عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 21-01-2022, 10:45 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,329
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الآثار السيئة للابتداع

الآثار السيئة للابتداع (4)
د. محمود بن أحمد الدوسري




إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ أمَّا بعد:



انتشار البدع له من آثار سيئة تضرُّ بدين الله تعالى، ما يجعلنا على يقين تام بضرورة محاربتها بكل ما أُوتينا من قوة؛ نُصرةً لدين الله، وقد سبق الحديث في (الجزء الأول والثاني والثالث) عن الآثار السيئة للبدعة للابتداع، ويتواصل الحديث عن ذلك، كما يلي:







14- المُبتدِع عليه وِزْرُ مَن اتَّبَعَه:



من شؤم الابتداع في الدِّين أنَّ المُبتدع عليه وِزْرُ وإثمُ مَن اتَّبعه إلى يوم الدِّين؛ مصداقًا لقوله تعالى: ﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴾ [النحل: 25].





فالمبتدعة الداعون إلى بدعهم عليهم وِزرٌ وإثم عظيم؛ لأنهم يحملون وِزرَهم ووِزرَ مَن انقاد لهم إلى يوم القيامة، فبئس ما حملوا من الوزر المُثقِل لظهورهم، من وزرهم ووزر مَنْ أضلُّوه، وهذا من شؤم البدع والضلالات.





وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مَنْ سَنَّ في الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلاَ يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ)[1]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ دَعَا إِلَى ضَلاَلَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا)[2]. وجه الدلالة: أنَّ الإحداث والابتداع في الدِّين داخل في الأمور السَّيِّئة المُحرَّمة شرعًا؛ لذا كان على المبتدع مثلُ وزرِ كلِّ مَنْ يعمل ببدعتِه وضلالِه إلى يوم القيامة، سواء ابتدعه هو أم كان مسبوقًا إليه[3].







15- البدعة تدخل صاحبها في اللعنة:



كل مَن ابتدع بدعةً ليس لها أصل في الشرع فهي مردودة، وصاحبها مستحق للوعيد، فقد قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم – فيمَنْ أحدث في المدينة: (مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا[4]، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلاَ عَدْلٌ). قال ابن بطال رحمه الله: (دلَّ الحديث على أنه مَن آوى أهلَ المعاصي والبدع أنه شريكٌ في الإثم، وليس يدل الحديث على أنَّ مَنْ أحدث حدثًا أو آوى مُحدِثًا في غير المدينة أنه غير مُتوعَّد ولا ملوم على ذلك؛ لأنَّ مَن رَضِيَ فِعلَ قومٍ وعملَهم أنه منهم، وإنْ كان بعيدًا عنهم.





فهذا الحديث نصٌّ في تحذير فِعل شيء من المنكر في المدينة، وهو دليل في التحذير من إحداث مِثلِ ذلك في غيرِها، وإنما خُصَّت المدينةُ بالذِّكر في هذا الحديث؛ لأنَّ اللعنة على مَنْ أحدث فيها حدثًا أشدُّ، والوعيد له آكد؛ لانتهاكه ما حُذِّرَ عنه، وإقدامِه على مُخالفة رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فيما كان يلزمه من تعظيم شأن المدينة التي شرَّفها الله، بأنها مَنزِلُ وحيه، ومَوطِنُ نبيِّه، ومنها انتشر الدِّين في أقطار الأرض، فكان لها بذلك فضلُ مزيِّةٍ على سائر البلاد)[5].







16- يُطرد المبتدع عن حوض النبي صلى الله عليه وسلم:



وفيه ثلاثة أحاديث مشهورة:



أ- عن سهلِ بن سعدٍ رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، مَنْ وَرَدَ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا، وَلَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ)[6]. وفي لفظٍ: (فَأَقُولُ إِنَّهُمْ مِنِّي. فَيُقَالُ: إِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ. فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا[7] لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي)[8]. وفي لفظ: (فَيُقَالُ: إِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا بَدَّلُوا بَعْدَكَ. فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي)[9].





