عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 12-01-2022, 12:16 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,165
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
سُورَةُ الْبَقَرَةِ
الحلقة (43)

صــ235 إلى صــ 239

كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون .

قوله تعالى: (كتب عليكم القتال) قال ابن عباس: لما فرض الله على المسلمين الجهاد شق عليهم وكرهوه ، فنزلت هذه الآية . و"كتب" بمعنى: فرض في قول الجماعة . قال الزجاج: يقال: كرهت الشيء أكرهه كرها وكرها ، وكراهة وكراهية . وكل ما في كتاب الله من الكره ، فالفتح فيه جائز ، إلا أن أبا عبيد ذكر أن الناس مجتمعون على ضم هذا الحرف الذي فيه هذه الآية . وإنما كرهوه لمشقته على النفوس ، لا أنهم كرهوا فرض الله تعالى . وقال الفراء: الكره والكره: لغتان . وكأن النحويين يذهبون بالكره إلى ما كان منك مما لم تكره عليه ، فإذا أكرهت على الشيء استحبوا "كرها" بالفتح . وقال ابن قتيبة: الكره بالفتح ، معناه: الإكراه والقهر ، وبالضم معناه: المشقة . ومن نظائر هذا: الجهد: الطاقة ، والجهد: المشقة ومنهم من يجعلهما واحدا . وعظم الشيء: أكبره [ ص: 235 ] وعظمة نفسه . وعرض الشيء: إحدى نواحيه . وعرضه: خلاف طوله . والأكل: مصدر أكلت ، والأكل: المأكول ، وقال أبو علي: هما لغتان ، كالفقر والفقر ، والضعف والضعف ، والدف والدف ، والشهد والشهد .

قوله تعالى: وعسى أن تكرهوا شيئا قال ابن عباس: يعني الجهاد . (وهو خير لكم) فتح وغنيمة أو شهادة . (وعسى أن تحبوا شيئا) وهو: القعود عنه . (وهو شر لكم) لا تصيبون فتحا ولا غنيمة ولا شهادة . (والله يعلم) أن الجهاد خير لكم . (وأنتم لا تعلمون) حين أحببتم القعود عنه .

فصل

اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذا الآية على ثلاثة أقوال .

أحدها: أنها من المحكم الناسخ للعفو عن المشركين . والثاني: أنها منسوخة ، لأنها أوجبت الجهاد على الكل ، فنسخ ذلك بقوله تعالى: وما كان المؤمنون لينفروا كافة التوبة 122 . والثالث: أنها ناسخة من وجه ، منسوخة من وجه .

وقالوا: إن الحال في القتال كانت على ثلاث مراتب . الأولى المنع من القتال ، ومنه قوله تعالى: ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم [ النساء: 77 ] . والثانية: أمر الكل بالقتال ، ومنه قوله تعالى: انفروا خفافا وثقالا [ التوبة: 41 ] . ومثلها هذه الآية . والثالثة كون القتال فرضا على الكفاية ، وهو قوله تعالى: وما كان المؤمنون لينفروا كافة [ التوبة: 122 ] . فيكون الناسخ منها إيجاب القتال بعد المنع منه ، والمنسوخ منه وجوب القتال على الكل .
[ ص: 236 ] يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون .

قوله تعالى: يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه روى جندب بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بعث رهطا واستعمل عليهم أبا عبيدة ، فلما انطلق ليتوجه بكى صبابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبعث مكانه عبد الله بن جحش ، وكتب له كتابا ، وأمره ألا يقرأه إلا بمكان كذا وكذا ، وقال: "لا تكرهن أحدا من أصحابك على المسير معك" فلما صار إلى المكان ، قرأ الكتاب واسترجع ، وقال: سمعا [وطاعة لأمر ] الله ولرسوله [فخبرهم الخبر ، وقرأ عليهم الكتاب ] ، فرجع رجلان من أصحابه ، ومضى بقيتهم ، فأتوا ابن الحضرمي فقتلوه ، فلم يدروا ذلك اليوم ، أمن رجب ، أو من جمادى الآخرة؟ فقال المشركون [للمسلمين ]: قتلتم في الشهر الحرام [فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فحدثوه الحديث ] فنزلت هذه الآية ، فقال بعض المسلمين: لئن كان أصابهم خير فما لهم أجر ، فنزلت: إن الذين آمنوا والذين هاجروا إلى قوله: رحيم [ البقرة: 218 ] . قال الزهري: اسم ابن الحضرمي: عمرو ، واسم الذي قتله عبد الله بن واقد الليثي . قال ابن عباس: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، يظنون تلك الليلة من جمادى ، وكانت أول رجب .

وقد روى عطية عن ابن عباس أنها نزلت في شيئين . أحدهما: هذا . والثاني: [ ص: 237 ] دخول النبي ، صلى الله عليه وسلم ، مكة في شهر حرام يوم الفتح ، حين عاب المشركون عليه القتال في شهر حرام .

وفي السائلين النبي ، صلى الله عليه وسلم ، عن ذلك قولان . أحدهما: أنهم المسلمون سألوه: هل أخطؤوا أم أصابوا؟ قاله ابن عباس ، وعكرمة ، ومقاتل . والثاني: أنهم المشركون سألوه على وجه العيب على المسلمين ، قاله الحسن ، وعروة ، ومجاهد .

