
23-01-2022, 08:53 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,268
الدولة :
|
|
رد: النسخ في القرآن عند ابن العربي
3- "الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ قَوْمٌ: هَذَا نَاسِخٌ لِلتَّخْيِيرِ، وَهَذِهِ دَعْوَى عَرِيضَةٌ؛ فَإِنَّ شُرُوطَ النُّسَخِ أَرْبَعَةٌ مِنْهَا: مَعْرِفَةُ التَّارِيخِ بِتَحْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ وَالْمُتَأَخِّرِ. وَهَذَا مَجْهُولٌ مِنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ، فَامْتَنَعَ أَنْ يُدَّعَى أَنَّ وَاحِدَةً مِنْهُمَا نَاسِخَةٌ لِلْأُخْرَى، وَبَقِيَ الْأَمْرُ عَلَى حَالِهِ". (ابن العربي، أحكام القرآن، 2/137).
ليته طبق هذه القاعدة في كل ما جُهل تاريخه، أو بين مستنده في القول بالنسخ في ما يلتبس تاريخه.
4- "الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَدْ ذَكَرْنَا فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ أَنَّ الْقَطْعَ فِي السَّرِقَةِ نَاسِخٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الشَّرَائِعِ"[91]. (ابن العربي، أحكام القرآن، 3/68).
5- "... فَلَمَّا هَاجَرَ نَزَلَتْ: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ﴾ [الحج: 39]، وَهَذَا نَاسِخٌ لِكُلِّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ إعْرَاضٍ وَتَرْكٍ وَصَفْحٍ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي قِسْمِ النَّسْخِ الثَّانِي مِنْ عُلُومِ الْقُرْآنِ"[92]. (ابن العربي، أحكام القرآن، 3/300).
منسوخ+ينسخ: (بصيغة اسم المفعول والمضارع المبني للمعلوم والمجهول):
وقد ورد منها في التفسير من ما يتعلق بموضوعنا –من غير ما ذكر قبل- ما يلي:
1- "...وَقَالَ الْمُخَالِفُونَ: إنَّهُ لَمْ يُنْسَخْ، وَلَكِنَّهُ نُفِّذَ الذَّبْحُ، وَكَانَ كُلَّمَا قَطَعَ جُزْءًا الْتَأَمَ، فَاجْتَمَعَ الذَّبْحُ وَالْإِعَادَةُ لِمَوْضِعِهَا حَسْبَمَا كَانَتْ"[93]. (ابن العربي، أحكام القرآن، 2/225).
2- "اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلِ: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِالسُّنَّةِ، وَحَرَّمَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَحَرَّمَ كُلَّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ؛ خَرَّجَهُ الْأَئِمَّةُ كُلُّهُمْ. الثَّانِي: أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ لَا حَرَامَ فِيهَا إلَّا فِيمَا قَالَتْهُ عَائِشَةُ[94]. الثَّالِثِ: قَالَ الزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: هِيَ مُحْكَمَةٌ، وَيَضُمُّ إلَيْهَا بِالسُّنَّةِ مَا فِيهَا مِنْ مُحَرَّمٍ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِالسُّنَّةِ[95] فَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ كَمَا اخْتَلَفُوا فِي نَسْخِ السُّنَّةِ بِهَا". (ابن العربي، أحكام القرآن، 2/291).
3- "الثَّانِي: أَنَّهُ مَنْسُوخٌ[96] بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ﴾ [التوبة: 5] وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ [البقرة: 193]". (ابن العربي، أحكام القرآن، 1/151).
4- "الثَّالِثُ: أَنَّهُ مَنْسُوخٌ[97] بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ [المائدة: 5]". (ابن العربي، أحكام القرآن، 1/217).
