
23-01-2022, 05:48 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,872
الدولة :
|
|
رد: المحرر في أسباب نزول القرآن ___ متجدد

المحرر في أسباب نزول القرآن
المؤلف: خالد بن سليمان المزيني
المجلد الاول
التمهيد
من صــ 138 الى صـ 142
الحلقة (24)
وقال الشنقيطي: (فما الدليل في ذلك على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؟
فالجواب: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئل بما معناه هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب؟ فأجاب بما معناه أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ثم ساق حديث ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن رجلاً أصاب من امرأة قبلةً فأتى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فذكر ذلك له فأنزلت عليه: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) قال الرجل: ألي هذه؟ قال: (لمن عمل بها من أمتي)، وفي رواية في الصحيح قال: الجميع أمتي كلهم).
فهذا الذي أصاب القبلة من المرأة نزلت فى خصوصه آية عامة اللفظ، فقال للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ألي هذه؟ ومعنى ذلك: هل النص خاص بي لأني سبب وروده؟ أو هو على عموم لفظه؟ وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - له: (لجميع أُمتي) معناه أن العبرة بعموم لفظ: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) لا بخصوص السبب والعلم عند اللَّه تعالى). اهـ.
وبعد هذا التقرير من اعتبار عموم الألفاظ دون خصوص الأسباب سأذكر عددًا من الأمثلة تناولتها بالدراسة تدل على ذلك. ومنها:
1 - أخرج البخاري وأحمد والدارمي والترمذي والنَّسَائِي عن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث، فقلت: يا رسول اللَّه لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فنزلت: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى).
2 - أخرج البخاري وأحمد والدارمي وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي عن البراء بن عازب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: كان أصحاب محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر، لم يأكل ليلته ويومه حتى يمسي، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائماً (فلما) حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك، وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته، فلما رأته قالت: خيبةً لك، فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فنزلت هذه الآية: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) ففرحوا بها فرحاً شديدًا، ونزلت: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ).
3 - أخرج البخاري وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن كعب بن عجرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: وقف عليَّ رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالحديبية ورأسي يتهافت قملاً، فقال: (يؤذيك هوامك) قلت: نعمِ قال: (فاحلق رأسك) قال: فيَّ نزلت هذه الآية: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ ... ) إلى آخرها فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (صم ثلاثة أيام، أو تصدق بفَرَق بين ستة أو انسك بما تيسر).
4 - أخرج البخاري وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي عن معقل بن يسار - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنها نزلت فيه: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ) قال: زوجت أُختاً لي من رجل فطلقها حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له: زوجتك وفرشتك وأكرمتك، فطلقتها ثم جئت تخطبها لا والله لا تعود إليك أبدًا، وكان رجلاً لا بأس، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه فأنزل اللَّه هذه الآية: (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ) فقلت: الآن أفعل يا رسول اللَّه قال: (فزوجها إياه).
5 - أخرج أحمد والترمذي وابن ماجه عن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بابنتيها من سعد، فقالت: يا رسول اللَّه، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قُتل أبوهما معك في أحد شهيداً، وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالاً، ولا ينكحان إلا ولهما مال قال: فقال يقضي اللَّه في ذلك) قال: فنزلت آية الميراث فأرسل رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى عمهما، فقال: (أعطِ ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقي فهو لك).
وآية الميراث هي قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ... ) الآية.
بقي أن يُقال جاء عن أبي أيوب الأنصاري، وابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ما يدل على أنهما يريان أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ.
فأما أبو أيوب فقد أخرج الترمذي وأبو داود والنَّسَائِي عن أسلم أبي عمران التجيبي قال: كنا بمدينة الروم، فأخرجوا إلينا صفاً عظيماً من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس وقالوا سبحان اللَّه، يلقي بيديه إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري، فقال: يا أيها الناس إنكم لتأولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما أُنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعز اللَّه الإسلام وكثر ناصروه فقال بعضنا لبعض سراً دون رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إن أموالنا قد ضاعت، وإن اللَّه قد أعز الإسلام وكثر ناصروه فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل اللَّه على نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يرد علينا ما قلنا: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ).
