عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 23-01-2022, 07:28 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,197
الدولة : Egypt
افتراضي رد: بقدر الكد تكتسب المعالي

أبو لهب في النارِ وهو ابنُ هاشمٍ
وسلمانُ في الفردوسِ من خراسانِ


اجتمع عبدُالله بنُ عمر، وعروةُ بن الزبير، ومصعبُ بنُ الزبير، وعبدُالملك بنُ مروان بفِناء الكعبة، فقال لهم مصعب: تمنوا، فقالوا: ابدأ أنت، فقال: ولاية العراق وتزوُّج سَكينة ابنةِ الحسين، وعائشةَ بنتِ طلحةَ بنِ عبيدالله، فَنالَ ذلك، وأصْدقَ كلَّ واحدةٍ خمسَمائة ألف درهم، وجهزها بمثلها، وتمنى عروةُ بنُ الزبير الفقهَ وأن يُحملَ عنه الحديث، فنال ذلك، وتمنَّى عبدُالملكِ الخلافةَ فنالها، وتمنى عبدُاللهِ بنُ عمرَ - رضي الله عنهما - الجنةَ، والمأمول في كرمِ الجليل أنه قد نالها.
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
وتأتي على قَدْرِ أهلِ الكرامِ المكارمُ
وتَعْظُمُ في عينِ الصغيرِ صِغارُها
وتصْغُرُ في عينِ العظيمِ العظائمُ



كان عطاءُ بن أبي رباح عبدًا أسودَ لامرأةٍ من أهلٍ مكة، وكان أنفُه كأنه باقلَّاة، فبعد إعتاقِه مكث ثلاثين عامًا في الحرم يتعلم ويُعلِّم، وينفع ويبذل حتى أضحى علمًا من الأعلام، ورمزًا من الرموز، فجاء سليمانُ بنُ عبدِالملك أميرُ المؤمنين إلى عطاء هو وابناه، فوجدوا الناس عليه كالغمام، فجاء ليجتازَ الصفوف لأنه الخليفة، فقال عطاء: يا أميرَ المؤمنين خُذْ مكانَك ولا تتقدم الناس، فإن الناس قد سبقوك إلى هذا المكان، فلما جاء دورُه سأله المسألة فأجابه، فلما انتهى قال سليمان ُلأبنائه: يا أبنائي عليكم بتقوى الله والتفقهِ في الدين، فوالله ما ذللت في حياتي إلا لهذا العبد.
لا تَحسب المجدَ تمرًا أنت آكله
لن تبلغ المجدَ حتى تَلْعَقَ الصَّبِرا



تسمو همةُ أبي هريرة رضي الله عنه إلى ما يقرِّبه إلى الله عز وجل وتربو عن الهِممِ الدَّنِيَّةِ حين يقول عليه الصلاة والسلام: "ألا تسألني من هذه الغنائم التي يسألني أصحابك؟ فقلت: أسألك أن تعلمني مما علمك الله، قال: فنزعت نمرةً كانت على ظهري، فبسطتها بيني وبينه، حتى كأني أنظر إلى النمل يدب عليها، فحدثني حتى إذا استوعبت حديثه قال: "اجمعها فَصُرْها إليك"، فأصبحت لا أسقط حرفًا مما حدثني.
هممٌ لو أنَّ للدهرِ بها
معهدًا لم يملك الدهرُ عُتُوَّه
غيرُكُم في لهوِهِ قَد جَمَحَت
نفسُه يهوي بها سبعين هُوَّه
وأراكم صفوةً صادقةً
فيكم الحقُّ وآثارُ النُّبوة


كذلك حين تبسط الدنيا بين يديك لتسألَ منها ما تريد، ويأتيَ لك منها ما تشاء، فيعزف عن ذلك ربيعةُ بن كعب حين قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: سلني وقد أتى له بوَضوئه وحاجته، فقال: أسألك مرافقتك في الجنة قال: أوَ غير ذلك، قال: هو ذاك، قال: "فأعني على نفسك بكثرة السجود"؛ [مسلم].
إذا غامرت في شرفٍ مرومٍ
فلا تقنعْ بما دونَ النجومِ
فطعمُ الموتِ في أمرٍ حقيرٍ
كطعمِ الموتِ في أمرٍ عظيمِ


إن كانت لك همةٌ غيرَ الجنة وما يقربك إليها، فلتخسأ الهمة، إن كان لك أمنيةٌ غيرَ بيتٍ في جوارِ الدياَّن فبئست الأمنية، إن كان لك مقصدٌ غيرَ الإيمانِ والرضوانِ، فليَبْعُدِ المقصدُ والمطلبُ والهدف، نعم، من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعةَ الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة، يقول الله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾ [الإسراء: 19]، وقدر السلعة يُعرف بقدرِ مُشتريها والثمنِ المبذول فيها، والمنادي عليها، فإذا كان المشتري عظيمًا، والثمن خطيرًا، والمنادي جليلًا، كانت السلعةُ نفيسةً غاليةً رفيعةَ القدرِ والمكانة.

