عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 06-01-2022, 03:26 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,566
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد الثانى
الحلقة (164)

سُورَةُ النَّحْلِ(10)
صـ 371 إلى صـ 375



قوله تعالى : ولدار الآخرة خير ، ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة : أن دار الآخرة خير من دار الدنيا . وكرر هذا المعنى في مواضع كثيرة ، كقوله : وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير الآية [ 28 \ 80 ] ، وقوله : وما عند الله خير للأبرار ، وقوله : بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى ، وقوله : وللآخرة خير لك من الأولى [ 932 \ 4 ] ، وقوله : زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله الآية [ 3 \ 14 - 15 ] ، وقوله ، خير [ 16 \ 30 ] ، صيغة تفضيل ، حذفت همزتها ; لكثرة الاستعمال تخفيفا .

وإليه أشار ابن مالك في الكافية بقوله :


وغالبا أغناهم خير وشر عن قولهم أخير منه وأشر


وإنما قيل لتلك الدار : الدار الآخرة ; لأنها هي آخر المنازل ، فلا انتقال عنها البتة إلى دار أخرى .

والإنسان قبل الوصول إليها ينتقل من محل إلى محل . فأول ابتدائه من التراب ، ثم انتقل من أصل التراب إلى أصل النطفة ، ثم إلى العلقة ، ثم إلى المضغة ، ثم إلى العظام ، ثم [ ص: 371 ] كسا الله العظام لحما ، وأنشأها خلقا آخر ، وأخرجه للعالم في هذه الدار ، ثم ينتقل إلى القبر ، ثم إلى المحشر ، ثم يتفرقون : يومئذ يصدر الناس أشتاتا [ 99 \ 6 ] ، فسالك ذات اليمين إلى الجنة ، وسالك ذات الشمال إلى النار : ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون [ 30 \ 14 - 16 ] .

فإذا دخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار - فعند ذلك تلقى عصا التسيار ، ويذبح الموت ، ويقال : يا أهل الجنة ، خلود فلا موت ، ويا أهل النار خلود فلا موت ، ويبقى ذلك دائما لا انقطاع له ، ولا تحول عنه إلى محل آخر .

فهذا معنى وصفها بالآخرة ; كما أوضحه - جل وعلا - بقوله : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون [ 23 \ 12 - 16 ] .

تنبيه .

أضاف - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة الدار إلى الآخرة ، مع أن الدار هي الآخرة بدليل قوله : ولدار الآخرة الآية [ 16 \ 30 ] ، بتعريف الدار ونعتها بالآخرة في غير هذا الموضع . وعلى مقتضى قول ابن مالك في الخلاصة :
ولا يضاف اسم لما به اتحد معنى وأول موهما إذا ورد


فإن لفظ " الدار " يؤول بمسمى الآخرة . وقد بينا في كتابنا ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ) في " سورة فاطر " ، في الكلام على قوله : " ومكر السيئ " [ 35 \ 43 ] : أن الذي يظهر لنا أن إضافة الشيء إلى نفسه بلفظين مختلفين - أسلوب من أساليب اللغة العربية ; لتنزيل التغاير في اللفظ منزلة التغاير في المعنى . وبينا كثرته في القرآن ، وفي كلام العرب . والعلم عند الله تعالى .
قوله تعالى : ولنعم دار المتقين ، مدح الله - جل وعلا - دار المتقين التي هي الجنة في هذه الآية الكريمة ; لأن " نعم " ، فعل جامد لإنشاء المدح . وكرر الثناء عليها في آيات كثيرة ; لأن فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . كما [ ص: 372 ] قال تعالى : فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين الآية [ 32 \ 17 ] ، وقال : وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا [ 76 \ 20 ] ، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا .
قوله تعالى : جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاءون كذلك يجزي الله المتقين .

ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة : أن المتقين يدخلون يوم القيامة جنات عدن . والعدن في لغة العرب : الإقامة . فمعنى " جنات عدن " : جنات إقامة في النعيم ، لا يرحلون عنها ، ولا يتحولون .

