
06-01-2022, 03:30 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,505
الدولة :
|
|
رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد الثانى
الحلقة (170)
سُورَةُ النَّحْلِ(16)
صـ 401 إلى صـ 405
قال مقيده - عفا الله عنه - : إيضاح الاستدلال بهذا الحديث لهذا القول : أن الحرص [ ص: 401 ] على إزالة المني بالكلية دليل على نجاسته ، والاكتفاء بالفرك في يابسه يدل على أنه لا يحتاج إلى الماء . ولا غرابة في طهارة متنجس بغير الماء ; فإن ما يصيب الخفاف والنعال من النجاسات المجمع على نجاستها يطهر بالدلك حتى تزول عينه . ومن هذا القبيل قول الشوكاني : إنه يطهر مطلقا بالإزالة دون الغسل ، لما جاء في بعض الروايات من سلت رطبه بإذخرة ونحوها . ورد من قال : إن المني طاهر احتجاج القائلين بنجاسته ، بأن الغسل لا يدل على نجاسة شيء ، فلا ملازمة بين الغسل والتنجيس ; لجواز غسل الطاهرات كالتراب والطين ونحوه يصيب البدن أو الثوب . قالوا : ولم يثبت نقل بالأمر بغسله ، ومطلق الفعل لا يدل على شيء زائد على الجواز .
قال ابن حجر ( في التلخيص ) : وقد ورد الأمر بفركه من طريق صحيحة ، رواه ابن الجارود ، ففي ( المنتقى ) ، عن محسن بن يحيى ، عن أبي حذيفة ، عن سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن همام بن الحارث ، قال : كان عند عائشة ضيف فأجنب ، فجعل يغسل ما أصابه ; فقالت عائشة : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرنا بحته - إلى أن قال : وأما الأمر بغسله فلا أصل له .
وأجابوا عن قول عائشة : " إنما يجزئك أن تغسل مكانه " ، لحمله على الاستحباب ; لأنها احتجت بالفرك . قالوا : فلو وجب الغسل لكان كلامها حجة عليها لا لها ، وإنما أرادت الإنكار عليه في غسل كل الثوب ; فقالت : " غسل كل الثوب بدعة منكرة ، وإنما يجزئك في تحصيل الأفضل والأكمل أن تغسل مكانه . . . " إلخ .
وأجابوا عن قياس المني على البول والدم ; بأن المني أصل الأدمي المكرم فهو بالطين أشبه ، بخلاف البول والدم .
وأجابوا عن خروجه من مخرج البول بالمنع ، قالوا : بل مخرجهما مختلف ، وقد شق ذكر رجل بالروم ، فوجد كذلك ، فلا ننجسه بالشك . قالوا : ولو ثبت أنه يخرج من مخرج البول لم يلزم منه النجاسة ; لأن ملاقاة النجاسة في الباطن لا تؤثر ، وإنما تؤثر ملاقاتها في الظاهر .
وأجابوا عن دعوى أن المذي جزء من المني بالمنع أيضا ، قالوا : بل هو مخالف له في الاسم والخلقة وكيفية الخروج ; لأن النفس والذكر يفتران بخروج المني ، وأما المذي فعكسه ، ولهذا من به سلس المذي لا يخرج منه شيء من المذي . وهذه المسألة فيها للعلماء مناقشات كثيرة ، كثير منها لا طائل تحته . وهذا الذي ذكرنا فيها هو خلاصة أقوال [ ص: 402 ] العلماء وحججهم .
قال مقيده - عفا الله عنه - : أظهر الأقوال دليلا في هذه المسألة عندي - والله أعلم - : أن المني طاهر ; لما قدمنا من حديث إسحاق الأزرق ، عن شريك ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن عطاء ، عن ابن عباس : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق ، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة " ، وهذا نص في محل النزاع .
وقد قدمنا عن صاحب المنتقى أن الدارقطني قال : لم يرفعه غير إسحاق الأزرق عن شريك ، وأنه هو قال : قلت : وهذا لا يضر ; لأن إسحاق إمام مخرج عنه في الصحيحين ، فيقبل رفعه وزيادته . انتهى .
وقد قدمنا مرارا : أن هذا هو الحق ; فلو جاء الحديث موقوفا من طريق ، وجاء مرفوعا من طريق أخرى صحيحة حكم برفعه ; لأن الرفع زيادة ، وزيادات العدول مقبولة ، قال في مراقي السعود :
والرفع والوصل وزيد اللفظ مقبولة عند إمام الحفظ
- إلخ .
وبه تعلم صحة الاحتجاج برواية إسحاق المذكور المرفوعة ، ولا سيما أن لها شاهدا من طريق أخرى .
