عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 21-01-2022, 10:42 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,370
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الآثار السيئة للابتداع

الآثار السيئة للابتداع (3)
د. محمود بن أحمد الدوسري





إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ أمَّا بعد:
انتشار البدع له من آثار سيئة تضرُّ بدين الله تعالى، ما يجعلنا على يقين تام بضرورة محاربتها بكل ما أُوتينا من قوة؛ نُصرةً لدين الله، وقد سبق الحديث في (الجزء الأول والثاني) عن الآثار السيئة للبدعة للابتداع، ويتواصل الحديث عن ذلك، كما يلي:
10- ارتكاب البدع يُورِث التَّشبُّه بالكفار والمشركين:
جاءت شريعة الإسلام بالنهي القاطع عن التشبُّه بالكفار والمشركين في سائر المجالات؛ من العبادات والمعاملات والأخلاق والعادات، واللباس والهيئات والأعياد والمناسبات، ونصوص الشرع أكثر من أن تُحصر في هذا الشأن؛ لذا كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يقصد مخالفتهم دائماً وأبداً؛ لأنَّ مخالفة الكافرين والمشركين والبراءة منهم أصل من أصول الدين، الإخلال به إخلالٌ بالدين.

وهذا النهي عن التشبه بالكفار والمشركين مَرَدُّه إلى التميز الذي ينبغي للأمة المسلمة أن تتميز به لتتمايز عن غيرها من الأمم، فالأمة المسلمة إنما أراد الله لها أن تكون متبوعة لا تابعة، قائدة لا مقودة؛ ولا تتحقَّق لها هذه المنزلة إلاَّ إذا كانت لها مكانتها الخاصة التي تستمدها من سلامة عقيدتها وصدق عبادتها وصفو منهجها وقوة تمسكها بسنة نبيها صلى الله عليه وسلم؛ لذا وجب عليها مخالفة غيرها فيما هم عليه من ضلالات وانحرافات؛ لتبقى هي النموذج الذي يُحتذى والقائد الذي يتَّبع، وفي هذا تأتي الحكمة من النهي عن التشبه بالكفار والمشركين، وضرورة مخالفتهم.

ومَن اطلع على نصوص النهي عن التشبه بالكافرين اشتدَّ عجبُه من كثرتها في الكتاب والسنة، ومن ذلك:
أ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَأْخُذَ أُمَّتِي بِأَخْذِ الْقُرُونِ قَبْلَهَا، شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ). فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَفَارِسَ وَالرُّومِ؟ فَقَالَ: (وَمَنِ النَّاسُ إِلاَّ أُولَئِكَ)[1].

فقد (أخبر صلى الله عليه وسلم أنَّ أمته قبل قيام السَّاعة يتَّبعون المُحدَثات من الأمور، والبدع والأهواء المُضِلَّة؛ كما اتَّبعتها الأممُ من فارس والروم؛ حتى يتغيَّر الدِّين عند كثيرٍ من الناس، وقد أنذَرَ صلى الله عليه وسلم في كثيرٍ من حديثه أنَّ الآخِرَ شرٌّ، وأنَّ السَّاعة لا تقوم إلاَّ على شرار الخلق، وأنَّ الدِّين إنما يبقى قائمًا عند خاصةٍ من المسلمين لا يخافون العداوات، ويحتسبون أنفسَهم على الله في القول بالحق، والقيام بالمنهج القويم في دين الله تعالى)[2].

ب- وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ). قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: (فَمَنْ)[3]. (والمراد بالشِّبر والذِّراع وجُحْر الضَّب: التَّمثيلُ بشدَّة الموافقة لهم، والمراد الموافقة في المعاصي والمخالفات، لا في الكفر، وفي هذا معجزة ظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقد وقع ما أخبر به صلى الله عليه وسلم)[4].

قال ابن تيمية رحمه الله: (وهذا كلُّه خرج منه [صلى الله عليه وسلم] مَخْرَجَ الخَبَر عن وقوع ذلك، والذَّم لِمَنْ يفعله؛ كما كان يُخبر عمَّا يفعله الناس بين يدي الساعة من الأشراط والأمور المُحرَّمات، فعُلِمَ أنَّ مُشابهة هذه الأُمَّةِ اليهودَ والنصارى وفارسَ والرومَ مِمَّا ذمَّه الله ورسولُه [صلى الله عليه وسلم] وهو المطلوب)[5].

حكمة النهي عن التشبه بالكفار والمشركين:الأصل في أعمال الكفار وأخلاقهم وعقائدهم الضرر والفساد والنقص؛ لذا كانت مخالفتهم منفعةً للمسلمين، بل إن التشبه بالكافرين يؤدي بالمسلم إلى تبعيتهم والخضوع لهم، وهو منهي عنه بنص كلام الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ﴾ [آل عمران: 149].

والمشاركة في الهدي الظاهر تورث تناسباً وتشاكلاً بين المتشابهين يقود إلى موافقة في الأخلاق والأعمال وسائر الأحوال، وإن المشاركة في الهدي الظاهر تورث نوع مودَّة ومحبَّة وموالاة في الباطن، كما أنَّ المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر، وهو أيضاً أمر محسوس، ويؤدي كل ذلك إلى الاختلاط الظاهر بهم ويرتفع التمييز ظاهراً بين المسلمين والكافرين، حتى ينسلخ المسلمُ من دينه وهو لا يشعر، خاصة مع الإعجاب بهم وبمنجزاتهم وحضارتهم.

