمة!!
ومنهم كذلك إسماعيل بن عبد الغني النابلسي الحنفي (ت 1062هـ/1652م)؛ فقد جاء -في ‘مشيخة أبي المواهب الحنبلي‘- للمحدّث محمد بن عبد الباقي الحنبلي البَعْلي (ت 1126هـ/1715م) أنه “العلامة الفقيه..، [كان] محرِّرا مدققا له المعرفة بالتاريخ والأدب..، وبعد أن كان شافعيا عدل إلى مذهب أبي حنيفة”.
ومنهم أيضا الإمام الكبير ابن عابدين الحنفي (ت 1252هـ/1836م)؛ فقد جاء في ترجمته عند عبد الرزاق الميداني (ت 1335هـ/1916م) -في ‘حلية البشر‘- أنه قرأ “فقه الإمام الشافعي.. وكان شافعي المذهب وقتئذ، ثم لزم شيخه الشيخ شاكر العقاد (ت 1222هـ/1808م).. وقرأ عليه في المعقولات، وألزمه شيخه المذكور بالتحول لمذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان (ت 150هـ/768م)”.
ج- مالكية تحولوا حنفية: هذه الفئة من المتحولين مذهبيا نادرة الوجود، ومن أمثلتها قديما شهاب الدين أحمد بن عبد الله الوادي آشي الأندلسي (ت 739هـ/1338م) الذي يفيدنا ابن حجر -في ‘الدرر الكامنة‘- بأنه “تفقّه في بلده [وادي آش بغرناطة] وتأدّب، ورحل إلى المشرق فحج ثم سكن طرابلس ثم حلب وتحوَّل حنفيا، واشتمل عليه ناصر الدين ابن العديم (ت 752هـ/1351م) قاضيها فكان يواليه ويطرب لأماليه، واستنابه في عدة مدارس وفي الأحكام”.
فالظاهر من صنيع هذا الفقيه أن تحوله من مالكيته الأندلسية إلى الحنفية ساهمت فيه عوامل عدة؛ منها تغير البيئة المذهبية، وتأثير الشخصيات الوازنة، والرغبة في تقلد المناصب الموقوفة على مرافق حنفية ببلاد حنفية! وقد سرى الموقف نفسه -قبل ذلك بقرن- على بلديّه الأندلسي محمد بن مالك النحوي (ت 672هـ/1273م) الذي وصل المشرق مالكيَ المذهب ثم تحول فيه إلى الشافعية، مما جعل السيوطي ينعته -في ‘بغية الوعاة‘- بأنه “انفرد عن المغاربة.. [بـ]ـمذهب الإمام الشافعي”!!
ومن الأمثلة المتأخرة جدا لهذه الفئة: مفتي الديار المصرية الأشهر الإمام محمد عبده (ت 1323هـ/1905م)؛ فقد كتب أحمد حسن الزيات (ت 1388هـ/1968م) -في العدد 50 من مجلة ‘الرسالة‘- ترجمة لشيخ الأزهر حسونة النواوي الحنفي (ت 1343هـ/1924م)، وجاء فيها أن الخديوي عباس الثاني (ت 1364هـ/1944م) “أصدر أمره يوم السبت 24 المحرم سنة 1317 (1899م) بفصله (= النواوي) من [منصبيْ مشيخة] الأزهر والإفتاء، وإقامة ابن عمه الشيخ عبد الرحمن القطب النواوي (ت 1327هـ/1909م) شيخا على الأزهر، والشيخ محمد عبده -المستشار بالاستئناف الأهلي- مفتيا للقطر، بعدما انتقل من مذهب الإمام مالك لمذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة”.
توازن مطّرد


ثالثا: الانتقال إلى المذهب المالكي: انتقل العديد من علماء المذاهب إلى مذهب الإمام مالك ابن أنس (ت 179هـ/796م)؛ وهنا نذكر منهم تمثيلا:
أ- شافعية تحولوا مالكية: ترجم القاضي عياض (ت 544هـ/1149م) -في ‘ترتيب المدارك‘- لصالح بن سالم الخولاني (ت 267هـ/880م) قال إنه “تفقَّه بالشافعي ثم مال إلى المالكية”. وقد ذكر ياقوت الحموي (ت 626هـ/1229م) -في ‘معجم البلدان‘- ملمحا طريفا في سيرة الإمام اللغوي أحمد بن فارس (ت 395هـ/1006م)، فقال إنه “كان فقيها شافعيا فصار مالكيا، وقال: دخلتني الحميةُ لهذا البلد -يعني الرَّيّ (= طهران اليوم)- كيف لا يكون فيه رجل على مذهب هذا الرجل المقبول القول على جميع الألسنة”!!
