
06-01-2022, 03:26 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,566
الدولة :
|
|
رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد الثانى
الحلقة (163)
سُورَةُ النَّحْلِ(9)
صـ 366 إلى صـ 370
قوله تعالى : قد مكر الذين من قبلهم .
ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة : أن الكفار الذين كانوا قبل كفار مكة قد مكروا . وبين ذلك في مواضع أخر ; كقوله : وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا [ 13 \ 42 ] ، وقوله : وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال [ 14 \ 46 ] .
وبين بعض مكر كفار مكة ، بقوله : وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك الآية [ 8 \ 30 ] .
وذكر بعض مكر اليهود بقوله : ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين [ 3 \ 54 ] .
وبين بعض مكر قوم صالح ، بقوله : ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين الآية [ 27 \ 50 ، 51 ] .
وذكر بعض مكر قوم نوح بقوله : ومكروا مكرا كبارا وقالوا لا تذرن [ ص: 366 ] آلهتكم الآية [ 71 \ 22 - 23 ] .
وبين مكر رؤساء الكفار في قوله : بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله الآية [ 34 \ 33 ] ، والمكر : إظهار الطيب وإبطان الخبيث ، وهو الخديعة . وقد بين - جل وعلا - أن المكر السيئ لا يرجع ضرره إلا على فاعله ; وذلك في قوله : ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله [ 35 \ 43 ] .
قوله تعالى : فأتى الله بنيانهم من القواعد ، أي : اجتثه من أصله واقتلعه من أساسه ; فأبطل عملهم وأسقط بنيانهم . وهذا الذي فعل بهؤلاء الكفار الذين هم نمروذ وقومه - كما قدمنا في " سورة الحجر " - فعل مثله أيضا بغيرهم من الكفار . فأبطل ما كانوا يفعلون ويدبرون ; كقوله : ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون [ 7 \ 137 ] ، وقوله : كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله [ 5 \ 64 ] ، وقوله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا ياأولي الأبصار [ 59 \ 2 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .
قوله تعالى : ثم يوم القيامة يخزيهم ، أي : يفضحهم على رءوس الأشهاد ويهينهم بإظهار فضائحهم ، وما كانت تجنه ضمائرهم ، فيجعله علانية .
وبين هذا المعنى في مواضع أخر ، كقوله : أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور [ 100 \ 9 - 10 ] ، أي : أظهر علانية ما كانت تكنه الصدور ، وقوله : يوم تبلى السرائر [ 86 \ 9 ] .
وقد بين - جل وعلا - في موضع آخر : أن من أدخل النار فقد ناله هذا الخزي المذكور ، وذلك في قوله : ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته [ 3 \ 192 ] ، وقد قدمنا في سورة " هود " إيضاح معنى الخزي .
قوله تعالى : ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم ، ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة : أنه يسأل المشركين يوم القيامة سؤال توبيخ ، فيقول لهم : أين المعبودات التي كنتم تخاصمون رسلي وأتباعهم بسببها ، قائلين : إنكم لا بد لكم أن تشركوها معي في عبادتي ؟
وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر ، كقوله : ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون [ 28 \ 62 ، 28 \ 74 ] ، وقوله : وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون [ ص: 367 ] من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون [ 26 \ 92 ، 93 ] ، وقوله : ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون الله قالوا ضلوا عنا الآية [ 40 \ 73 - 74 ] ، وقوله : حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا الآية [ 7 \ 37 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .
وقرأ عامة القراء : شركائي [ 16 \ 27 ] ، بالهمزة وياء المتكلم ، ويروى عن ابن كثير من رواية البزي أنه قرأ " شركاي " ، بياء المتكلم دون همز ، ولم تثبت هذه القراءة .
وقرأ الجمهور : تشاقون [ 16 \ 27 ] ، بنون الرفع مفتوحة مع حذف المفعول .
وقرأ نافع : " تشاقون " بكسر النون الخفيفة التي هي نون الوقاية ، والمفعول به ياء المتكلم المدلول عليها بالكسرة مع حذف نون الرفع ; لجواز حذفها من غير ناصب ولا جازم إذا اجتمعت مع نون الوقاية ، كما تقدم تحريره في " سورة الحجر " ، في الكلام على قوله : فبم تبشروني [ 15 \ 54 ] .
قوله تعالى : فألقوا السلم ، أي : الاستسلام والخضوع . والمعنى : أظهروا كمال الطاعة والانقياد ، وتركوا ما كانوا عليه من الشقاق . وذلك عندما يعاينون الموت ، أو يوم القيامة . يعني : أنهم في الدنيا يشاقون الرسل ، أي : يخالفونهم ويعادونهم ، فإذا عاينوا الحقيقة ألقوا السلم ، أي : خضعوا واستسلموا وانقادوا حيث لا ينفعهم ذلك .
ومما يدل من القرآن على أن المراد بإلقاء السلم : الخضوع والاستسلام ، قوله : ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا [ 4 \ 94 ] ، على قراءة نافع وابن عامر وحمزة بلا ألف بعد اللام . بمعنى الانقياد والإذعان . وقوله : فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم الآية [ 4 \ 91 ] .
والقول بأن السلم في الآيتين الأخيرتين : الصلح والمهادنة لا ينافي ما ذكرنا ; لأن المصالح منقاد مذعن لما وافق عليه من ترك السوء . وقوله : وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا يفترون [ 16 \ 78 ] ، فكله بمعنى الاستسلام والخضوع والانقياد . والانقياد عند معاينة الموت لا ينفع ، كما قدمنا ، وكما دلت عليه آيات كثيرة ; كقوله : وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن الآية [ 4 \ 18 ] ، وقوله : فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا الآية [ 40 \ 85 ] [ ص: 368 ] وقوله : آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين [ 10 \ 91 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .
قوله تعالى : ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون ، يعني أن الذين تتوفاهم الملائكة في حال كونهم ظالمي أنفسهم إذا عاينوا الحقيقة ألقوا السلم ، وقالوا : " ما كنا نعمل من سوء " [ 16 \ 28 ] ، فقوله ما كنا نعمل من سوء ، معمول قول محذوف بلا خلاف .
والمعنى : أنهم ينكرون ما كانوا يعملون من السوء ، وهو الكفر وتكذيب الرسل والمعاصي . وقد بين الله كذبهم بقوله : بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون [ 16 \ 28 ] .
وبين في مواضع أخر : أنهم ينكرون ما كانوا عليه من الكفر والمعاصي كما ذكر هنا . وبين كذبهم في ذلك أيضا ; كقوله : ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون [ 6 \ 23 - 24 ] ، وقوله : قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعو من قبل شيئا كذلك يضل الله [ 40 \ 74 ] ، وقوله : يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون [ 58 \ 18 ] ، وقوله : ويقولون حجرا محجورا [ 25 \ 22 ] ، أي : حراما محرما أن تمسونا بسوء ; لأنا لم نفعل ما نستحق به ذلك ، إلى غير ذلك من الآيات .
وقوله هنا : " بلى " [ 16 \ 28 ] ، تكذيب لهم في قولهم : ما كنا نعمل من سوء .
تنبيه .
لفظة : " بلى " لا تأتي في اللغة العربية إلا لأحد معنيين ، لا ثالث لهما :
الأول : أن تأتي لإبطال نفي سابق في الكلام ، فهي نقيضة " لا " ; لأن " لا " لنفي الإثبات ، و " بلى " ، لنفي النفي ; كقوله هنا : ما كنا نعمل من سوء [ 16 \ 28 ] ، فهذا النفي نفته لفظة " بلى " ، أي : كنتم تعملون السوء من الكفر والمعاصي ، وكقوله : زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن [ 64 \ 7 ] ، وكقوله : وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم [ 34 \ 3 ] ، وقوله : وقالوا لن يدخل الجنة [ ص: 369 ] إلا من كان هودا أو نصارى [ 2 \ 111 ] ، فإنه نفى هذا النفي بقوله - جل وعلا - : بلى من أسلم وجهه لله الآية [ 2 \ 112 ] ، ومثل هذا كثير في القرآن وفي كلام العرب .
الثاني : أن تكون جوابا لاستفهام مقترن بنفي خاصة ; كقوله : ألست بربكم قالوا بلى [ 7 \ 172 ] ، وقوله : أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى [ 36 \ 81 ] ، وقوله : أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى [ 40 \ 50 ] ، وهذا أيضا كثير في القرآن وفي كلام العرب . أما إذا كان الاستفهام غير مقترن بنفي فجوابه ب " ، نعم " لا بـ " ، بلى " ، وجواب الاستفهام المقترن بنفي و " نعم " مسموع غير قياسي ; كقوله :
أليس الليل يجمع أم عمرو وإيانا فذاك لنا تداني نعم وترى الهلال كما أراه
ويعلوها النهار كما علاني
فالمحل لـ " بلى " لا لـ " نعم " في هذا البيت .
فإن قيل : هذه الآيات تدل على أن الكفار يكتمون يوم القيامة ما كانوا عليه من الكفر والمعاصي ، كقوله عنهم : والله ربنا ما كنا مشركين [ 6 \ 23 ] ، وقوله : ما كنا نعمل من سوء [ 16 \ 28 ] ، ونحو ذلك . مع أن الله صرح بأنهم لا يكتمون حديثا في قوله : ولا يكتمون الله حديثا [ 4 \ 42 ] .
فالجواب : هو ما قدمنا من أنهم يقولون بألسنتهم : " والله ربنا ما كنا مشركين " ; فيختم الله على أفواههم ، وتتكلم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون ، فالكتم باعتبار النطق بالجحود وبالألسنة ، وعدم الكتم باعتبار شهادة أعضائهم عليهم . والعلم عند الله تعالى .
قوله تعالى : فادخلوا أبواب جهنم الآية ، لم يبين هنا عدد أبوابها ، ولكنه بين ذلك في " سورة الحجر " في قوله - جل وعلا - : لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم [ 15 \ 44 ] ، أرجو الله أن يعيذنا وإخواننا المسلمين منها ومن جميع أبوابها ; إنه رحيم كريم .
قوله تعالى : وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا ، ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة : أن المتقين إذا سئلوا عما أنزل الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، قالوا : أنزل عليه خيرا ; أي : رحمة وهدى وبركة لمن اتبعه وآمن به . ويفهم من صفة أهل هذا الجواب [ ص: 370 ] بكونهم متقين - أن غير المتقين يجيبون جوابا غير هذا . وقد صرح تعالى بهذا المفهوم في قوله عن غير المتقين وهم الكفار : وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين [ 156 \ 24 ] ، كما تقدم .
قوله تعالى : للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ، ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة : أن من أحسن عمله في هذه الدار التي هي الدنيا كان له عند الله الجزاء الحسن في الآخرة . وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة ; كقوله : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة الآية [ 10 \ 26 ] ، والحسنى : الجنة . والزيادة : النظر إلى وجه الله الكريم . وقوله : ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى [ 563 \ 31 ] ، وقوله : هل جزاء الإحسان إلا الإحسان [ 55 \ 60 ] ، وقوله : من جاء بالحسنة فله خير منها [ 28 \ 84 ] ، وقوله في هذه الآية : حسنة ، أي : مجازاة حسنة بالجنة ونعيمها . والآيات في مثل ذلك كثيرة .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|