قال ابن تيمية رحمه الله: (إنَّ المشاركة في الهدي الظاهر تورث تناسُباً وتشاكلاً بين المتشابهين، يقود إلى موافقةٍ مَّا في الأخلاق والأعمال، وهذا أمر محسوس؛ فإنَّ اللاَّبس لثياب أهل العلم يجد من نفسه نوع انضمامٍ إليهم، واللاَّبس لثياب الجند المقاتلة - مثلا - يجد من نفسه نوع تخلُّق بأخلاقهم، ويصير طبعُه مقتضياً لذلك)[6].

وقال أيضاً: (لو اجتمع رجلان في سفر، أو بلدٍ غريب، وكانت بينهما مشابهة في العمامة أو الثياب، أو الشعر، أو المركوب ونحو ذلك؛ لكان بينهما من الائتلاف أكثر ممَّا بين غيرهما، وكذلك تجد أرباب الصِّناعات الدنيوية يألف بعضهم بعضاً ما لا يألفون غيرهم، حتى إن ذلك يكون مع المعاداة والمحاربة.

فإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية، تورث المحبة والموالاة لهم؛ فكيف بالمشابهة في أمور دينية؟ فإنَّ إفضاءها إلى نوعٍ من الموالاة أكثر وأشد، والمحبة والموالاة لهم تُنافي الإيمان)[7].

11- كثرة وقوع المبتدعة في الفتن:
ما ترك الناس السنة وأقبلوا على البدع إلاَّ ابتلوا بأنواع من البلاء والفتن؛ فما أكثر ما يقع المبتدعة في الفتن الظاهرة والباطنة، فلا شيء أفسد للدين وأشد هدماً لبنيانه من الابتداع فيه؛ فإن من أعظم الفتن المُضِلَّة عمل العالِم بالبدعة وتقليد الناس له، وإذا وافقت البدعةُ أهواءَ الناس وشهواتهم وغرائز نفوسهم فتلك هي الفتنة الكبرى التي لا مخرج منها، ولا سيما مع سكوت العلماء عن بيان وجه الابتداع في البدعة فيعد العامةُ سكوتَهم إقراراً منهم على ذلك. وقد حذَّر الله تعالى من الفتن؛ كما في قوله سبحانه: ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الأنفال: 25].

وإن الابتداع في الدين ومخالفة سنة سيد الأنبياء والمرسلين، وعصيان أمره، وفتنة الناس في دينهم؛ من أخطر المصائب وأعظمها جرماً عند الله تعالى فاستحق هذا المخالف العذاب الأليم جزاءً وفاقاً: ﴿ فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور: 63].

(أي: فليحذر وليخْشَ مَنْ خالف شريعةَ الرسول صلى الله عليه وسلم باطنًا أو ظاهرًا ﴿ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ ﴾ أي: في قلوبهم، من كفرٍ أو نفاقٍ أو بدعةٍ، ﴿ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ أي: في الدنيا، بِقَتْلٍ، أو حَدٍّ، أو حَبْسٍ، أو نحوِ ذلك)[8].


وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا؛ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا، وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا، وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا)[9]. وكم باع المبتدعة الضَّالون دِينَهم، وسُنَّةَ نبيِّهم، ومنهجَه القويم بِعَرَضٍ من الدنيا!

("بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ" يعني: بالأعمال الصالحة، وهي كلُّ عملٍ كان خالِصاً لله، صواباً على شريعة الله، هذا هو العملُ الصالحُ، ثم قال: "فِتَنًا؛ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ" أخبر أنه ستوجد فِتَنٌ؛ كقطع اللَّيل المُظلِم، يعني أنها مُدْلَهِمَّة مُظلِمة، لا يُرَى فيها النور - والعياذ بالله، ولا يدري الإنسانُ أين يذهب؟ يكون حائراً ما يدري أين المخرج؟ أسألُ اللهَ أنْ يُعيذنا وإيَّاكم من الفتن.

و"الفتن" منها: ما يكون من الشبهات، وفتن تكون من الشَّهوات، فَفِتَنُ الشُّبهات: كلُّ فتنةٍ مَبينَّةٍ على الجهل، فهي فِتنةُ شبهة، ومن ذلك: ما حصل من أهل البدع الذين ابتدعوا في عقائدهم ما ليس من شريعة الله، أو أهل البدع الذين ابتدعوا في أقوالهم وأفعالهم ما ليس من شريعة الله، فإنَّ الإنسان قد يُفتن - والعياذ بالله - فيَضِلَّ عن الحق بسبب الشُّبهة)[10].

وقد سمع حذيفةُ رضي الله عنه النبيَّ صلى الله عليه وسلم – يقول في الفتن التي تموج مَوْجَ البحر: (تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ: عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلاَ تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا، لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلاَ يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلاَّ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ)[11].
يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 22.83 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 22.20 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.75%)]