
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد الثانى
الحلقة (165)
سُورَةُ النَّحْلِ(11)
صـ 376 إلى صـ 380
قوله تعالى : إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين ، ذكر - جل وعلا - في هذه الآية : أن حرص النبي - صلى الله عليه وسلم - على إسلام قومه لا يهدي من سبق في علم الله أنه شقي .
وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر ; كقوله : إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء [ 28 \ 56 ] ، وقوله : ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم [ 5 \ 41 ] ، وقوله : من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون [ 7 \ 186 ] [ ص: 376 ] وقوله : ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء [ 6 \ 125 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .
وقرأ هذا الحرف نافع ، وابن عامر ، وابن كثير ، وأبو عمر : فإن الله لا يهدي من يضل [ 16 \ 37 ] ، بضم الياء وفتح الدال ; ومن " يهدي " مبنيا للمفعول . وقوله : من نائب الفاعل . والمعنى : أن من أضله الله لا يهدى ، أي : لا هادي له .
وقرأه عاصم ، وحمزة ، والكسائي بفتح الياء وكسر الدال ، من " يهدي " ، مبنيا للفاعل . وقوله : من ، مفعول به لـ يهدي ، والفاعل ضمير عائد إلى الله تعالى . والمعنى : أن من أضله الله لا يهديه الله . وهي على هذه القراءة فيمن سبقت لهم الشقاوة في علم الله ; لأن غيرهم قد يكون ضالا ثم يهديه الله كما هو معروف .
وقال بعض العلماء : لا يهدي من يضل ما دام في إضلاله له ; فإن رفع الله عنه الضلالة هذه فلا مانع من هداه . والعلم عند الله تعالى .
قوله تعالى : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ، ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة : أن الكفار حلفوا جهد أيمانهم - أي : اجتهدوا في الحلف - وغلظوا الأيمان على أن الله لا يبعث من يموت . وكذبهم الله - جل وعلا - في ذلك بقوله : بلى وعدا عليه حقا [ 16 \ 38 ] ، وكرر في آيات كثيرة هذا المعنى المذكور هنا من إنكارهم للبعث وتكذيبه لهم في ذلك ، كقوله : زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن الآية [ 64 \ 7 ] ، وقوله : كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين [ 21 \ 104 ] ، وقوله : وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم [ 36 \ 78 ، 79 ] ، وقوله : فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة [ 17 \ 51 ] ، والآيات بمثل هذا كثيرة جدا .
وقوله : بلى [ 16 \ 38 ] ، نفي لنفيهم البعث كما قدمنا . وقوله : وعدا ، مصدر مؤكد لما دلت عليه " بلى " ; لأن " ، بلى " تدل على نفي قولهم : لا يبعث الله من يموت . ونفي هذا النفي إثبات ، معناه : لتبعثن . وهذا البعث المدلول على إثباته بلفظة : " بلى " فيه معنى وعد الله بأنه سيكون . فقوله : وعدا [ 16 \ 38 ] مؤكد له .
وقوله : حقا مصدر أيضا ، أي : وعد الله بذلك وعدا ، وحقه حقا ، وهو [ ص: 377 ] مؤكد أيضا لما دلت " بلى " ، واللام في قوله : ليبين لهم الذي يختلفون فيه [ 16 \ 39 ] ، وفي قوله : وليعلم الذين كفروا الآية [ 16 \ 39 ] ، تتعلق بقوله : " بلى " ، أي : يبعثهم ليبين لهم . . إلخ . والضمير في قوله : لهم عائد إلى من يموت ; لأنه شامل للمؤمنين والكافرين .
وقال بعض العلماء : اللام في الموضعين تتعلق بقوله : ولقد بعثنا في كل أمة رسولا الآية [ 16 \ 36 ] ، أي : بعثناه ليبين لهم . . إلخ ، والعلم عند الله تعالى .