وبين في آيات كثيرة : أنهم مقيمون في الجنة على الدوام ، كما أشار له هنا بلفظة " عدن " ، كقوله : لا يبغون عنها حولا [ 18 \ 108 ] ، وقوله : الذي أحلنا دار المقامة من فضله الآية [ 35 \ 35 ] ، والمقامة : الإقامة . وقد تقرر في التصريف : أن الفعل إذا زاد على ثلاثة أحرف فالمصدر الميمي منه ، واسم الزمان ، واسم المكان كلها بصيغة اسم المفعول . وقوله : إن المتقين في مقام أمين [ 44 \ 51 ] ، على قراءة نافع وابن عامر بضم الميم من الإقامة . وقوله : ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا [ 18 \ 2 - 3 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .

وقوله في هذه الآية الكريمة : تجري من تحتها الأنهار [ 16 \ 31 ] .

بين أنواع تلك الأنهار في قوله : فيها أنهار من ماء غير آسن ، إلى قوله من عسل مصفى [ 47 \ 15 ] ، وقوله هنا : لهم فيها ما يشاءون [ 16 \ 31 ] ، أوضحه في مواضع أخر ; كقوله : لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد [ 50 \ 35 ] ، وقوله : وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون [ 43 \ 71 ] ، وقوله : لهم فيها ما يشاءون خالدين كان على ربك وعدا مسئولا ، وقوله : لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين [ 39 \ 34 ] ، وقوله : ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم [ 41 \ 31 - 32 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .

وقوله في هذه الآية : كذلك يجزي الله المتقين [ 16 \ 31 ] .

يدل على أن تقوى الله هو السبب الذي به تنال الجنة .

وقد أوضح تعالى هذا المعنى في مواضع أخر ; كقوله : تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا [ 19 \ 63 ] ، وقوله : وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين [ 3 \ 133 ] ، وقوله : إن المتقين في جنات وعيون [ ص: 373 ] [ 15 \ 45 ] ، وقوله : إن المتقين في جنات ونعيم [ 52 \ 17 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .
قوله تعالى : الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ، ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة : أن المتقين الذين كانوا يمتثلون أوامر ربهم ، ويجتنبون نواهيه تتوفاهم الملائكة ; أي : يقبضون أرواحهم في حال كونهم طيبين ، أي : طاهرين من الشرك والمعاصي - على أصح التفسيرات - ويبشرونهم بالجنة ، ويسلمون عليهم .

وبين هذا المعنى أيضا في غير هذا الموضع ; كقوله : إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون [ 41 \ 30 ] ، وقوله : وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين [ 39 \ 73 ] ، وقوله : والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار [ 13 \ 23 - 24 ] ، والبشارة عند الموت ، وعند دخول الجنة من باب واحد ; لأنها بشارة بالخير بعد الانتقال إلى الآخرة . ويفهم من صفات هؤلاء الذين تتوفاهم الملائكة طيبين ، ويقولون لهم : سلام عليكم ادخلوا الجنة - أن الذين لم يتصفوا بالتقوى لم تتوفهم الملائكة على تلك الحال الكريمة ، ولم تسلم عليهم ، ولم تبشرهم .

وقد بين تعالى هذا المفهوم في مواضع أخر ; كقوله : الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم الآية [ 16 \ 28 ] ، وقوله : إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم ، إلى قوله وساءت مصيرا [ 4 \ 97 ] ، وقوله : ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم الآية [ 8 \ 50 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .

وقوله : تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم [ 16 \ 28 ] ، وقوله : تتوفاهم الملائكة طيبين [ 16 \ 32 ] ، قرأهما عامة القراء غير حمزة : " تتوفاهم " بتاءين فوقيتين . وقرأ حمزة " يتوفاهم " بالياء في الموضعين .

تنبيه .

أسند هنا - جل وعلا - التوفي للملائكة في قوله : تتوفاهم الملائكة [ 16 \ 32 ] [ ص: 374 ] وأسنده في " السجدة " ، لملك الموت في قوله : قل يتوفاكم ملك الموت [ 32 \ 11 ] ، وأسنده في " الزمر " إلى نفسه - جل وعلا - في قوله : الله يتوفى الأنفس حين موتها الآية [ 39 \ 42 ] ، وقد بينا في كتابنا ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ) في سورة " السجدة " : أنه لا معارضة بين الآيات المذكورة ، فإسناده التوفي لنفسه ; لأنه لا يموت أحد إلا بمشيئته تعالى ، كما قال : وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا [ 3 \ 145 ] ، وأسنده لملك الموت ; لأنه هو المأمور بقبض الأرواح ، وأسنده إلى الملائكة ; لأن لملك الموت أعوانا من الملائكة ينزعون الروح من الجسد إلى الحلقوم فيأخذها ملك الموت ، كما قاله بعض العلماء . والعلم عند الله تعالى .
قوله تعالى : ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ، ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة : أنه بعث في كل أمة رسولا بعبادة الله وحده ، واجتناب عبادة ما سواه .

وهذا هو معنى " لا إله إلا الله " ; لأنها مركبة من نفي وإثبات ، فنفيها هو خلع جميع المعبودات غير الله تعالى في جميع أنواع العبادات ، وإثباتها هو إفراده - جل وعلا - بجميع أنواع العبادات بإخلاص ، على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله - عليهم صلوات الله وسلامه - .

وأوضح هذا المعنى كثيرا في القرآن عن طريق العموم والخصوص . فمن النصوص الدالة عليه مع عمومها قوله تعالى : وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون [ 21 \ 25 ] ، وقوله : واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون [ 43 \ 45 ] ، ونحو ذلك من الآيات .

ومن النصوص الدالة عليه مع الخصوص في إفراد الأنبياء وأممهم قوله تعالى : لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره [ 7 \ 59 ] ، وقوله تعالى : وإلى عاد أخاهم هودا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره [ 7 \ 65 ] ، وقوله تعالى : وإلى ثمود أخاهم صالحا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره [ 7 \ 73 ] ، وقوله : وإلى مدين أخاهم شعيبا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره [ 7 \ 85 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .

واعلم أن كل ما عبد من دون الله ، فهو طاغوت ، ولا تنفع عبادة الله إلا بشرط اجتناب عبادة ما سواه ; كما بينه تعالى بقوله : فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد [ ص: 375 ] استمسك بالعروة الوثقى [ 2 \ 265 ] ، وقوله : وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون [ 12 \ 106 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .
قوله تعالى : فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة ، ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة : أن الأمم التي بعث فيها الرسل بالتوحيد منهم سعيد ، ومنهم شقي . فالسعيد منهم : يهديه الله إلى اتباع ما جاءت به الرسل ، والشقي منهم : يسبق عليه الكتاب فيكذب الرسل ، ويكفر بما جاءوا به . فالدعوة إلى دين الحق عامة ، والتوفيق للهدى خاص ; كما قال تعالى : والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم [ 10 \ 25 ] ، فقوله : فمنهم [ 16 \ 36 ] ، أي : من الأمم المذكورة في قوله : في كل أمة رسولا ، وقوله : من هدى الله ، أي : وفقه لاتباع ما جاءت به الرسل . والضمير المنصوب الذي هو رابط الصلة بالموصول محذوف ، أي : فمنهم من هداه الله . على حد قوله في الخلاصة :

والحذف عندهم كثير منجلي في عائد متصل إن انتصب بفعل أو وصف كمن نرجو يهب .

وقوله : ومنهم من حقت عليه الضلالة [ 16 \ 36 ] ، أي : وجبت عليه ولزمته ; لما سبق في علم الله من أنه يصير إلى الشقاوة . والمراد بالضلالة : الذهاب عن طريق الإسلام إلى الكفر .

وقد بين تعالى هذا المعنى في آيات أخر ; كقوله : هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن [ 64 \ 2 ] ، وقوله : فمنهم شقي وسعيد [ 11 \ 105 ] ، وقوله : فريق في الجنة وفريق في السعير [ 42 \ 78 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 30.28 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 29.66 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.07%)]