ب- عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (إِنِّي عَلَى الْحَوْضِ؛ حَتَّى أَنْظُرُ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ مِنْكُمْ، وَسَيُؤْخَذُ نَاسٌ دُونِي؛ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ! مِنِّي وَمِنْ أُمَّتِي. فَيُقَالُ: هَلْ شَعَرْتَ مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ؟! وَاللَّهِ مَا بَرِحُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ). فَكَانَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ! إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَرْجِعَ عَلَى أَعْقَابِنَا أَوْ نُفْتَنَ عَنْ دِينِنَا[10].





ج- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَتَى الْمَقْبُرَةَ؛ فَقَالَ: (السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا). قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (أَنْتُمْ أَصْحَابِي. وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ). فَقَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: (أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ[11] أَلاَ يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟). قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: (فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ[12] عَلَى الْحَوْضِ، أَلاَ لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ، أُنَادِيهِمْ أَلاَ هَلُمَّ! فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ. فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا)[13].





قال النووي رحمه الله: (هذا مما اختلف العلماءُ في المراد به على أقوال:



أحدها: أنَّ المراد به المنافقون والمُرتدُّون، فيجوز أنْ يُحشَروا بالغُرَّة والتَّحجيل، فيناديهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم للسِّيما التي عليهم، فيقال: ليس هؤلاء مِمَّا وُعِدْتَّ بهم، إنَّ هؤلاء بدَّلوا بعدك، أي: لم يموتوا على ما ظهر من إسلامهم.





والثاني: أنَّ المراد مَنْ كان في زمن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ثم ارتدَّ بعده، فيناديهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم وإنْ لم يكن عليهم سِيما الوضوء؛ لِمَا كان يعرفه صلى الله عليه وسلم في حياته من إسلامهم فيقال: ارتدُّوا بعدك.





والثالث: أنَّ المراد به أصحاب المعاصي والكبائر الذين ماتوا على التوحيد، وأصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام. وعلى هذا القول؛ لا يُقطع لهؤلاء الذين يُذادون بالنار، بل يجوز أنْ يُذادوا عقوبةً لهم، ثم يرحمهم الله سبحانه وتعالى فيدخلهم الجنة بغير عذاب. قال أصحاب هذا القول: ولا يمتنع أنْ يكون لهم غرةٌ وتحجيل، ويحتمل: أنْ يكون كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعده، لكن عَرَفَهم بالسِّيما)[14].







وقال ابن عبد البر رحمه الله: (كلُّ مَنْ أحدثَ في الدِّين ما لا يرضاه اللهُ، ولم يأذن به اللهُ؛ فهو من المطرودين عن الحوض، المُبعَدِين عنه، واللهُ أعلم، وأشدُّهم طردًا مَنْ خالفَ جماعةَ المسلمين، وفارقَ سبيلَهم؛ مثل الخوارجِ على اختلاف فِرَقِها، والرَّوافِضِ على تبايُنِ ضَلالِها، والمعتزلةِ على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلُّهم يُبَدِّلون، وكذلك الظَّلَمةُ المُسرِفون في الجَور والظُّلم وطمسِ الحقِّ وقتلِ أهلِه وإذلالِهم، والمُعلِنون بالكبائر المُستخِفُّون بالمعاصي، وجميعُ أهلِ الزَّيغ والأهواء والبِدع، كلُّ هؤلاء يُخاف عليهم أنْ يكونوا عُنُوا بهذا الخَبَر)[15].





وهذا الجزاء للمبتدع إنما هو من جنس عمله؛ إذ إنه في الدنيا أعرض عن سُنَّته صلى الله عليه وسلم وخالف هديَه، فابتدع وسَنَّ لنفسه بنفسه أو بغيره، فكان جزاؤه في الآخرة أن يُعْرِضَ عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويُحرم من ورود حوضه.
يتبع






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 21.39 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 20.77 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.94%)]