
21-01-2022, 11:37 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,430
الدولة :
|
|
رد: نظرة تحليلية لقصيدة النثر
ومثل تلك الصورة - عبثيةً وخلوًّا من الإيحاء بل خلوًّا من المعنى ذاته - قوله: إن القطا كان يرفرف على مسارب المياه كالزبد، هل القطا أبيض اللون كالزبد؟ وهذا - بالمناسبة - هو السبب في أنه قد شبه القطا من قبْل باللؤلؤ، إنه بياض اللون، والقطا ليس أبيض اللون، بل هو - كما ذكر ابن قتيبة في كتاب "المعاني الكبير في أبيات المعاني" - ضربان: الكدري والغطاط، فالكدري: ما يكون أكدر الظهر، أسود باطن الجناحِ، أصفر الحلق، قصير الرجلين، في ذنبه ريشتان أطول من سائر الذَّنب، والغطاط: ما اسود باطن أجنحته، وطالت أرجله، واغبرت ظهوره غبرةً ليست بالشديدة، وعظُمت عيونه، واضح أن الشاعر لا يعرف شيئًا عن محور قصيدته، وهو القطا، الذي سوف نرى بعد قليل أنه لا يمكن الإمساك بدلالته في القصيدة، ولا بالسبب الذي حدا بالشاعر إلى اختياره دون غيره من الطيور لنظْم قصيدته فيه، وواضح أيضًا أن الشاعر قد اختلط الأمر عليه، فجاء كلامه لا عن القطا، بل عن النوارس؛ إذ النوارس لا القطا هي التي تصلح هنا لكونها بِيضًا، وكله عنده صابون، وعلى أية حال فالقطا طائر صحراوي، لا علاقة له بالبحار ورغوتها، كما أن المسارب المائية لا يمكن أن تكون لها تلك الرغوة؛ إذ لا أمواج لها يمكن أن تثور وترغي.
ولا يقولَنَّ قائل: إن الشاعر إنما ينظم شعرًا، ولا يكتب دراسةً علميةً حتى تأخذ عليه أنه يجهل كل ما يتعلق بالقطا، نعم لا ينبغي أن يقول قائل هذا الكلام؛ لأن جهل الشاعر المطلق بموضوعه قد أفسد كل شيء، ولم يَعُدْ في القصيدة شيء مستقيم، وبخاصة أن القطا هو محور القصيدة.
فإذا كان كل ما يذكره الشاعر عن القطا خطأً في خطأ في خطأ، فما الذي تصلح له القصيدة إذًا؟
ولقد تذكرت ما اعترض به "إبراهيم اليازجي" على "عنترة" حين وصف الذباب وهو يغنّي في حديقة غب المطر؛ إذ توهم أن غناء الذباب يصدر عن فمه، على حين أن الصوت الذي يصدر عنه إنما مبعثه اهتزاز أجنحته في الهواء، وهو ما يستلزم أن يكون الذباب في حالة طيران في الجو لا واقفًا على أغصان الشجر مثلاً فيستطيع حك ذراعه بذراعه؛ لأن الذباب لا يستطيع ذلك الحك أثناء الطيران، وهذا الانتقاد منقول عن كتاب المرحوم "أحمد تيمور باشا" من كتابه: "أوهام شعراء العرب في المعاني"، وقد انبريت للرد على "اليازجي" بالقول بأنه حتى لو صح ما يقول فإن الصورة التي افترعها "عنترة" هي من الروعة والفتنة والسِّحر بحيث تغطي على ما سقط فيه من خطأ، إذا كان هذا خطأً؛ إذ "اليازجي" إنما يحاول في بيت "عنترة" تفصيص الشعرة كما يقولون، والصورة المشار إليها هي صورة الأجذم الذي انكب على الزناد يحكه كي يقتدح منه الشرر، تلك الصورة التي بلغت من روعتها أن أنطقتْ ناقدًا فحلاً عملاقًا كالجاحظ - في كتاب "الحيوان" - فهتف معجبًا بها أيما إعجاب، وهو ما صنعه غيره من النقاد أمامها، وآخرهم فيما أعرف هو د. "نجيب البهبيتي" حسبما ذكرت في كتابي: "عنترة بن شداد - قضايا إنسانية وفنية"، فضلاً عني أنا، إن كان لي أن أعُدَّ نفسي ناقدًا يتذوق ويفهم، أو بالأحرى: يفهم ويتذوق، ما دام التذوق مترتبًا على الفهم لا العكس، وإن كانت الواو لا تفيد ترتيبًا، أما الأستاذ "حجازي" فلم يأتِ في قصيدته بشيء: فلا هو قدّم لنا لوحةً كاملةً، ولا هو أمدنا بصور جزئية فاتنة، ولا هو أعطانا معنًى مفهومًا، ولا هو أحسن تناول ما تناوله، بل جاء كلُّ ما لمسته يداه فاسدًا مضطربًا غامضًا، بل مستغلقًا، فكان الفرق بينه وبين عنترة كفرق السماء من الأرض، وهذا لو كانت ملاحظة "اليازجي" سليمةً، وهذه عبارة "البهبيتي"، وهي متاحة لمن يطلبها في كتابه: "تاريخ الشعر العربي حتى آخر القرن الثالث الهجري"، الذي وصف فيه ما صنعه عنترة بأنه: "صورة رائعة يلتزم فيها الشاعر الحقيقة لا يعْدوها، ولكنه في هذا الالتزام يخرجها إخراجًا يجعلها من أصفى أنواع الشعر، ومن أسمى ما تطمح إليه شاعرية شاعر، صور خلو الذباب بالروضة، وأسمعنا طنينه فيها، وأبى إلا أن يفيض عليه من جمال نفسه هو فجعله غناءً، ولم يجعله أي غناء، بل غناء سكران يترنح، ثم صوّر حركته تصويرًا لا يخرج عن الطبيعة أقل خروج، وهي حركة يعرفها من تابع الهوام في حركاتها حول المياه في الرياض، فخرج الوصف أمينًا واقعيًّا يتصل بالحقيقة، ثم إن هذه الصورة في الواقع تعبير جليل عن ذلك القدر من الانفعال والطرب يأخذ بنفس من خلا في مثل هذه الروضة، وبقلبه من الشاعرية الفياضة بعض ما أودعه الله قلب عنترة"، والحق إن في عبارة الدكتور "البهبيتي" لنفحاتٍ من الشعر، وحق لمن يفتتن بتلك الصورة البديعة الشادهة ويكتب عنها بهذه الطريقة - أن تهُبَّ على حديثه من شعر الشاعرين مثل تلك النفحات.
أما قول الأستاذ "حجازي": إن القطا - حين كان يهوي من السماء - كان يسترجع صورته من البدد، فلا أحقق له معنًى، مثلما لا أحقق معنًى لقوله: إنه عند صعوده من الماء كان يصعد بلا جسد، ومثلما لا أحقق معنًى لقوله: إنه هو - أي: الشاعر - كان يعدو بين الماء والغيمة، أو بين الحُلم واليقظة.
إن هذا كله - كما قلت - هذيان لغوي لا أكثر، والشاعر الحق حين ينظِم شعره إنما يكون في حالة صحو برغم النشوة الهائلة التي تلفه وتستولي عليه أثناء ذلك، وواضح أيضًا أن الماء والغيمة يقابلان الحلم واليقظة، ولكن كيف يكون هذا التقابل؟ الله وحده هو الذي يعلم، لقد قال لي الصديق المذكور: إن هذا العدْوَ دليل على الحيرة بين الحسي والمعنوي، أو بين المثالي والواقعي، فأين الحسي هنا، وأين المعنوي؟ وأين المثالي هنا، وأين الواقعي؟ هل الماء هو الحسي والواقعي؟ أم هل الغيمة؟ وهل الحلم هو المعنوي والمثالي؟ أم هل اليقظة؟ الحق أن هذا إنما هو مجرد رص كلمات، بعضها بجوار بعض لا أكثر، ثم يختم "حجازي" القصيدة بأنه منذ خرج من بلاده لم يعد، وأنه قد سلب الرشد، ترى لم سلب الرشد؟ ولماذا لم يعد إلى بلاده منذ خرج منها؟ وأين ذِكر بلاده وخروجه منها قبل ذلك؟ لا يقل أحد: إنه كان قد خرج من المدينة، فالمدينة لا يمكن أن تكون هي بلاده، بل مجرد جزء منها لا غير، وإلا ما قال: إن الناس قد تركوا المدينة يوم الأحد وخرجوا كلهم، وبقي هو وحده فيها، فالناس لا يتركون كلهم أوطانهم على هذا النحو.