وجاء في ترجمة الحافظ ابن عبد البَرّ الأندلسي (ت 463هـ/1071م) -في ‘السِّيَر‘ للذهبي- أنه “كان أولا ظاهريا فيما قيل، ثم تحول مالكيا مع مَيْل بيِّن إلى فقه الشافعية في مسائل، ولا يُنكَر له ذلك فإنه بلغ رتبة الأئمة المجتهدين”. وفي مثال آخر على خضوع العلماء أحيانا لتجاذب تأثيرات البيئة العائلية؛ يقول ابن حجر -في ‘إنباء الغُمْر‘- إن الفقيه إبراهيم بن محمد الإخْنائي (ت 777هـ/1375م) “كان شافعيَّ المذهب كأبيه..، ثم تحول مالكيا كعمّه”!
ب- حنفية تحولوا مالكية: لا يوازي ندرة تحول المالكية إلى المذهب الحنفي إلا نظيرتها في الاتجاه المعاكس؛ ومع ذلك فنحن واجدون مثالا -على الأقل- لفقيه حنفي صار مالكيا! فمؤرخ تراجم المالكية العلامة أحمد بابا التُّنْبُكْتي (ت 1036هـ/1627م) يقول -في ‘نيل الابتهاج‘- إن الفقيه فتح الدين عبد الرحمن بن الشِّحْنة الحلبي (ت 830هـ/1427م) “كان حنفيا ثم انتقل مالكيا، [ثم] تولى قضاء المالكية، وكان من الفضلاء الأعيان وأحد النبلاء الأذكياء من بيت علم”.
والحاصل، أن المذهب المالكي ربما كان من أقل المذاهب تحولا عنه وإليه، ولعل مردّ ذلك أنّه ارتبط بجغرافيا المغرب والأندلس وكانت الرحلة شاقة إلى تلك الأقاليم، ولذا صارت القاعدة المطردة هي أن “المغاربة كلهم مالكيون إلا النادر منهم”؛ كما قال تقي الدين الفاسي (ت 832هـ/1429م) في ‘العِقْد الثمين‘.
رابعا: الانتقال إلى المذهب الحنبلي: أما المذهب الحنبل؛ فقد انتقل إليه كثير من العلماء من مختلف المذاهب، باستثناء المذهب الحنفي الذي لم نعثر على متحولين منه إلى الحنابلة الذين كان مذهبهم أقل المذاهب جذبا واستقطابا، وتفيد النماذج المرصودة للمتحولين إليه بأنهم كانوا من المنتمين للمذهبين المالكي والشافعي القريبيْن منهجيا للمذهب الحنبلي، بوصف هذه المذاهب الثلاثة هي أركان “مدرسة الأثر”.
ويبدو أن من أهم أسباب ضعف استقطاب المذهب الحنبلي للمتحولين مذهبيا هو كونه لم يُنظر إليه أصلا باعتباره مذهباً فقهيا بل مدرسة حديثية، حتى إنه كاد يلحق بقافلة المذاهب الفقهية المندثرة لولا أن أحد أئمته الأوائل -وهو أبو بكر الخَلّال (ت 311هـ/924م)- اضطلع بمهمة تدوين آرائه الفقهية في آخر عمره، كما يخبرنا الذهبي -في ‘السِّيَر‘- بقوله: “ولم يكن قبله (= الخَلّال) للإمام مذهب مستقل، حتى تتبع هو نصوص أحمد ودوّنها وبَرْهَنها بعد الثلاثمئة”. وكما ذكرنا؛ فقد سجّلت لنا كتبُ التراجم انتقالاتٍ من الشافعية والمالكية إلى صفوف الحنابلة، وسنورد أمثلة لها فيما يلي:
أ- شافعية انتقلوا حنابلة: ربما كان من أوائل من استقطبهم المذهب الحنبلي: أبو الخطاب علي بن أحمد البغدادي المؤدِّب (ت 476هـ/1083م)، الذي قال عنه ابن العماد الحنبلي (ت 1089هـ/1679م) -في ‘شذرات الذهب‘- إنه “كان من شيوخ الإقراء ببغداد المشهورين، ومن حنابلتها المجتهدين، وكان سابقا شافعيا ثم رأى [في المنام الإمامَ] أحمد [بن حنبل] وسأله عن أشياء، وأصبح وقد تَحَنْبَل وصنّف في معتقدهم”! وهذه طريقة طريفة في تعليل التحول المذهبي اتبعها عدة علماء، غيّروا مذهبهم وبرّروا ذلك برؤى منامية توصلوا فيها إلى أرجحية المذهب الجديد!!