إن كبيرَ الهمةِ من يتحرى الفضائل لا للذةٍ ولا لثروة، ولا لاستشعارِ نخوة، واستعلاءٍ على البرية، بل يتحرى مصالح العباد شاكرًا بذلك نعمة الله، طالبًا مرضاتِه غيرَ مكترثٍ بقلةِ مصاحبيه، فإنه إذا عظم المطلوب قل المساعد إلا من الله، وطرقُ العلاءِ قليلةُ الإيناس إلا من ذكر الله، يقول الفضيل بن عياض – رحمه الله –: الزم طريق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة ولا تغترَّ بكثرة الهالكين، وقد صدق – رحمه الله - لأن الله تعالى يقول في محكم التنزيل: ﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [الأنعام: 116]، قال سليمان الداراني: لو شك الناسُ كلُّهم في الحق ما شككت فيه وحدي، وقيل: انفرادك في طريق طلبك دليلٌ على صدق الطلب، فأنت تعمل وتبذر وتبذل، والنتيجة ليست بيدك، أمَا يأتي النبيُّ ومعه الرجل والرجلان ويأتي النبيُّ ليس معه أحد؟ قال الله عن أولئك القوم المؤمنين لما التقوا بالكفار: ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 249]، فلم تمنعهم المثبطات عن الخير والإقدام.
أخي فامضِ لا تلفت للوراء
طريقك قد خضَّبته الدماء
ولا تلفت ها هنا أو هناك
ولا تطلع لغير السماء


بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...

الخطـبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:
فيقول عليه الصلاة والسلام: (من كانت الآخرةُ همَّه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همَّه جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدِّر له)؛ [صحيح الترمذي].

إن المؤمن يعمل فيما يرضي ربه، ولا ينسى نصيبه من الدنيا؛ لأنه يسخرها في طاعة الله، وبَذْلُهُ لأجل ذلك يكون لآخر رَمَق؛ كما جاء في الحديث: (إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسَها فليغرسها)؛ [السلسلة الصحيحة]، قال وهيب بن الورد: إن استطعت ألا يسبقك إلى الله أحدٌ فافعل، روت أم حَبيبة - رضي الله عنها - قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بُنيَ له بهن بيت في الجنة"، قالت: ما تركتها منذ سمعتهن من رسول - صلى الله عليه وسلم؛ [مسلم]، هذه هي الهمة الحقيقية التي يصحبها العمل، فإن كانت الهِمةُ دون عمل وقصد للطريق، أصبحت أماني وأحلامًا، وصفةُ بليدِ الحسِّ التسويف والتمني، يدمن ركوبَه مفاليسُ العالم، قال رجل لمحمد بن سيرين: إني رأيت في منامي أني أسبح في غير ماء، وأطير بغير جناح!! فما تفسير هذه الرؤيا، فقال له: أنت رجلٌ كثير الأماني والأحلام.


عباد الله، مِن مثبطات الهمة ملاحظةُ سافلِ الهمةِ من طلابِ الدنيا، كمتابعةِ ما يُسَمَّونَ بمشاهيرِ التواصل - أصحاب المحتوى التافه - الذي كلما هَممت بالنهوض جذبك إليها وغرَّك قائلًا: أمامك ليل طويل فارقُد: وكذلك مما يُضعف العزيمة ويهوي بالهمم حبُّ الدنيا وكراهية الموت، وإهدار الوقت الثمين؛ إذ إن الهمة العالية هي سُلَّمُ الرقيِّ إلى الكمال في كل أبواب البر؛ لذا قال عبدالرحمن بن مهدي: لو قيل لحماد بن سلمة: إنك تموت غدًا ما قَدِرَ أن يزيدَ في العملِ شيئًا، فمن تحلَّى بأمثالِ هذه الهمم لانَ له كلُّ صعب، واستطاع أن يَنفعَ ويؤثرَ في هذه الأمةِ - بإذن الله - مهما ضمُرت فيها معاني العلو والهمة؛ إذ إن همم الرجال تزيل الجبال.


صلُّوا وسلِّموا على مَن أُمرتم بالصلاة والسلام عليه.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 24.19 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 23.56 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.60%)]