وقبل ذلك كله: إلامَ يرمز القطا؟ هذا الذي تكرر ذكره في القصيدة ما لا أدري كم من المرات، ولم يتكرر غيره فيها مثله، فهو مفتاح القصيدة على رأي النقاد الحداثيين؟ قال صديقي المتحمس للقصيدة تحمسًا شديدًا: إنه ليس أمامنا إلا التخمين، فقلت له: وهل نحن في أحاج وفوازير؟ ثم قال: إن من الممكن أن نرى في القطا إشارةً إلى ذكريات الشاعر، فأجبته بأن الذكريات تسكننا ولا يفكر أحد أن يبحث عنها خارج ذاته، فضلاً عن أن يصطادها، ثم هل يصح أن يقال: إن الإنسان يتسلح بقوس وسهام كي يستعيد ذكرياته؟ إن من شأن القوس والسهم أن يُهلكا القطا، الذي تقول يا صديقي إنه يرمز إلى الذكريات، فقال: من الممكن القول بأنه يرمز إلى الأمل، فكان ردي: وهل يحتاج الأمل إلى أن تخلو المدينة - أيًا كانت دلالة المدينة هنا - من الناس، وأن يكون اليوم هو يوم الأحد حتى يبحث الإنسان عن آماله، ويعمل على تحقيقها؟ ثم قال: إن من الممكن أن يكون القطا تجسيدًا للذات المغتربة، فقلت له بدوري: واضح أنك قد وضعت نصب عينيك منذ البداية أن يكون للقصيدة معنًى، وإلا فكيف يكون القطا رمزًا على الذكريات والأمل، وفي نفس الوقت رمزًا على الذات المغتربة، وهذان غير تلك؟ وعلى كل حال، فالقطا لا ترتبط في الوجدان ولا التراث العربي بشيء مما تقول مثلما يرتبط الغراب مثلاً بالشؤم والبَيْن، أو الحمامة بالدعة والسلام، أو العصفور بالنزق والطيش طبقًا لقول الشاعر العربي: "أجسام البغال، وأحلام العصافير"، أو العصفورة "لدى المصريين المعاصرين" بإفشاء الأسرار وتبليغ الأخبار كما في قول أحدنا لطفله حين يعلم عنه سرًّا كان يخفيه ويستغرب كيف علمه رغم ذلك: "العصفورة هي التي قالت لي ذلك"، أو كما ترتبط البومة عندنا بالخراب، وعند بعض الأمم الأخرى بالحكمة، كما أن القطا لا يرتبط بالربيع مثلما يرتبط السُّمَانَى بالخريف مثلاً على ما هو مذكور في عنوان رواية نجيب محفوظ المعروفة على سبيل المثال، بل إن القطا لا يشغل موضعًا أي موضع في الذاكرة المصرية كأبي قردان مثلاً، أو أبي فصادة، أو الهدهد، أو الحمَام، أو اليمام، أو الكروان، أو الحدأة، أو الغراب، وأنا متأكد أنه لا أحد من قراء القصيدة - إن كان قد قرأها من القراء عدد ذو بال - يعرف القطا، وربما لم يسمع به قط، اللهم إلا إذا كان على علم واسع بالأشعار والأمثال العربية القديمة، حيث يجد مثلاً تشبيه المرأة الحيية في تهاديها بالقطاة كقول عمر بن لجأ:
نواعم يسبين الغويَّ، وما سبى 
لهن قلوبًا إذ دنا وتخلبا 
وصورهن اللهُ أحسن صورةٍ 
ولاقيْن عيشًا بالنعيم ترببا 
قصار الخطى تمشي الهوينا إذا مشت 
دبيب القطا بالرمل يُحْسَبن لغبا 
وحيث يعرف للعرب قولهم في الأمثال: "لو ترك القطا ليلاً لنام"؛ أي: لا بد أن يكون قد حدث أمر جلل، وإلا ما استيقظ القطا من نومه؛ إذ هو لا يطير ليلاً، أو ذلك المثل الآخر: "إنه لأصدق من قطاة"، أو المثل الذي يقول: "أهدى من قطاة"؛ لأنها تعرف طريقها في الصحراء جيدًا، أو قولهم في مثَل خامس: "أقصر من إبهام القطاة"، أو قولهم في سادس: "دعِ القطا ينَمْ"، ومعناه كما نقول بالعامية المصرية: "ابعد عن الشر وغنِّ له"، والقطا - كما سبق القول - طائر يعيش في الصحراء لا في الريف ولا في المدن؛ ولهذا وصف بعضهم مفازةً فقال: "هي غبراء الجوانب، مجهولة المذاهب، تقطع المطا، ويحار فيها القطا"، وقالت ليلى الأخيلية:
وداوية قفر تحارُ بها القطا 
تخطيتها بالناعجات الضوامر 
ولها أيضًا:
وصحراءَ مَوْماة يحارُ بها القطا 
قطعتْ على هول الجنان بمنسرِ 
ولعروة بن أذينة:
هذا، ومهلكة ترقص شمسها 
كالرَّجع في رَهَج الوديقة آلها 
غبراءُ ديموم يحارُ بها القطا 
عُصبًا يفرقُ بعدها أرسالها 
كذلك ساق صديقي ما كان قد قرأه لدى واحد من النقاد، له كتاب عن الشاعر، وهو أن القطا "نوع من النشاط النفسي يريد الشاعر أن يتحدث إليه"، فضحكت صائحًا: الله أكبر! أي تفسير أو تأويل للشعر هذا؟ وما علاقة القطا بالنشاط؟ وأين الدليل على أن هذا هو معناه؟ إن تخميناتك يا صديقي - رغم تعسفها وتخبُّطها ولامنطقيتها، لأرحم من هذا الكلام الذي لا رأس له ولا ذَنَب، هذه أول مرة نرى إنسانًا يحاول أن يصطاد النشاط، وبأي شيء؟ بالقوس والسهام! والحمد لله أنه لم يقل: إنه سوف يصطاده بالمسدس! وهي أول مرة أسمع أن الإنسان يريد أن يتحدث إلى النشاط، ولقد قرأت ما تقوله من كلام ذلك الناقد منذ أيام واستسخفته استسخافًا شديدًا، وأذكر أنه قد عاد بعد ذلك بأسطر معدودات، وأول القطا "نعم، القطا ذاته" بأنه "طائفة من الرغبات والمشاعر المكبوتة"، يعني أن القطا في خلال ثلاثة أسطر تحوَّل بقدرة قادر من "نوع من النشاط النفسي يريد أن يتحدث الشاعر إليه" إلى "طائفة من الرغبات والمشاعر المكبوتة"، كيف؟ الله وحده أعلم، وفيما بين هذا وذاك قال عنه: إنه - أي القطا - "سوف يستمر معنا بشكل محير"، يعني: لا هو نوع من النشاط النفسي، ولا طائفة من الرغبات والمشاعر المكبوتة.
ولقد مضى الناقد فقال: إن رغبة الشاعر في اصطياد مشاعره تدلُّ على أن تلك المشاعر لم تكن واضحةً تمامًا، ترى هل رأيت - بالله عليك أيها الصديق - أنت أو غيرك من يريد اصطياد مشاعره ورغباته؟ إن المشاعر والرغبات موجودةٌ في داخلنا، وليست خارجةً عنا حتى نفكر في اصطيادها، أما إذا كان لا بد من صيد واصطياد ما دام الشاعر مغرمًا بهذا كما هو واضح، فإنها هي التي تصطادنا لا العكس؛ إذ تعمل على أن تُوقِعنا في حبائلها، أليس كذلك؟ ثم كيف يفكر الإنسان في اصطياد رغباته ومشاعره، وهي غامضة غير واضحة له؟ إذًا فماذا يصطاد؟ وعلى أية حال فقد عاد ناقدك اللوذعي فقال: إن القطا "نوع من حديث النفس"، يعني: لا هو طائفة من الرغبات والمشاعر، ولا هو نوع من النشاط النفسي، ليس ذلك فقط، فقد عاد الناقد الهُمام للمرة الرابعة فقال: إن القطا "أشبه باللاشعور السعيد بمعنًى ما"، ولاحظ أنه كان قبل قليل طائفةً من الرغبات والمشاعر غير الواضحة، ولكنه الآن لم يَصِرْ واضحًا فحسب، بل أصبح سعيدًا، ثم عاد الناقد في نهاية المطاف فقال: إن القطا "يمكن أن يومئ إلى إنسان عربي يشتبه ضعفه وقوته أو يشتبه وهمه وعلمه"، هل فهمت أيها القارئ شيئًا؟ لقد أصبح النقد الأدبي على يد بعض من يسمون "نقادًا" سداح مداح، فلا ضابط ولا رابط، وما عليك إلا أن تقول أي شيء يطق في رأسك دون مبالاة بمنطق أو قانون أو ذوق أو حساسية.