5- "الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: قَوْله تَعَالَى: ﴿ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ ﴾ [المائدة: 2] عَلَى الْعُدْوَانِ عَلَى آخَرِينَ، نَزَلَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي «الْحَكَمِ رَجُلٍ مِنْ رَبِيعَةَ، قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: بِمَ تَأْمُرُنَا؟ فَسَمِعَ مِنْهُ. وَقَالَ: أَرْجِعُ إلَى قَوْمِي فَأُخْبِرُهُمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: لَقَدْ جَاءَ بِوَجْهِ كَافِرٍ وَرَجَعَ بِقَفَا غَادِرٍ. وَرَجَعَ فَأَغَارَ عَلَى سَرْحٍ مِنْ سُرُوحِ الْمَدِينَةِ، فَانْطَلَقَ بِهِ، وَقَدِمَ بِتِجَارَةٍ أَيَّامَ الْحَجِّ يُرِيدُ مَكَّةَ، فَأَرَادَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ يَخْرُجُوا إلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ» أَيْ لَا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ بِقَطْعِ سُبُلِ الْحَجِّ، وَكُونُوا مِمَّنْ يُعِينُ فِي التَّقْوَى، لَا فِي التَّعَدِّي، وَهَذَا مِنْ مَعْنَى الْآيَةِ مَنْسُوخٌ، وَظَاهِرُ عُمُومِهَا بَاقٍ فِي كُلِّ حَالٍ، وَمَعَ كُلِّ أَحَدٍ، فَلَا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أَنْ يَحْمِلَهُ بُغْضُ آخَرَ عَلَى الِاعْتِدَاءِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ ظَالِمًا، فَالْعِقَابُ مَعْلُومٌ عَلَى قَدْرِ الظُّلْمِ، وَلَا سَبِيلَ إلَى الِاعْتِدَاءِ عَلَيْهِ إنْ ظَلَمَ غَيْرَهُ؛ فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ أَحَدٍ عَنْ أَحَدٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ [الأنعام: 164]. وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ". (ابن العربي، أحكام القرآن، 2/21).
إذن فالآية محكمة عامة من كل وجه، وحتى لو قصرت على السبب المدعى للنزول لم يمنعها ذلك من أن تكون محكمة لأن النهي عن القتال في الحرم ثابت محكم ما لم نُبْتَدأ بالقتال فيه من طرف الكفار.
6- "الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَالثَّلَاثُونَ: فِي بَقَاءِ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ أَوْ ارْتِفَاعِهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ حُكْمُهَا مَنْسُوخٌ. وَقَالَ الْحَسَنُ: حُكْمُهَا ثَابِتٌ، فَمَنْ قَالَ: إنَّهَا مَنْسُوخَةٌ قَالَ: إنَّ الْيَمِينَ الْآنَ لَا تَجِبُ عَلَى الشَّاهِدِ؛ لِأَنَّهُ إنْ اُرْتِيبَ بِهِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ رِيبَةٌ وَلَا فِي حَالِهِ خُلَّةٌ لَمْ يُحْتَجْ إلَى الْيَمِينِ، وَعَلَى هَذَا عَوَّلَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَنُخْبَتُهُمْ. وَقَدْ قَرَّرَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ وَحَقَّقَهُ بِأَمْرِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾ [الطلاق: 2]. وَ ﴿ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ ﴾ [البقرة: 282]". (ابن العربي، أحكام القرآن، 2/251).
في الأمر خلاف وبالقول الثاني يضح وجه عدم النسخ كما في قوله: "وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّهَا ثَابِتَةٌ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ جَائِزَةٌ فِي السَّفَرِ؛ مِنْهُمْ أَحْمَدُ كَمَا تَقَدَّمَ يُجَوِّزُهَا فِي السَّفَرِ عِنْدَ عَدَمِ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ يَمِينٍ"، (ابن العربي، أحكام القرآن، 2/251)، ويشهد لرأي أحمد سياق الآية: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ * فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ * ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [المائدة: 106 - 108] " ففي هذه الآية قيود واضحة:
• ﴿ أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾
• ﴿ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَأَصَـٰبَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ ﴾
فهذان القيدان دالان على أن سياق تشريع الحكم غير عادي، ويشهد لذلك ما يحكى في سبب النزول في قصة الجام وتميم بن أوس الداري رضي الله عنه.
ومن هذه القيود المرجحة لمذهب الإمام أحمد:
• ﴿ ذَ ٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُوا بِٱلشَّهَـٰدَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَا ﴾
• ﴿ أَوْ يَخَافُوا أَن تُرَدَّ أَيْمَـٰنٌ بَعْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ ﴾
فهذا يدل على ضعف البينات، والحاجة إلى الردع، وأن هذا حكم شرع للضرورة، فيعمل به فيها، ولا يتعدى به محلها.
7- "﴿ وَآتُوا حَقَّهُ ﴾ الثَّالِثِ: أَنَّ هَذَا مَنْسُوخٌ بِالزَّكَاةِ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ". (ابن العربي، أحكام القرآن، 2/282).
وأي تعارض بينهما؟، إذا كان هناك تعارضا محتملا فهو بين هذه الآية، وحديث حلول الحول، ومحل بحث ذلك غير هذا، فليس بين الآيات تعارض حتى يقال إن بعضها ناسخ لبعض.
8- "وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيَّ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْكَفَالَةُ مَعَ جَهَالَةِ الْمَكْفُولِ لَهُ، وَادَّعَى أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ مَنْسُوخٌ مِنْ الْآيَةِ خَاصَّةً. وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: هَذِهِ الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْجُعْلِ، وَهِيَ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا، وَلَيْسَ لَهُمْ فِيهِ تَعَلُّقٌ فِي مَذْهَبٍ". (ابن العربي، أحكام القرآن، 3/66).
