
تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
سُورَةُ الْبَقَرَةِ
الحلقة (42)
صــ230 إلى صــ 234
ومتى كان ذلك فيه خمسة أقوال . أحدها: أنه حين عرضوا على آدم ، وأقروا بالعبودية . قاله أبي بن كعب . والثاني: في عهد إبراهيم كانوا كفارا . قاله ابن عباس . والثالث: بين آدم ونوح ، وهو قول قتادة . والرابع: حين ركبوا السفينة ، كانوا على الحق . قاله مقاتل . والخامس: في عهد آدم . ذكره ابن الأنباري (فبعث الله النبيين مبشرين) بالجنة (ومنذرين) بالنار . هذا قول الأكثرين . وقال بعض السلف: مبشرين لمن آمن [ ص: 230 ] بك يا محمد ، ومنذرين لمن كذبك . وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس والكتاب: اسم جنس ، كما تقول: كثر الدرهم في أيدي الناس . وذكر بعضهم أنه في التوراة .
وفي المراد بالحق ههنا قولان . أحدهما: أنه بمعنى الصدق والعدل . والثاني: أنه القضاء فيما اختلفوا فيه (ليحكم بين الناس) في الحاكم هاهنا ثلاثة أقوال . أحدها: أنه الله تعالى . والثاني: أنه النبي الذي أنزل عليه الكتاب . والثالث: الكتاب ، كقوله تعالى: هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق [ الجاثية: 29 ] . وقرأ أبو جعفر : (ليحكم) بضم الياء وفتح الكاف . وقرأ مجاهد "لتحكم" بالتاء على الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم .
قوله تعالى: (فيما اختلفوا فيه) يعني: الدين .
قوله تعالى: (وما اختلف فيه) في هذه الهاء ثلاثة أقوال . أحدها: أنها تعود إلى محمد صلى الله عليه وسلم قاله ابن مسعود ، والثاني: إلى الدين ، قاله مقاتل . والثالث: إلى الكتاب ، قاله أبو سليمان الدمشقي . فأما هاء "أوتوه" فعائدة على الكتاب من غير خلاف . وقال الزجاج: ونصب "بغيا" على معنى المفعول له ، فالمعنى: لم يوقعوا الاختلاف إلا للبغي ، لأنهم عالمون بحقيقة الأمر في كتبهم . وقال الفراء: في اختلافهم وجهان . أحدهما: كفر بعضهم بكتاب بعض ، والثاني: تبديل ما بدلوا .
قوله تعالى: فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه أي: لمعرفة ما اختلفوا فيه ، أو تصحيح ما اختلفوا فيه .
وفي الذي اختلفوا فيه ستة أقوال . أحدها: أنه الجمعة ، جعلها اليهود السبت ، والنصارى الأحد ، فروى البخاري ومسلم في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة عن [ ص: 231 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ، وأوتيناه من بعدهم ، فهذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه ، فهدانا الله له فاليوم لنا ، وغدا لليهود ، وبعد غد للنصارى" . والثاني: أنه الصلاة ، فمنهم من يصلي إلى المشرق ، ومنهم من يصلي إلى المغرب . والثالث: أنه إبراهيم قالت اليهود: كان يهوديا ، وقالت النصارى: كان نصرانيا . والرابع: أنه عيسى ، جعلته اليهود لفرية ، وجعلته النصارى إلها . والخامس: أنه الكتب ، آمنوا ببعضها ، وكفروا ببعضها . والسادس: أنه الدين ، وهو الأصح ، لأن جميع الأقوال داخلة في ذلك .
قوله تعالى: (بإذنه) قال الزجاج: إذنه: علمه . وقال غيره: أمره . قال بعضهم: توفيقه .
أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب .
قوله تعالى: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة في سبب نزولها ثلاثة أقوال . أحدها: أن الصحابة أصابهم يوم الأحزاب بلاء وحصر ، فنزلت هذه الآية ، ذكره السدي عن أشياخه ، وهو قول قتادة . والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم ، لما دخل المدينة هو وأصحابه اشتد بهم الضر ، فنزلت هذه الآية ، قاله عطاء . والثالث: أن المنافقين قالوا للمؤمنين: لو كان محمد نبيا لم يسلط عليكم القتل ، فأجابوهم: من قتل منا دخل الجنة ، فقالوا: لم تمنون أنفسكم بالباطل؟ فنزلت هذه [ ص: 232 ] الآية ، قاله مقاتل . وزعم أنها نزلت يوم أحد . قال الفراء: (أم حسبتم) بمعنى: أظننتم ، وقال الزجاج: "أم" بمعنى: بل . وقد شرحنا "أم" فيما تقدم شرحا كافيا . والمثل بمعنى: الصفة . و"زلزلوا" خوفوا وحركوا بما يؤذي ، وأصل الزلزلة في اللغة من: زل الشيء عن مكانه ، فإذا قلت: زلزلته ، فتأويله: كررت زلزلته من مكانه ، وكل ما كان فيه ترجيع كررت فيه فاء الفعل ، تقول: أقل فلان الشيء: إذا رفعه من مكانه ، فإذا كرر رفعه ورده ، قيل: قلقله . فالمعنى أنه تكرر عليهم التحريك بالخوف ، قاله ابن عباس . البأساء: الشدة والبؤس ، والضراء: البلاء والمرض . وكل رسول بعث إلى أمته يقول: (متى نصر الله) والنصر: الفتح ، والجمهور على فتح لام "حتى يقول" وضمها نافع .
فصل
ومعنى الآية: أن البلاء والجهد بلغ بالأمم المتقدمة إلى أن استبطؤوا النصر لشدة البلاء . وقد دلت على أن طريق الجنة إنما هو الصبر على البلاء . قالت عائشة: ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثلاثة أيام تباعا من خبز بر حتى مضى لسبيله . وقال حذيفة: أقر أيامي لعيني ، يوم أرجع إلى أهلي فيشكون إلى الحاجة . قيل: ولم ذلك؟ قال: لأني سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول: "إن الله يتعاهد المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الوالد ولده [بالخير ] ، وإن الله ليحمي المؤمن من الدنيا ، كما يحمي المريض أهله الطعام" أخبرنا أبو بكر الصوفي ، قال: أخبرنا أبو سعيد ابن أبي صادق ، قال: أخبرنا أبو عبد الله الشيرازي ، قال: سمعت أبا الطيب ابن الفرخان يقول: سمعت الجنيد يقول: دخلت على سري السقطي وهو يقول: [ ص: 233 ]
وما رمت الدخول عليه حتى حللت محله العبد الذليل
وأغضيت الجفون على قذاها
وصنت النفس عن قال وقيل
يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم .
قوله تعالى: يسألونك ماذا ينفقون في سبب نزولها قولان . أحدهما: أنها نزلت في عمرو بن الجموح الأنصاري ، وكان له مال كثير ، فقال: يا رسول الله بماذا نتصدق ، وعلى من ننفق؟ فنزلت هذه الآية . رواه أبو صالح عن ابن عباس . والثاني: أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن لي دينارا ، فقال: "أنفقه على نفسك" . فقال: إن لي دينارين ، فقال: "أنفقها على أهلك" فقال ، إن لي ثلاثة ، فقال: "أنفقها على خادمك" . فقال: إن لي أربعة ، فقال: "أنفقها على والديك" . فقال: إن لي خمسة ، فقال: "أنفقها على قرابتك" فقال: إن لي ستة ، فقال: "أنفقها في سبيل الله ، وهو أحسنها" فنزلت هذه الآية . رواه عطاء عن ابن عباس .
قال الزجاج: "ماذا" في اللغة على ضربين ، أحدهما: أن تكون "ذا" بمعنى الذي ، و"ينفقون": صلته ، فيكون المعنى: يسألونك: أي شيء الذي ينفقون؟ والثاني: أن تكون "ما" مع "ذا" اسما واحدا ، فيكون المعنى: يسألونك أي شيء ينفقون ، قال: وكأنهم سألوا: على من ينبغي أن يفضلوا ، وما وجه الذي ينفقون؟ لأنهم يعلمون ما المنفق ، [ ص: 234 ] وأعلمهم الله أن أولى من أفضل عليه الوالدان والأقربون . والخير: المال ، قاله ابن عباس في آخرين . وقال: ومعنى: "فللوالدين" فعلى الوالدين .
فصل
وأكثر علماء التفسير على أن هذه الآية منسوخة ، قال ابن مسعود: نسختها آية الزكاة . وذهب الحسن إلى إحكامها ، وقال ابن زيد: هي في النوافل ، وهذا الظاهر من الآية ، لأن ظاهرها يقتضي الندب ، ولا يصح أن يقال: إنها منسوخة ، إلا أن يقال: إنها اقتضت وجوب النفقة على المذكورين فيها .
