عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 21-01-2022, 10:40 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,610
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الآثار السيئة للابتداع


ز- ومِمَّن اعترف من أهل الكلام بالوقوع بالحَيرة والاضطراب، ابن أبي الحديد المعتزلي، وكان من كبرائهم، إذ يقول - بعد توغُّله في علم الكلام:




فِيكَ يَا أُغْلُوطَةَ الْفِكَرِ

حَارَ أَمْرِي وَانْقَضَى عُمُرِي


سَافَرَتْ فِيكَ الْعُقُولُ

فَمَا رَبِحَتْ إِلاَّ أَذَى السَّفَرِ


فَلَحَى اللَّهُ الأُلَى زَعَمُوا

أَنَّكَ الْمَعْرُوفُ بِالنَّظَرِ


كَذَبُوا إِنَّ الَّذِي ذَكَرُوا

خَارِجٌ عَنْ قُوَّةِ الْبَشَرِ[18]






ح- وها هو الشوكاني رحمه الله اشتغل بعلم الكلام وهو في عُنفُوانِ شبابِه؛ بُغية الحصول على فائدة تُذكر، ولكنه لم يظفر بغير الخَيبة والحَيرة؛ كما ذَكَرَ ذلك عن نفسه، ثم رجع إلى مذهب السلف، حيث روى ما حصل له فيقول: (ها أنا أُخْبِرُكَ عن نفسي، وأُوَضِّح لك ما وقعتُ فيه في أمسي؛ فإني في أيام الطَّلب، عُنفُوانِ الشبابِ شُغِلتُ بهذا العلم الذي سَمَّوه تارةً عِلمَ الكلام، وتارةً عِلمَ التوحيد، وتارةً عِلمَ أصول الدِّين، وأكببتُ على مؤلفات الطوائف المختلفة منهم، ورُمتُ الرجوعَ بفائدة، والعَودَ بعائدة، فلم أظفَرْ من ذلك بغير الخَيبة والحَيرة، وكان ذلك من الأسباب التي حبَّبَتْ إليَّ مذهبَ السَّلف؛ على أني كُنْتُ قبل ذلك عليه، ولكن أردتُ أنْ أزدادَ منه بصيرةً، وبه شُغفًا، وقلتُ عند ذلك في تلك المذاهب:




وغايةُ ما حَصَّلتُه من مَباحِثِي

ومِنْ نَظَرِي من بَعْدِ طُولِ التَّدبُّرِ


هو الوَقْفُ ما بين الطَّريقين حَيرةً

فما عَلِمَ مَنْ لم يَلْقَ غيرَ التَّحيُّرِ


على أنني قد خُضْتُ منه غِمارَه

وما قَنَعَتْ نفسي بغيرِ التَّبَحُّرِ[19]








نماذج من حيرة واضطراب الكفار:

لا تسل عن بؤس الكفار الذين تنكَّبوا الصراط المستقيم؛ من الملاحدة وغيرهم، الذين يعيشون أدنى دركات الشقاء والنكد؛ لأنهم سُلِبوا الأمن والإيمان، وانتشرت فيهم الأمراض النفسية والعصبية، وفتكت بهم أمراض الشذوذ الجنسي، وازدادت حالات الانتحار، بل وصل الأمر ببعض البلاد إلى فتح مستشفيات للانتحار! وهناك مواقع في الشبكة العنكبوتية مُهِمَّتُها تسهيل الانتحار في عيون المنتحر، بحيث تُقدِّم عدَّة طرق سهلة تُساعد المنتحرَ على الانتحار والتخلص من مشكلاته وحياته البائسة؛ بما يسمُّونه الموت الرحيم، أو الآمن، هكذا زعموا!



ومِمَّا يدلُّ على حَيرة واضطراب كبار الفلاسفة والملحدين الذين يعتبرهم الناس قادة المجتمع وقدواته، ما يلي[20]:

أ- الفيلسوف الألماني المشهور "فريدريك نيتشه" بعد أن كفر بالله تعالى وأنكر الإيمان به، ها هو يعرب عن دخيلة نفسه، وما يُعانيه من عذابٍ وشقاء فيقول: (إنني أعلم جيد العلم لماذا كان الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يضحك؛ لأنَّه هو الذي يعاني أشد العناء، فاضطره ذلك أنْ يخترعَ الضَّحك!)[21].



ب- وهذا الفيلسوف الفرنسي المُلحد الوجودي اليهودي " جان بول سارتر " عندما كفر بالله، واليومِ الآخر أصبح ينظر إلى الحياة من منظوره الوجودي، فلا يرى الوجودَ كلَّه إلاَّ من دوائر القلق، والمتاعب، والغثيان، والآلام.



وكتب في ذلك جملةَ قصصٍ ومسرحيات ضمَّنها آراءه الفلسفية الوجودية.



(وحين حضره الموتُ، سأله مَنْ كان عنده: تُرى إلى أين قادك مذهبُك؟ فأجاب ـ في أسىً عَميقٍ مِلؤه النَّدم: إلى هزيمة كاملة)[22].



ج- والفيلسوف الإنجليزي المشهور "هربارت سبنسر" الذي تُدرَّس نظرياته التربوية في كثير من بقاع العالَم؛ (لمَّا دنا من الموت، نظر وراءه يستعرض حياتَه، فإذا هي في نظرِه أيامٌ تنقضي كلُّها في كسب الشهرة الأدبية، دون أن يتمتَّع بشيءٍ من الحياة نفسِها، فضحك من نفسه وسخر، وتمنَّى لو أنه قضى تلك الأيام الدابرة في حياة بسيطة سعيدة. ولمَّا حضرته الوفاةُ كان على يقينٍ بأنه لم يعمل في حياته إلاَّ عبثًا)[23].



د- والفيلسوف الملحد المليء بالتشاؤم "أرثر شوبنهور" لمَّا كفر بالله تعالى والدار الآخرة، وأنكر حكمةَ الله تعالى في الابتلاء، نظر إلى الحياة نظرةً ملؤها التشاؤم، فهو يرى أنَّ طيبات الحياة كلِّها عبث، وأن مقاصد الناس تسير إلى الإخفاق والتعاسة والشقاء، ومن أقواله السوداوية: (إننا لو تأمَّلنا الحياةَ المُصطخبة لرأينا الناسَ جميعًا يشتغلون بما تتطلَّبه من حاجةٍ وشقاء، ويستنفذون كلَّ قواهم؛ لكي يُرضُوا حاجات الدنيا التي لا تنتهي، ولكي يمحوا أحزانها الكثيرة)[24].



يُتبع.





[1] اعتقاد أهل السنة، للالكائي (1/ 132)؛ الحجة في بيان المحجة، للأصبهاني (2/ 407)؛ ذم الكلام وأهله، للهروي (5/ 121).




[2] مجموع الفتاوى، (10/ 9).




[3] (الأهواء): المقصود بالأهواء: هي البدع التي يُتَّبع فيها الهوى، ولا تُتَّبع فيها السُّنة فينحرفوا عن جادة الصواب من الكتاب والسنة، إلى الضلالات.




[4] (الكَلَب): بفتحتين - داءٌ مَخُوف يحصل من عَضِّ الكَلْب المجنون، ويتفرَّق أثرُه بصاحبه، أي: مع صاحبه إلى جميع أعضائه، أي: مثل جري الكَلَب في العروق لا يبقى منه عِرْق، ولا مِفصل؛ إلاَّ دخله، فكذلك تدخل البدعُ فيهم، وتؤثر في أعضائهم. انظر: النهاية في غريب الحديث، (1/ 739)؛ مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، (2/ 60).




[5] رواه أبو داود، (2/ 772)، (ح 4599). وحسنه الألباني في (صحيح سنن أبي دواد)، (3/ 116)، (ح 4597).




[6] شرح السنة، حسن بن علي البربهاري (ص 23).




[7] هو عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي، كان من عتاة المشركين، وأشدِّهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين حربًا وإيذاء، كان مِمَّن دعا عليهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بأعيانهم. انظر: البداية والنِّهاية، (3/ 273).




[8] رواه الأصبهاني في (دلائل النُّبوة)، (2/ 220، 222) (رقم 258)؛ وأبو يعلى في (مسنده)، (3/ 350) (رقم 1818)؛ وابن أبي شيبة في (مصنفه)، (ص 3307) (رقم 36560). وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (6/ 20): (فيه الأجلح الكندي، وثَّقَهُ ابنُ معين وغيره، وضعَّفه النسائي وغيره، وبقيَّة رجاله ثقات). وفي روايةٍ أُخرى: أن الذي سمع من النبيِّ صلى الله عليه وسلم سورة فُصِّلت وَحَدَثت معه هذه القصَّة هو الوليد بن المغيرة. انظر: تفسير الطَّبري، (28/ 155-157)؛ الدُّر المنثور، (7/ 308).