والشهر الحرام: شهر رجب ، وكان يدعى الأصم ، لأنه لم يكن يسمع فيه للسلاح قعقعة تعظيما له (قتال فيه) أي: يسألونك عن قتال فيه . (قل قتال فيه كبير) قال ابن مسعود وابن عباس: لا يحل . قال القاضي أبو يعلى: كان أهل الجاهلية يعتقدون تحريم القتال في هذه الأشهر ، فأعلمهم الله تعالى في هذه الآية ببقاء التحريم .

فصل

اختلف العلماء في تحريم القتال في الأشهر الحرم: هل هو باق أم نسخ؟ على قولين .

أحدهما: أنه باق . روى ابن جريج أن عطاء كان يحلف بالله: ما يحل للناس الآن أن يغزوا في الحرم ، ولا في الأشهر الحرم ، إلا أن يقاتلوا فيه أو يغزوا ، وما نسخت .

والثاني: أنه منسوخ ، قال سعيد بن المسيب ، وسليمان بن يسار: القتال جائز في الشهر الحرام ، وهذه الآية منسوخة بقوله تعالى: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم [ التوبة: 5 ] . وبقوله تعالى: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر [ التوبة: 19 ] . وهذا قول فقهاء الأمصار .

[ ص: 238 ] قوله تعالى: وصد عن سبيل الله هو مرفوع بالابتداء ، وخبر هذه الأشياء: (أكبر عند الله) . وفي المراد بـ "سبيل الله" هاهنا قولان .

أحدهما: أنه الحج ، لأنهم صدوا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، عن مكة . قاله ابن عباس ، والسدي عن أشياخه .

والثاني: أنه الإسلام ، قاله مقاتل . وفي هاء الكناية في قوله: (وكفر به) قولان . أحدهما: أنها ترجع إلى الله تعالى ، قاله السدي عن أشياخه ، وقتادة ، ومقاتل ، وابن قتيبة . والثاني: أنها تعود إلى السبيل . قاله ابن عباس قال ابن قتيبة: وخفض "المسجد" الحرام نسقا على قوله: (سبيل الله) كأنه قال: وصد عن سبيل الله ، وعن المسجد الحرام .

قوله تعالى: (وإخراج أهله منه) لما آذوا رسول الله وأصحابه; اضطروهم إلى الخروج فكأنهم أخرجوهم ، فأعلمهم الله أن هذه الأفعال أعظم من قتل كل كافر . "والفتنة" هاهنا بمعنى الشرك . قاله ابن عمر ، وابن عباس ، ومجاهد ، وابن جبير ، وقتادة ، والجماعة . والفتنة في القرآن على وجوه كثيرة ، قد ذكرتها في كتاب "النظائر" (ولا يزالون) يعني: الكفار ، (يقاتلونكم) يعني: المسلمين . و(حبطت) بمعنى: بطلت .
إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم .

قوله تعالى: إن الذين آمنوا والذين هاجروا في سبب نزولها قولان .

أحدهما: أنه لما نزل القرآن بالرخصة لأصحاب عبد الله بن جحش في قتل ابن الحضرمي ، قال بعض المسلمين: ما لهم أجر ، فنزلت هذه الآية . وقد ذكرنا هذا في [ ص: 239 ] سبب نزول قوله تعالى: يسألونك عن الشهر الحرام عن جندب بن عبد الله .

والثاني: أنه لما نزلت لهم الرخصة قاموا ، فقالوا: [يا رسول الله ] أنطمع أن تكون لنا غزاة نعطى فيها أجر المجاهدين ، فنزلت هذه الآية ، قاله ابن عباس . وقال (هاجروا) من مكة إلى المدينة ، (وجاهدوا) في طاعة الله ابن الحضرمي وأصحابه . و (رحمت الله) : مغفرته وجنته . قال ابن الأنباري: الهجرة عند العرب من هجران الوطن والأهل والولد . والمهاجرون معناهم: المهاجرون الأولاد والأهل ، فعرف مكان المفعول فأسقط . قال الشعبي: أول لواء عقد في الإسلام لواء عبد الله بن جحش ، وأول مغنم قسم في الإسلام: مغنمه .
يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون .

قوله تعالى: يسألونك عن الخمر والميسر في سبب نزولها قولان . أحدهما: أن عمر بن الخطاب ، قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا ، فنزلت هذه الآية . والثاني: أن جماعة من الأنصار جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيهم عمر ، ومعاذ ، فقالوا: أفتنا في الخمر ، فإنها مذهبة للعقل مسلبة للمال ، فنزلت هذه الآية .

وفي تسمية الخمر خمرا ثلاثة أقوال . أحدها: أنها سميت خمرا ، لأنها تخامر العقل ، أي: تخالطه . والثاني: لأنها تخمر العقل ، أي: تستره . والثالث: لأنها تخمر ، أي: تغطي ذكر هذه الأقوال محمد بن القاسم . وقال الزجاج: الخمر في اللغة: ما ستر على العقل ، يقال: دخل فلان في خمار الناس ، أي: في الكثير الذي يستتر فيهم ، وخمار المرأة قناعها ، سمي خمارا لأنه يغطي .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 26.09 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 25.46 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.41%)]