قال ابن حجر ( في التلخيص ) ما نصه : فائدة -
روى الدارقطني ، والبيهقي من طريق إسحاق الأزرق ، عن شريك ، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، قال : سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المني يصيب الثوب ؟ قال : " إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق " ، وقال : " إنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو إذخرة " ، ورواه الطحاوي من حديث حبيب بن أبي عمرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس مرفوعا ، ورواه هو والبيهقي من طريق عطاء عن ابن عباس موقوفا ، قال البيهقي : الموقوف هو الصحيح . انتهى .
فقد رأيت الطريق الأخرى المرفوعة من حديث حبيب بن أبي عمرة ، عن سعيد ، عن ابن عباس ، وهي مقوية لطريق إسحاق الأزرق المتقدمة .
واعلم أن قول البيهقي - رحمه الله - : والموقوف هو الصحيح ولا يسقط به الاحتجاج بالرواية المرفوعة ; لأنه يرى أن وقف الحديث من تلك الطريق علة في الطريق المرفوعة . وهذا قول معروف لبعض العلماء من أهل الحديث والأصول ، ولكن الحق : أن الرفع [ ص: 403 ] زيادة مقبولة من العدل ، وبه تعلم صحة الاحتجاج بالرواية المرفوعة عن ابن عباس في طهارة المني ، وهي نص صريح في محل النزاع ، ولم يثبت في نصوص الشرع شيء يصرح بنجاسة المني .
فإن قيل : أخرج البزار ، وأبو يعلى الموصلي في مسنديهما ، وابن عدي في الكامل ، والدارقطني والبيهقي والعقيلي في الضعفاء ، وأبو نعيم في المعرفة من حديث عمار بن ياسر - رضي الله عنهما - : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر بعمار فذكر قصة ، وفيها : " إنما تغسل ثوبك من الغائط ، والبول ، والمني ، والدم ، والقيء ، يا عمار ، ما نخامتك ودموع عينيك والماء الذي في ركوتك إلا سواء " .
فالجواب : أن في إسناده ثابت بن حماد ، عن علي بن زيد بن جدعان ، وضعفه الجماعة المذكورون كلهم إلا أبا يعلى بثابت بن حماد ، واتهمه بعضهم بالوضع . وقال اللالكائي : أجمعوا على ترك حديثه . وقال البزار : لا نعلم لثابت إلا هذا الحديث . وقال الطبراني : تفرد به ثابت بن حماد ، ولا يروى عن عمار إلا بهذا الإسناد . وقال البيهقي : هذا حديث باطل ، إنما رواه ثابت بن حماد وهو متهم بالوضع ; قاله ابن حجر في ( التلخيص ) ، ثم قال : قلت ورواه البزار ، والطبراني من طريق إبراهيم بن زكريا العجلي ، عن حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، لكن إبراهيم ضعيف ، وقد غلط فيه ، إنما يرويه ثابت بن حماد . انتهى .
وبهذا تعلم أن هذا الحديث لا يصح الاحتجاج به على نجاسة المني . والعلم عند الله تعالى .
المسألة الثالثة : قال القرطبي : في هذه الآية دليل على جواز الانتفاع بالألبان من الشرب وغيره . فأما لبن الميتة فلا يجوز الانتفاع به ; لأنه مائع طاهر حصل في وعاء نجس . وذلك أن ضرع الميتة نجس ، واللبن طاهر ; فإذا حلب صار مأخوذا من وعاء نجس . فأما لبن المرأة الميتة فاختلف أصحابنا فيه . فمن قال : إن الإنسان طاهر حيا وميتا فهو طاهر . ومن قال : ينجس بالموت فهو نجس . وعلى القولين جميعا تثبت الحرمة ; لأن الصبي قد يتغذى به كما يتغذى من الحية . وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم " ، ولم يخص . انتهى كلام القرطبي .
قوله تعالى : ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا الآية [ 16 \ 97 ] ، جمهور العلماء على أن المراد بالسكر في هذه الآية الكريمة : الخمر ; لأن [ ص: 404 ] العرب تطلق اسم السكر على ما يحصل به السكر ، من إطلاق المصدر وإرادة الاسم . والعرب تقول : سكر " - بالكسر - " سكرا [ 16 \ 67 ] ، " بفتحتين وسكرا " بضم فسكون " .
وقال الزمخشري في الكشاف : والسكر : الخمر ; سميت بالمصدر من سكر سكرا وسكرا ، نحو رشد رشدا ورشدا . قال :
وجاءونا بهم سكر علينا فأجلى اليوم والسكران صاحي ا هـ .
ومن إطلاق السكر على الخمر قول الشاعر :
بئس الصحاة وبئس الشرب شربهم إذا جرى فيهم المزاء والسكر
وممن قال : بأن السكر في الآية الخمر : ابن عباس ، وابن مسعود ، وابن عمر ، وأبو رزين ، والحسن ، ومجاهد ، والشعبي ، والنخعي ، وابن أبي ليلى ، والكلبي ، وابن جبير ، وأبو ثور ، وغيرهم . وقيل : السكر : الخل . وقيل : الطعم ، وقيل : العصير الحلو .
وإذا عرفت أن الصحيح هو مذهب الجمهور ، وأن الله امتن على هذه الأمة بالخمر قبل تحريمها فاعلم أن هذه الآية مكية ، نزلت بعدها آيات مدنية بينت تحريم الخمر ، وهي ثلاث آيات نزلت بعد هذه الآية الدالة على إباحة الخمر .
الأولى : آية البقرة التي ذكر فيها بعض معائبها ومفاسدها ، ولم يجزم فيها بالتحريم ، وهي قوله تعالى : يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما [ 2 \ 219 ] ، وبعد نزولها تركها قوم للإثم الذي فيها ، وشربها آخرون للمنافع التي فيها .
الثانية : آية النساء الدالة على تحريمها في أوقات الصلوات ، دون الأوقات التي يصحو فيها الشارب قبل وقت الصلاة ، كما بين صلاة العشاء وصلاة الصبح ، وما بين صلاة الصبح وصلاة الظهر ، وهي قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى الآية [ 4 \ 43 ] .
الثالثة : آية المائدة الدالة على تحريمها تحريما باتا ، وهي قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ، إلى قوله : فهل أنتم منتهون [ 5 \ 90 - 91 ] .
[ ص: 405 ] وهذه الآية الكريمة تدل على تحريم الخمر أتم دلالة وأوضحها ; لأنه تعالى صرح بأنها رجس ، وأنها من عمل الشيطان ، وأمر باجتنابها أمرا جازما في قوله : فاجتنبوه ، واجتناب الشيء : هو التباعد عنه ، بأن تكون في غير الجانب الذي هو فيه . وعلق رجاء الفلاح على اجتنابها في قوله : لعلكم تفلحون ، ويفهم منه أنه من لم يجتنبها لم يفلح ، وهو كذلك .
ثم بين بعض مفاسدها بقوله : إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة [ 15 \ 91 ] ، ثم أكد النهي عنها بأن أورده بصيغة الاستفهام في قوله : فهل أنتم منتهون [ 5 \ 91 ] ، فهو أبلغ في الزجز من صيغة الأمر التي هي " انتهوا " ، وقد تقرر في فن المعاني : أن من معاني صيغة الاستفهام ، التي ترد لها ، الأمر ; كقوله : فهل أنتم منتهون ، وقوله : وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم الآية [ 3 \ 20 ] ، أي : أسلموا . والجار والمجرور في قوله : ومن ثمرات النخيل الآية [ 16 \ 67 ] ، يتعلق بـ تتخذون ، وكرر لفظ " من " للتأكيد ، وأفرد الضمير في قوله " منه " مراعاة للمذكور ; أي : تتخذون منه ، أي : مما ذكر من ثمرات النخيل والأعناب . ونظيره قول رؤبة :
فيها خطوط من سواد وبلق كأنه في الجلد توليع البهق
فقوله : " كأنه " ، أي : ما ذكر من خطوط السواد والبلق . وقيل : الضمير راجع إلى محذوف دل المقام عليه ، أي : ومن عصير ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه ، أي : عصير الثمرات المذكورة ، وقيل : قوله : ومن ثمرات النخيل ، معطوف على قوله : مما في بطونه [ 16 \ 66 ] ، أي : نسقيكم مما في بطونه ومن ثمرات النخيل . وقيل : يتعلق بـ : نسقيكم ، [ 16 \ 66 ] محذوفة دلت عليها الأولى ; فيكون من عطف الجمل . وعلى الأول يكون من عطف المفردات إذا اشتركا في العامل . وقيل : معطوف على " الأنعام " [ 16 \ 66 ] ، وهو أضعفها عندي .
وقال الطبري : التقدير : ومن ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون منه سكرا ; فحذف " ما " .
قال أبو حيان البحر : وهو لا يجوز على مذهب البصريين . وقيل : يجوز أن يكون صفة موصوف محذوف ، أي : ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه [ ص: 406 ] ونظير هذا من كلام العرب قول الراجز :
ما لك عندي غير سوط وحجر وغير كبداء شديدة الوتر
جادت بكفي كان من أرمى البشر
أي : بكفي رجل كان " إلخ " ، ذكره الزمخشري وأبو حيان .
قال مقيده - عفا الله عنه - : أظهر هذه الأقوال عندي : أن قوله : ومن ثمرات ، يتعلق بـ : تتخذون ، أي : تتخذون من ثمرات النخيل ، وأن " من " ، الثانية : توكيد للأولى . والضمير في قوله : منه ، عائد إلى جنس الثمر المفهوم من ذكر الثمرات ، والعلم عند الله تعالى .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|