الغريب أنه رحمه الله لم يعلق على قولهم في نسخ الأخبار، ومن المعلوم أن الأخبار لا تنسخ، وأما الأوامر التي وردت بصيغة خبرية فتلك قضية أخرى ليس هذا منها في شيء.
9- "الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ هَذَا مِنْ الْمَغْفِرَةِ وَشَبَهُهُ مِنْ الصَّفْحِ وَالْإِعْرَاضِ مَنْسُوخٌ بِآيَاتِ الْقِتَالِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ عُلُومِ الْقُرْآنِ"[98]. (ابن العربي، أحكام القرآن، 4/122).
تقدم ما فيه، وأزيده هنا بأن المغفرة صفة حميدة وصف بها المؤمنون، "وإذا ما غضبوا هم يغفرون"، فهل يقول أحد بنسخ الأوصاف الحميدة؟ اللهم لا.
10- "وَفِي كَيْفِيَّةِ رَدِّهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يُخْرَجُ الْمَهْرُ وَالْخُمُسُ ثُمَّ تَقَعُ الْقِسْمَةُ، وَهَذَا مَنْسُوخٌ إنْ صَحَّ. الثَّانِي: أَنَّهُ يُخْرَجُ مِنْ الْخُمُسِ، وَهُوَ أَيْضًا مَنْسُوخٌ، وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ". (ابن العربي، أحكام القرآن، 4/233).
تكرر منه مرات مثل هذا المعنى "منسوخ إن صح"، فلا ينبغي أن ندخل في جدلية النسخ أو عدمه حتى نتأكد من الصحة أولا.
11- "الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ هَذَا الْحَدِيثُ سَتَرَوْنَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَفْسِيرَهُ فِي مُخْتَصَرِ النَّيِّرَيْنِ، وَاَلَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ هَهُنَا أَنَّ الْمَرْأَةَ وَالْغُلَامَ صَبَرَا عَلَى الْعَذَابِ مِنْ الْقَتْلِ، وَالصَّلْبِ، وَإِلْقَاءِ النَّفْسِ فِي النَّارِ، دُونَ الْإِيمَانِ. وَهَذَا مَنْسُوخٌ عِنْدَنَا حَسْبَمَا تَقَرَّرَ فِي سُورَةِ النَّحْلِ[99]". (ابن العربي، أحكام القرآن، 4/374).
ليس بمنسوخ وليس من شأن الأخبار أن تنسخ، وليس في الآية ما يشير إلى نسخ، بل ما زال من شاء أن يموت معتصما بدينه مُقَرًّا على ذلك، ولو لم يكن الأمر كذلك لما قتل خبيب، وقد قال:
وقد خيروني الكفر والموت دونه
وقد هملت عيناي من غير مجزع[100]
ولَمَا قُتل حبيب بن زيد رسولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إلى مسيلمة الكذاب الذي قطعه إربا إربا، وقد كان يسأله أتشهد أني رسول الله فيقول إني أصم "لا أسمع[101]".
12- "...فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ: أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إنْ صَدَقَ. [قُلْت: قَدْ رَأَيْته فِي نُسْخَةٍ مَشْرِقِيَّةٍ فِي الْإِسْكَنْدَرِيَّة: أَفْلَحَ وَاَللَّه إنْ صَدَقَ، وَيُمْكِنُ] أَنْ يَتَصَحَّفَ قَوْلُهُ: وَاَللَّهِ بِقَوْلِهِ: وَأَبِيهِ. جَوَابٌ آخَرُ بِأَنَّ هَذَا مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ: «إنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ»". (ابن العربي، أحكام القرآن، 4/397).
أولا: اختلفت النسخ في هذا ففي إحداها والله، وهي ترفع الإشكال.
ثانيا: يمكن الجمع بينهما بأن الحلف إنما ورد النهي عنه على سبيل التنزيه، أو اعتقاد النفع فيه، لا على سبيل الحرمة، فلا داعي للقول بالنسخ إذن، وليس هذا الأمر من القرآن في شيء، إنما هو من النسخ في السنة، ومحله كتب الحديث، وليس كتب التفسير.