[9] انظر: نقض المنطق، (ص 41)؛ عقيدة أهل السنة والجماعة، (ص 92).




[10] هو محمد بن ناماور بن عبد الملك الخونجى، عالم بالحكمة والمنطق، شيخ المتكلمين، فارسي الأصل، ولد سنة (590 هـ)، ثم انتقل إلى مصر، وولي قضاءها. وتوسع في ما يُسمُّونه (علوم الأوائل) حتى تفرد برياسة ذلك في زمانه، توفي بالقاهرة سنة (646 هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، (23/ 271)؛ شذرات الذهب، (5/ 236).




[11] عبارة (واجب الوجود) لم ترد في الكتاب، ولا في السنة، ولا في كلام السلف الصالح، وإنما هي من مصطلحات أهل الكلام، والمناطقة الذين أعرضوا في باب معرفة الله، وإثبات وجوده وربوبيته عن الكتاب والسنة، وما درج عليه أهل العلم والإيمان من سلف الأمة، واعتمدوا في هذا الباب على مُجرَّد الأقيسة الكلامية والمُقدِّمات المنطقية. انظر: البراهين الإسلامية في رد الشبهة الفارسية، عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن (1/ 41).

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في (تقريب التدمرية)، (ص 26): (عُلِمَ بضرورة العقل والحس أنَّ "الموجود المُمْكِن" لابد له من مُوجِد "واجب الوجود"، فإننا نعلم حدوث المُحدَثات ونُشاهدها، ولا يمكن أن تحدث بدون مُحدِث، ولا أن تُحدِث نفسَها بنفسِها؛ لقوله تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [الطور: 35]، فتعيَّن أنْ يكون لها خالق "واجب الوجود" وهو الله تعالى. ففي الوجود إذن مَوجُودان: أحدهما: أزلِيٌّ واجب الوجود بنفسه. الثاني: مُحدَثٌ مُمكن الوجود، مَوجود بغيره، ولا يلزم من اتفاقهما في مُسمَّى الوجود أنْ يتَّفقا في خصائصه، فإنَّ وجود الواجب يخصه، ووجود المُحدَث يخصه. فوجود الخالق: واجبٌ أزلِيٌّ مُمتنِع الحدوث، أبدِيٌّ، ممتنِع الزوال، ووجود المخلوق: مُمْكِنٌ، حادِثٌ بعد العدم، قابِلٌ للزوال، فمَنْ لم يُثبت ما بينهما من الاتفاق والافتراق؛ لَزِمَه أن تكون الموجودات كلُّها إما أزلية واجبة الوجود بنفسها، أو مُحدثَة مُمكِنَة الوجود بغيرها، وكلاهما معلومُ الفساد بالاضطرار.




[12] درء تعارض العقل والنقل، (3/ 262)؛ وانظر: مجموع الفتاوى، (9/ 208).




[13] درء تعارض العقل والنقل، (3/ 263).




[14] درء تعارض العقل والنقل، (3/ 263، 264).




[15] شرح العقيدة الطحاوية، (ص 177)؛ النبوات، لابن تيمية (ص 90)؛ بيان تلبيس الجهمية، لابن تيمية (1/ 129).




[16] شرح العقيدة الطحاوية، (ص 178)؛ مجموع الفتاوى، (4/ 73)؛ منهاج السنة النبوية، (5/ 189)؛ درء تعارض العقل والنقل (7/ 402).




[17] تلبيس إبليس، (ص 84)؛ شرح العقيدة الطحاوية، (ص 178)؛ الفتاوى الكبرى، لابن تيمية (6/ 616)؛ بيان تلبيس الجهمية، (1/ 122)؛ مجموع الفتاوى، (4/ 73).





[18] إيثار الحق على الخلق، (ص 139)؛ شرح العقيدة الطحاوية، (ص 179)؛ درء تعارض العقل والنقل، (1/ 161).




[19] التحف في مذاهب السلف، (ص 75).




[20] انظر: عقيدة أهل السنة والجماعة، (ص 94).




[21] كواشف زيوف المذاهب الفكرية المعاصرة، لعبد الرحمن حسن الميداني (ص 560).




[22] المصدر نفسه، (ص 359).




[23] المصدر نفسه، (ص 560، 561).




[24] المصدر نفسه، (ص 561).








__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 27.47 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 26.84 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.29%)]