أسباب وجيهة


وترجم ابن العماد أيضا للإمام محمد بن ناصر السَّلامي البغدادي (ت 550هـ/1160م) فذكر أنه “تحوّل من مذهب الشافعي إلى مذهب الحنابلة، وخالط الحنابلة ومال إليهم وانتقل إلى مذهبهم.. في الأصول والفروع، ومات عليه”. ومن الشافعية المتحنبلين إمام النحاة في عصره ابن هشام المصري (ت 761هـ/1360م)؛ فقد قال عنه السيوطي -في ‘بغية الوعاة‘- إنه “تفقّه للشافعي ثم تحنبل وتصدَّر لنفع الطالبين، وانفرد بالفوائد الغريبة والمباحث الدقيقة”.
ب- مالكية تحولوا حنابلة: جاء في ‘الضوء اللامع‘ للسخاوي أن عبد اللطيف بن محمد الحسني (ت 853هـ/1449م) “كان أبوه مالكيا فتحوّل هو حنبليا وولي إمامة مقام الحنابلة بمكة..، ثم قضاءها في سنة تسع (= 809هـ/1406م) فكان أول حنبلي ولي قضاء مكة..، ولم يزل سلفه فقهاء مالكية، فلما أحدثوا (= السلطة المملوكية) بمكة قاضـ[ـيا] للحنفية، وقاضـ[ـيا] للمالكية، وصار بها ثلاثة قضاة، أحب أن يكون رابع الثلاثة، فقال: أنا حنبلي، وسعى في أن يكون [قاضيا للحنابلة] بمكة”.
ومن طرائف هذا التحول المذهبي -المخالف للمستقر في عائلة صاحبه والذي تدفع إليه الرغبة في المناصب- أنه أحيانا يلاقي معارضة من أصحاب المذهب المتحوَّل إليه، خشية من مضايقة الوافد الجديد لهم في المناصب والرواتب، وهو عكس ما كان يُفترض أن يحصل عادة من ترحيب بهذا الوافد باعتباره إضافة علمية سترفد المذهب وتثريه!
ومن أمثلة ذلك ما يفيدنا به السخاوي في ترجمة شهاب الدين أحمد بن أحمد الكناني الشامي (ت 962هـ/1555م) من أنه “كان همّ أن يتحنبل، فأسمعه العزُّ قاضي الحنابلة ما يكره لِظَنِّه فيه قصْدَ مزاحمته في الوظائف وغيرها، لشدة فقره وعدم رواجه بين كثير من أهل مذهبه”!!
وهكذا نجد أنّ أغلب المتحولين إلى مذهب أحمد كانوا من الشافعية، نظرا للتقارب المنهجي بين المذهبين كما مرّ، ولتعايشهما في رقعة جغرافية واحدة (العراق/الشام) كادت تخلو لهما في معظم العصور، والانتقال إلى المذهب القريب سهل على النفس ومتوافق مع تحولاتها الفكرية.
هذا علاوة على تأخر نشوء المذهب الحنبلي وتأسسه وانتشاره كمذهب فقهي، على أنه عندما انتشر وتعزز كانت المذاهب الثلاثة الأخرى قد بسطت هيمنتها في بلاد الإسلام شرقا وغربا، ومن ثمّ كانت المنافسة أمام المذهب الحنبلي صعبة لأنّه لم يجد بيئة خالية، واستمرّ ذلك حتى قدوم شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728هـ/1328م) الذي أحدث تحولات عميقة في مسيرة المذهب الحنبلي فتحا وانفتاحا.
تيار جامع


لم ينتقل عدد من العلماء مرّة واحدة من مذهبه إلى مذهبٍ آخر، بل انتقل مرتين وربما أكثر بين المذاهب كما رأينا في ظاهرة تيار “الحَنْفَشَة”، وذلك لبعض الأسباب الآنفة الذكر في صدر المقال، أو ربما لمحض اجتهاد من العالم وتغيّر في رؤاه ومواقفه؛ وعلى كل فقد وُجد من ينتقد هذا التنقل المذهبي المتعدد!
يقول ابن خلكان -في ‘وفيات الأعيان‘- مترجما لأبي بكر المبارك ابن الدهان الضرير (ت 612هـ/1215م) الملقب بـ‘الوجيه‘: “تفقَّه على مذهب أبي حنيفة بعد أن كان حنبليا، ثم شغر منصب تدريس النحو بالمدرسة النظامية، وشرط الواقف ألا يفوَّض إلا إلى شافعي المذهب، فانتقل الوجيه المذكور إلى مذهب الشافعي وتولاه”.
وقد أورد السيوطيّ -في ‘بغية الوعاة‘- انتقاد بعض تلامذة ابن الدهان لتحولات شيخه المذهبية، فقال فيه تلميذه أبو البركات محمد بن أبي الفرج التكريتي (ت 599هـ/1203م):
ألا مبلغٌ عني الوجيهَ رسالةً ** وإنْ كان لا تُجدي إليه الرسائلُ
تمذهبتَ للنعمان بعد ابن حنبل ** وذلك لمّا أعوزتْكَ المآكلُ
وما اخترتَ رأيَ الشافعي ديانةً ** ولكنْ لأن تهوَى الذي منه حاصلُ
وعمّا قليل أنتَ لا شكّ صائرٌ ** إلى “مالِكٍ” فافطن لما أنا قائل!
وقصد الشاعر بقوله “مالك” الإشارة إلى “مالك خازن جهنم” في الآخرة، تحذيرا لابن الدهان هذا من سوء عاقبة استجابته المتكررة للدوافع المادية الثاوية خلف تحولاته المذهبية!! وقد علّق السيوطيّ مستهجنا انتقاد هذا التلميذ الشاعر لشيخه فقال: “قلتُ: هكذا تكون التلامذة! يتخرجون بأشياخهم ثم يهجونهم! لا قوة إلا بالله”!!
ويدخل في هذا الباب مَنْ تمذهب بأكثر من مذهب في وقت واحد؛ فأبو الفداء قاسم بن قُطْلُوبُغَا الحنفي (ت 879هـ/1475م) يحدثنا -في كتابه ‘الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة‘- أن أبا بكر محمد بن رمضان الحُمَيدي المصري (ت 321هـ/933م) “كان مالكيا شافعيا، والمالكية أغلبُ عليه”.
وعندما ترجم ابن فرحون المالكي (ت 799هـ/1396م) -في ‘الديباج المُذْهَب‘- للإمام أبي العباس عبد الله الإبياني (ت 352هـ/963م) وصفه بأنه “كان عالم إفريقية (= تونس) غير مُدافَع من شيوخ أهل العلم وحفاظ مذهب مالك..، و[كان] يميل إلى مذهب الشافعي”. وفي ترجمته للإمام ابن المُلقِّن (ت 804هـ/1401م) يقول السخاوي في ‘الضوء اللامع‘: “إنه اشتغل في كل فن حتى قرأ في كل مذهب كتابا وأُذِن له بالإفتاء فيه”.
وجاء في ترجمته للفقيه علي بن محمود الحموي (ت 828هـ/1425م): “ووصفه بعضهم -فيما قيل- بأنه يحيط علما بالمذاهب الأربعة، فردّ عليه وقال: قل بجميع المذاهب”! ونُقِل عنه ردّه على أحدهم عندما قال: “هذا عالم بالمذهب الحنفي، فقال له: قل: شيخ المذاهب”!! هذا مع أن ابن حجر يقول عنه في ‘الدرر الكامنة‘: “كان حنفيا فتحوّل عند القاضي تاج الدين السبكي (ت 771هـ/1369م) شافعيا”.
وورد في ‘فهرس الفهارس‘ للمحدِّث محمد عبد الحي الكتاني المغربي (ت 1382هـ/1962م) أن شيخ الأزهر أحمد الدمنهوري (ت 1192هـ/1779م) “كان يكتب تحت اسمه بعد الشافعي: الحنفي المالكي الحنبلي، استجاز بذلك من شيوخه”.
فهذا جانب آخر مهمّ من مستويات التمذهب عند العلماء يذكرنا بظاهرة تيار الجمع بين الحديث والفقه والتصوف، وهو بديل آخر اتخذه بعضهم عوضا عن التحول والانتقال بالكلية، وربما كان جرياً منهم على قاعدة أن “الجمع أولى من الترجيح”! والإشارة إلى هذا النمط متكررة في كتب التراجم والطبقات، وكثيرا ما يقولون مثلا: هو حنفي وله ميل إلى الشافعية، أو العكس؛ وهكذا في سائر المذاهب.
مراجعات فكرية


لم يكن أمر الانتقال المذهبيّ منحصراً في المذاهب الفقهية فحسب، بل إننا نجد بكثرة متحولين متبادَلين بين الفِرَق الفكرية والعقدية، سنقف هنا على نماذج منها تمثيلا لا حصرا؛ ذاكرين بداية أنه من طرائف التحول الفكري والعقدي ما نلقاه أحيانا من دَوْرٍ للنساء في وقوعه، وهو ما لم نعثر على نموذج له في الانتقالات المذهبية الفقهية!
فقد قال الحافظ ابن عساكر (ت 571هـ/1175م) -في ‘تاريخ دمشق‘- إن الزعيم الخارجي عِمْران بن حِطَّان السَّدُوسي (ت 84هـ/704م) “أدرك جماعةَ من أصحاب النبي ﷺ، وصار في آخر أمره أنْ رأى رأيَ الخوارج، وكان سبب ذلك -فيما بلغنا- أن ابنة عمٍّ له رأتْ رأيَ الخوارج، فتزوجها ليردّها عن ذلك فصرفته إلى مذهبها”!
وقال الذهبي -في ‘السِّيَر‘- مترجما لقاضي قضاة الفاطميين ومنظِّر دولتهم الأكبر أبي حنيفة النعمان بن محمد المغربي (ت 363هـ/975م): “كان مالكيا فارتدّ إلى مذهب الباطنية، وصنّف له [كتاب]: ‘أسّ الدعوة‘”. ويقول الصفدي -في ‘الوافي بالوفيات‘- إن ابن الزيتوني المعتزلي (ت 542هـ/1147م) كان “حنبليا من أصحاب أبي الوفاء ابن عقيل، ثم انتقل إلى مذهب أبي حنيفة..، وكان يذهب إلى الاعتزال وله معرفة بمذاهب المتكلمين”.
ومن غرائب التنقل الفِرَقي ما كان يحصل منه بين مذهبين متناقضين في المنطلق والرؤية والغاية؛ ومن ذلك ما يرويه المؤرخ جمال الدين القِفْطي (ت 624هـ/1227م) -في ‘إنْباه الرُّواة‘- من أن شُبَيْل بن عَزْرَة الضُّبَعي (ت بعد 100هـ/720م) كان “من خطباء الخوارج وعلمائهم..، وكان أوّلا شيعيا نحو سبعين سنة، ثم انتقل إلى الشُّراة (= الخوارج)”!! وترجم ابن كثير لأبي الحسن ابن العريف (ت 592هـ/1196م) فذكر أنه “كان حنبليا ثم اشتغل شافعيا..، ويقال إنه صار بعد هذا كله إلى مذهب الإمامية (= الشيعة)، فالله أعلم”!!
ومن طرائف المذاهب الفقهية والفرق الفكرية أنها كانت تجتمع كلها -على وجه الندرة والاستثناء- في العائلة الواحدة بوئام وانسجام؛ فمن نماذج ذلك في الفِرَق ما يخبرنا به ابنُ قتيبة الدينوري (ت 276هـ/889م) -في ‘المعارف‘- بقوله إنه كان للمحدِّث الثقة أبي الجعد الأشجعي (ت 100هـ/719م) “ستة بنين، فكان منهم: اثنان يتشيعان، واثنان مرجِئان، واثنان يريان رأيَ الخوارج؛ فكان أبوهم يقول لهم: يا بَنيّ: لقد خالف الله بينكم”!!