خاتمة:
وبعد فمما تقدم يضح أن جهود الأصوليين في تدقيق المصطلحات، وضبط التعامل مع النصوص الشرعية، ما زالت تحتاج مزيدا من التنقيح ليس في ذات تلك الجهود فقط (وإن كان كل عمل بشري يحتاج مزيدا من التنقيح والتشذيب ومُعَرَّضا للخلل) وإنما لأدوات تطبيقها، فقد دخل هذا المصطلح –وخاصة في كتاب الله تعالى الذي هو أصل كل الأصول- على خطورته، وما يمثله من تأثير في التشريع الإسلامي مستوى عال من غياب التدقيق؛ ويرجع ذلك –من خلال الأمثلة أعلاه- إلى سببين:
الأول: عدم التقيد بشروط النسخ: كالقول بالنسخ مع إمكان الجمع، أو مع إمكان الترجيح، أو دون تدقيق تاريخ النصين الناسخ والمنسوخ، أو مع تقدم نزول الناسخ على المنسوخ.
الثاني: المزج بين لفظ النسخ عند السلف -الذي هو أقرب للغة منه للاصطلاح-، ومصطلح الخلف التخصصي؛ حيث ثبت بالاستقراء أن السلف يطلقون النسخ على التخصيص، والاستثناء، والبيان بعد الإجمال... إلى غير ذلك من المعاني[102].
بينما اتجه الخلف وخاصة الأصوليون إلى ضبط المصطلح وقصره على بعض معانيه، وهو "رفع حكم شرعي متقدم بحكم شرعي متأخر عنه، بدليل مساو لدليل الأصل أو أقوى منه"، على خلاف بينهم في بعض هذه التفاصيل والشروط.
ورتب الأصوليون على النسخ بهذا المعنى أحكاما كثيرة لا تلزم في حال اعتبار النسخ بالمعنى الأول.
ومن أمثلة تبني ابن العربي لمذهب المتأخرين في النسخ قوله: "زعم بعضهم فيها زعما ليس بمزعم، قال في قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ * إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ ﴾ [محمد: 36، 37]، أن قوله تعالى: ﴿ فَيُحْفِكُمْ ﴾ نسخ قوله: ﴿ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ ﴾ وسبحان المقدر بسطر مثل هذا الهوس، ولولا أنه دون وقريء وأقريء ما لفتنا إليه قلبا، ومن بلغ بسطر مثل هذا الهوس، ولولا أنه دون وقريء وأقريء ما لفتنا إليه قلبا، ومن بلغ به البله إلى أن يعتقد أن سبب الحكم علة لنسخ الحكم، فأي موضع فيه للكلام"[103]، فواضح أن المنسوب إليه القول أراد التعليل، أن ﴿ فَيُحْفِكُمْ ﴾ بينت علة النهي، فسمى ذلك نسخا على عادتهم في ذلك، فظنه ابن العربي رحمه الله من النسخ بمعناه الاصطلاحي فشنع عليه.
ويقابله عنده ما وقع له في سورة البقرة حين جعل الأمر اختلافا في التعبير واسعا، فقال: "وقد قال بعض الناس: إن هذا ناسخ للأمر بالإشهاد، وتابعهم جماعة؛ ولا منازعة عندنا في ذلك، بل هو جائز[104]، وحبذا الموافقة في المذهب، ولا نبالي من الاختلاف في الدليل"[105].
وحين يضح أن إماما مثل ابن العربي بقيت عنده رواسب للمعنى الأول للنسخ، وقد حرر معناه وتبنى الاصطلاحي منه، فالأمر يحتاج بحثا وتنقيبا في كتب تراثنا، وتوقفا أمام كثير من كتب التراث، لمعرفة المواقع التي لم يُلتزَمْ فيها بالاصطلاح، حتى لا ينقل منها المجتزئون نقلا غير صحيح، أو يضيفون إلى الصواب الكثير فيها الخطأ القليل فيقع التعميم.
والله الموفق. وصلى الله على محمد وسلم
قائمة المراجع:
القرآن الكريم
أ- الحديث الشريف:
1- البخاري، الجامع الصحيح، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، ط: 1، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)، 1422.
2- مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، ط: دار إحياء التراث العربي – بيروت.
ب- التفسير وعلوم القرآن:
1- ابن العربي، الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، 2001.
2- ابن العربي، أحكام القرآن، راجع أصوله وخرج أحاديثه وعلَّق عليه: محمد عبد القادر عطا، ط: 3، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، 2003.
3- السيوطي، الإتقان، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1974.
4- الطبري، جامع البيان، تحقيق: أحمد محمد شاكر، ط: 1، مؤسسة الرسالة، 2000.
ج- أصول الفقه:
1- ابن العربي، المحصول في أصول الفقه، تحقيق: حسين علي اليدري - سعيد فودة، ط: 1، دار البيارق – عمان، 1999.
2- الشاطبي، الموافقات، تحقيق: أبي عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، ط: 1، دار ابن عفان، 1997.
د- السيرة:
ابن هشام، السيرة، تحقيق: مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ الشلبي، ط: 2، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، 1955.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|