والجواب أن يقال: لا دلالة في الحديث على اعتبار خصوص السبب دون عموم اللفظ لأن أبا أيوب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كان يرى الاقتحام في صفوف الأعداء مأذوناً به شرعاً لأنه كان يشاهد ذلك من أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولا ينكر عليهم وإذا أُذن فيه شرعاً فلن تنهى الآية عنه، وأما ما عدا ذلك من صور إلقاء النفس إلى التهلكة فإن الآية تتناولها، ولا تختص بمن نزلت فيه وهم الأنصار واللَّه أعلم.
وأما ابن عبَّاسٍ فقد أخرج مسلم وأحمد والبخاري والترمذي والنَّسَائِي أن مروان قال: اذهب يا رافع (لبوَّابه) إلى ابن عبَّاسٍ فقل: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى، وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذباً لنعذبن أجمعون. فقال ابن عباس: مالكم ولهذه الآية؟ إنما أُنزلت هذه الآية في أهل الكتاب. سألهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه.
والجواب عن هذا أن يقال: لا دلالة في الحديث على اعتبار خصوص السبب دون عموم اللفظ ولعل هذا يتبين بتقسيم القضية إلى صورتين:
الأولى: أن يفرح المرء بما أتى من فعل لا معصية فيه، وأحب أن يحمد بما لم يفعل، من غير أن يقع منه كتمان شيء أو كذب على أحد فهذا لا تتناوله الآية كما قاله ابن عبَّاسٍ لأن صاحبه لم يقع منه عمل.
غاية الأمر: أنه أحب أن يحمد بما لم يفعل، وهذه طبيعة النفس البشرية، وهذا هو الذي قصده مروان، ويدل على ذلك قوله: (لنعذبن أجمعون)، ولا يخفى أنه ليس كل الناس يكتمون ويكذبون، فتبين أن مراده ما تقدم.
الثانية: أن يفعل المرء عين ما فعل اليهود من الكذب والكتمان فهذا ما يتناوله نص الآية، ولا فرق بين أن يقع الفعل من اليهود أو من غيرهم، وهذه الصورة لم يسأل عنها مروان لأنه لا يُستغرب أن يعذَّب من هذا حاله، وإنما كان استغرابه أن يُعذَّب على فعلٍ يقع من الجميع، ولا ذنب فيه.
* * *
المبحث السادس
تكرر النزول
القول بتكرر نزول بعض آيات القرآن من المباحث القديمة المتجددة، يبعثه ويغذيه بعض الروايات المتعارضة في الظاهر، حيث ألجأت بعض العلماء إلى القول بهذا لما أشكل عليهم الجمع بينها أو ترجيح بعضها، وسأذكر ما وقفت عليه من قولي العلماء، وما احتجوا به على هذه المسألة، ثم أُتبع هذا بدراسة الأمثلة التي احتجوا بها على التكرر دراسة مختصرة ثم أُبين الراجح في المسألة فأقول:
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
الأول: قول من يرى أن من القرآن ما تكرر نزوله واختار هذا ابن الحصار والسخاوي والزركشي والسيوطي.
قال ابن الحصار: (قد يتكرر نزول الآية تذكيراً وموعظة). اهـ. وقال السخاوي: (فإن قيل: فما فائدة نزولها مرة ثانية؟ قلت: يجوز أن تكون نزلت أول مرة على حرف واحد، ونزلت في الثانية ببقية وجوهها نحو: ملك، ومالك، والسِّراط، والصراط ونحو ذلك). اهـ.
وقال الزركشي: (وقد ينزل الشيء مرتين تعظيماً لشأنه، وتذكيراً به عند حدوث سببه خوف نسيانه.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|