ومن أمثلة اجتماع المذاهب الفقهية على صعيد واحد داخل أسرة واحدة ما ذكره المؤرخ محمد أمين المحبّي (ت 1111هـ/1700م) -في ‘خلاصة الأثر‘- من أن الشيخ إبراهيم بن مسلم الصمادي الشافعي (= ت 1073هـ/1663م) “رُزق قبولا عظيما واتفق الناس على تجليله واعتقاده، وكان يدعو الله تعالى أن يرزقه أربعة أولاد ليكون كل واحد منهم على مذهب من المذاهب الأربعة؛ فوُلد له أربعة أولاد وهم: مسلم وكان مالكيا، وعبد الله وكان حنبليا، وموسى وكان شافعيا، ومحمد وكان حنفيا”!!

دلالات وأبعاد


تتضمن تحولات كبار العلماء -من مذهب فقهي إلى آخر- عدّة دلالات مهمة، حريّ أن نقف مع بعضها مما سبق أن أوردنا نماذج تؤيده وتؤكده:
1- ديمومةُ حركة الاجتهاد: ففي المقامِ الأول؛ تدل تلك التحولات -في معظمها الذي كانت دوافعه موضوعية- على ديناميكية الحراك العلمي، وديمومة الاجتهاد الفقهي عند المسلمين. فلو أنّ العالِم لم يجتهد ويقارن بين أصول ومناهج المذاهب ما كان له أن يتحول، لأنّ الانتقال والتحول وليد للاجتهاد وثمرته. وهذا يدلّ على أن أبواب الاجتهاد والاختيار المذهبي ظلت مفتوحة باستمرار أمام نمطين من الاجتهاد: اجتهاد داخل المذاهب واجتهاد من خارجها.
ومما يؤكد بُعد الحيوية الاجتهادية وموضوعيتها في تلك التحولات أن بعض أصحابها يعودون أحيانا إلى مذاهبهم الأولى؛ ومن ذلك ما ذكره السيوطي -في ‘حسن المحاضرة‘- من أن الإمام ابن عبد الحكم المصري (ت 268هـ/881م) “أخذ مذهب مالك [بن أنس]..، فلما قدم الشافعي مصر صحبه وتفقه به، فلما مات الشافعيّ رجع إلى مذهب مالك، وانتهت إليه الرياسة بمصر”.
2- نبذ التعصب المذهبيّ: تشير تلك التحولات إلى غلبة التهدئة المذهبية في البيئة العلمية الإسلامية، ومدّ لأواصر الصلة بين المذاهب الفقهية؛ فمن خلال التحولات عَرف الفقهاء وجهات نظر المذاهب المغايرة لهم، والتمسوا الأعذار لبعضهم بعضا. ويؤيد ذلك ما نراه من تلمذة متبادلة بين المنتمين للمذاهب؛ فأدى ذلك إلى انتقال بعضهم إلى مذهب الآخر، أو بقائه على مذهبه مع رحابة صدره وسعة مدركاته، وتسليم للغير بالفضل ووجاهة الرأي.
3- محورية البعد الجغرافي: فبقدر ما وُجدت عوامل جغرافية مسبِّبة للانتقال المذهبي ظهرت أخرى مانعة منه؛ فبعض الأقاليم والبلدان كانت مغلقة أمام التنقلات المذهبية داخلها لسيادة مذهب معيّن فيها حصرا. وهو ما أدى إلى تكيف بعض القادمين إليها مع بيئتها العلمية بتحولهم إلى المذهب الفقهي السائد فيها.

4- حضور العامل النفسي: لكلّ فقيه وعالِم بيئته التي نشأ فيه وثقافته التي تربّى عليها منذ أن كان طريّ العود، ولكلّ منهم أخلاقه وأمزجته النفسية التي تؤكد نوازعه البشرية وتشكّل معايير اختياراته المذهبية، وقد رأينا كيف ساهم ذلك كله في انتقال عالِم من مذهب إلى آخر، إما استجابةً لمؤثِّر عائلي، أو تأثرا بمنهج أستاذ، أو نزولا عند ضرورة مصلحة مادية اقتضتها ظروف الحياة.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 35.04 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 34.41 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.79%)]