كذلك ذكر ناقدُنا أن العطر في القصيدة إنما كان موجودًا في الحلم، وهذا خطأ؛ إذ نصَّت القصيدة على أن الشاعر قد شمه حين وجد نفسه وحيدًا في المدينة، ففكر في اصطياد القطا؛ أي: أنه كان موجودًا في اليقظة، لا في الأحلام السابقة على ذلك اليوم، تلك الأحلام التي كان كثيرًا ما يطارده فيها القطا، فإذا ما حاول الإمساك به شرد، ثم قلت لصديقي: لقد سبق أن قرأت ذلك النقد، وهو ليس نقدًا على الإطلاق، بل هلاوس يبدو هذيان القصيدة بجانبها عقلاً متزنًا ومنطقًا متماسكًا، رغم أنه ليس بالهذيان البسيط الهين، ومن هذه الهلاوس أيضًا - وكل ما في ذلك الكتاب هو من ذلك اللون العجيب من الهلاوس - قوله: إن "الزبد" أشبه ما يكون بالعطر القديم، وبرائحة الإنسان، هل فهمت يا صديقي - وأستحلفك بالعزيز الجبار أن تصدقني القول رغم اختلافي معك - شيئًا من هذا العبث؟ بل قل لي - بالله عليك -: كيف تشبه رائحة العطر القديم رائحة الإنسان حتى يعطف هذه على تلك بوصفهما شيئًا واحدًا في الصورة المذكورة آنفًا! وهل للإنسان رائحة ملازمة لا تتغير حسبما يفهم بكل وضوح من هذا السخف المسمى نقدًا؟ إن للإنسان روائح تتعدد بتعدد حالاته كما هو معروف، لكن تلك الروائح لا يمكن أن تشبه رائحة العطر أبدًا، ولا أظن أن هناك من يجادل في هذا، ثم قلت له: يا صديقي، أتذكر إذ كنت دائمًا تقول لي: إن الشاعر لا ينظم قصيدته ليقول لنا شيئًا، بل ينظمها والسلام؟ فكيف نسيت هذا الذي كنت تردده على مسامعي دائمًا كي تفهمني أنني - حين أبحث عن معنًى في القصيدة - إنما ألزم الشاعر بما لا يلزمه، بل يلزمني أنا وحدي ما دمت أصر على البحث في القصيدة عن معنًى؟ وافترقنا أنا وصديقي دون أن نتفق، أما أنا فلست أستطيع أن أفهم القصيدة، ولا أن أتذوقها رغم رغبتي الشديدة في أن أفيد مما قاله لي صديقي، إنها - والحق يقال - هذيان لغوي، وأنا لا يمكنني فهم الهذيان، فضلاً عن تذوقه، فلا فكرة ولا صورة ولا عاطفة ولا لغة متميزة، باختصار: لا شيء يمكن أن يخرج به القارئ من هذا الكلام الذي يريد صاحبه إقناعنا بأنه شعر، وما هو بشعر، ولا بشيء ينتمي إلى عالم المعنى والشعور.
• • •
ولسوف أقف الآن عند نموذجين مما يسمى بـ"قصيدة النثر" فأما أولهما فهذا النص لأدونيس:
"المرايا تصالح بين الظهيرة والليل
خلف المرايا
جسد يفتح الطريق
لأقاليمه الجديدة
جسد يبدأ الطريق
بين إيقاعه والقصيدة
عابرًا آخر الجسور
... وقتلت المرايا
ومزقت سراويلها النرجسية
بالشموس ابتكرت المرايا
هاجسًا يحضن الشموس وأبعادها
الكوكبية.
ويلاحظ القارئ على الفور أنه لا ترابط بين الجملة والجملة التي تليها، بل ولا بين الكلمة والكلمة التي تجاورها في ذات الجملة، ومن ثم فلا معنى لأي شيء في هذا الكلام، إن أدونيس أشبه بمن "يدلق" على الأرض سطلاً مملوءًا بالكلمات لتذهب كل كلمة في اتجاه، ثم تستقر الكلمات في النهاية دون أن تكون بين الكلمة والتي بجانبها أية علاقة سوى أنها صارت جارةً لها بالمصادفة المحضة!
وأما المثال الآخر الذي يبين لنا مدى التفاهة والسطحية المتغلغلة في كثير من نماذج ما يسمونه: "قصيدة النثر"، فهو لمنذر المصري، الذي لا أعرف عنه شيئًا:
هنا أسكن
ما رأيك لو ترى
ما ألصقته البارحة على زجاج نافذتي؟
وستقدم عمتي لنا
كوبين من الليمونادة المثلجة
أهلاً وسهلاً
أهلاً وسهلاً
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|