قوله تعالى : إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ، ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة : أنه لا يتعاصى على قدرته شيء ، وإذ يقول للشيء : " كن " ، فيكون بلا تأخير . وذلك أن الكفار لما : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت [ 16 \ 38 ] ، ورد الله عليهم كذبهم بقوله : بلى وعدا عليه حقا ، بين أنه قادر على كل شيء ، وأنه كلما قال لشيء " كن " كان .
وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر ; كقوله في الرد على من قال : من يحيي العظام وهي رميم [ 36 \ 78 ] : إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون [ 36 \ 82 ] .
وبين أنه لا يحتاج أن يكرر قوله : " كن " ، بل إذا قال للشيء " كن " مرة واحدة ، كان في أسرع من لمح البصر ، في قوله : وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر [ 54 \ 50 ] ، ونظيره قوله : وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شيء قدير [ 16 \ 77 ] ، وقال تعالى : إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الآية [ 3 \ 59 ] ، وقال : خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة [ 31 \ 28 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .
وعبر تعالى عن المراد قبل وقوعه باسم الشيء ; لأن تحقق وقوعه كالوقوع بالفعل ، فلا تنافي الآية إطلاق الشيء على خصوص الموجود دون المعدوم ; لأنه لما سبق في علم الله أنه يوجد ذلك الشيء ، وأنه يقول له كن فيكون كان تحقق وقوعه بمنزلة وقوعه ; أو لأنه أطلق عليه اسم الشيء باعتبار وجوده المتوقع ، كتسمية العصير خمرا في قوله : إني أراني أعصر خمرا [ 12 \ 36 ] ، نظرا إلى ما يؤول إليه في ثاني حال . وقرأ هذا الحرف ابن عامر والكسائي " فيكون " [ 16 \ 40 ] ، بفتح النون منصوبا بالعطف على قوله : أن نقول . وقيل : [ ص: 378 ] منصوب بأن المضمرة بعد الفاء في جواب الأمر . وقرأ الباقون بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : فهو يكون . ولقد أجاد من قال :
إذا ما أراد الله أمرا فإنما يقول له كن قولة فيكون
واللام في قوله : " لشيء " ، وقوله : " له " للتبليغ . قاله أبو حيان .
قوله تعالى : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ، ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة : أنه لم يرسل قبله - صلى الله عليه وسلم - من الرسل إلا رجالا ، أي : لا ملائكة . وذلك أن الكفار استغربوا جدا بعث الله رسلا من البشر ، وقالوا : الله أعظم من أن يرسل بشرا يأكل الطعام ، ويمشي في الأسواق ; فلو كان مرسلا أحدا حقا لأرسل ملائكة كما بينه تعالى في آيات كثيرة ، كقوله : أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس [ 10 \ 2 ] ، وقوله : بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم الآية [ 50 \ 2 ] ، وقوله : وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق [ 25 \ 7 ] ، وقوله : وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا [ 17 \ 94 ] ، وقوله : ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله الآية [ 64 \ 6 ] ، وقوله ، أبشرا منا واحدا نتبعه . . . الآية [ 54 \ 24 ] ، وقوله : فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين [ 23 \ 24 ] ، وقوله : وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون [ 23 \ - 34 ] ، وقوله : قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا الآية [ 14 \ 10 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .
وقد بين الله - جل وعلا - في آيات كثيرة : أن الله ما أرسل لبني آدم إلا رسلا من البشر ، وهم رجال يأكلون الطعام ، ويمشون في الأسواق ، ويتزوجون ، ونحو ذلك من صفات البشر ; كقوله هنا : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون الآية [ 16 \ 43 ] ، وقوله : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى ، وقوله : وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق [ 25 \ 20 ] ، [ ص: 379 ] وقوله : وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين [ 21 \ 7 ، 8 ] ، وقوله : ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية [ 13 \ 38 ] ، وقوله : قل ما كنت بدعا من الرسل . . . الآية [ 46 \ 9 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .
وقرأ جمهور القراء هذا الحرف : " يوحى إليهم " بالياء المثناة التحتية ، وفتح الحاء مبنيا للمفعول . وقرأه حفص عن عاصم " نوحي إليهم " [ 16 \ 43 ] ، بالنون وكسر الحاء مبنيا للفاعل . وكذلك قوله في آخر سورة " يوسف " : " إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى " [ 12 \ 109 ] ، وأول " الأنبياء : " إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر . . " الآية [ 21 \ 7 ] . كل هذه المواضع قرأ فيها حفص وحده بالنون وكسر الحاء . . . والباقون بالياء التحتية وفتح الحاء أيضا . وأما الثانية : في " سورة الأنبياء " وهي قوله : وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون الآية [ 21 \ 25 ] .
فقد قرأه بالنون وكسر الحاء حمزة والكسائي وحفص . والباقون بالياء التحتية وفتح الحاء أيضا . وحصر الرسل في الرجال في الآيات المذكورة لا ينافي أن من الملائكة رسلا ; كما قال تعالى : الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس [ 22 \ 75 ] ، وقال : الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا الآية [ 35 \ 1 ] ; لأن الملائكة يرسلون إلى الرسل ، والرسل ترسل إلى الناس . والذي أنكره الكفار هو إرسال الرسل إلى الناس ، وهو الذي حصر الله فيه الرسل في الرجال من الناس ، فلا ينافي إرسال الملائكة للرسل بالوحي ، ولقبض الأرواح ، وتسخير الرياح والسحاب ، وكتب أعمال بني آدم ، وغير ذلك ; كما قال تعالى : فالمدبرات أمرا [ 79 \ 5 ] .
تنبيه .
يفهم من هذه الآيات أن الله لم يرسل امرأة قط ; لقوله : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا [ 16 \ 43 ] ، ويفهم من قوله : فاسألوا أهل الذكر [ 16 \ 43 ] أن من جهل الحكم : يجب عليه سؤال العلماء والعمل بما أفتوه به . والمراد بأهل الذكر في الآية : أهل الكتاب ، وهذه الأمة أيضا يصدق عليها أنها أهل الذكر ; لقوله : إنا نحن نزلنا الذكر . . . الآية [ 15 \ 9 ] ، إلا أن المراد في الآية أهل الكتاب . والباء في قوله : [ ص: 380 ] بالبينات والزبر [ 16 \ 44 ] ، قيل : تتعلق بـ " ما أرسلنا " داخلا تحت حكم الاستثناء مع " رجالا " ، أي : وما أرسلنا إلا رجالا بالبينات ، كقولك : ما ضربت إلا زيدا بالسوط ; لأن أصله ضربت زيدا بالسوط . وقيل : تتعلق بقوله : " رجالا " صفة له ، أي : رجالا متلبسين بالبينات . وقيل : تتعلق بـ " أرسلنا " مضمرا دل عليه ما قبله . كأنه قيل : بم أرسلوا ؟ قيل : بالبينات . وقيل : تتعلق ب " نوحي " ، أي : نوحي إليهم بالبينات ; قاله صاحب الكشاف . والعلم عند الله تعالى .
قوله تعالى : وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ، المراد بالذكر في هذه الآية : القرآن ; كقوله : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون [ 15 \ 9 ] .
وقد ذكر - جل وعلا - في هذه الآية حكمتين من حكم إنزال القرآن على النبي - صلى الله عليه وسلم - :
إحداهما : أن يبين للناس ما نزل إليهم في هذا الكتاب من الأوامر والنواهي ، والوعد والوعيد ، ونحو ذلك . وقد بين هذه الحكمة في غير هذا الموضع أيضا ; كقوله : وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه [ 16 \ 64 ] ، وقوله إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس الآية [ 4 \ 105 ] .
الحكمة الثانية : هي التفكر في آياته والاتعاظ بها ; كما قال هنا : ولعلهم يتفكرون [ 16 \ 44 ] ، وقد بين هذه الحكمة في غير هذا الموضع أيضا ; كقوله : كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب [ 38 \ 29 ] ، وقوله : أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا [ 4 \ 82 ] ، وقوله : أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها [ 47 \ 24 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .