عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 06-01-2022, 03:25 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,566
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد الثانى
الحلقة (162)

سُورَةُ النَّحْلِ(8)
صـ 361 إلى صـ 365



قوله تعالى : وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون وعلامات وبالنجم هم يهتدون ، ذكر - جل وعلا - في هاتين الآيتين أربع نعم من نعمه على خلقه ، مبينا لهم عظيم منته عليهم بها :

الأولى : إلقاؤه الجبال في الأرض لتثبت ولا تتحرك ، وكرر الامتنان بهذه النعمة في [ ص: 361 ] القرآن كقوله : ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا [ 78 \ 6 - 7 ] ، وقوله : وجعلنا في الأرض رواسي الآية [ 21 \ 31 ] ، وقوله : وجعلنا فيها رواسي شامخات [ 77 \ 27 ] ، وقوله - جل وعلا - : خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم الآية [ 31 \ 10 ] ، وقوله : والجبال أرساها [ 79 \ 32 ] ، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا .

ومعنى تميد : تميل وتضطرب .

وفي معنى قوله أن وجهان معروفان للعلماء : أحدهما : كراهة أن تميد بكم . والثاني : أن المعنى : لئلا تميد بكم ; وهما متقاربان .

الثانية : إجراؤه الأنهار في الأرض المذكور هنا في قوله : وأنهارا [ 16 \ 15 ] ، وكرر - تعالى - في القرآن الامتنان بتفجيره الماء في الأرض لخلقه : كقوله : وسخر لكم الأنهار وسخر لكم الشمس والقمر الآية [ 14 \ 32 - 33 ] ، وقوله : أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون [ 56 \ 68 - 70 ] ، وقوله : وفجرنا فيها من العيون ليأكلوا من ثمره الآية [ 36 \ 34 - 35 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .

الثالثة : جعله في الأرض سبلا يسلكها الناس ، ويسيرون فيها من قطر إلى قطر في طلب حاجاتهم المذكور هنا في قوله : وسبلا ، وهو جمع سبيل بمعنى الطريق . وكرر الامتنان بذلك في القرآن ; كقوله : وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون [ 21 \ 31 ] ، وقوله : والله جعل لكم الأرض بساطا لتسلكوا منها سبلا فجاجا [ 71 \ 19 ] ، وقوله : قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا [ 20 \ 52 ، 53 ] .

وقوله : هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها الآية [ 67 \ 15 ] ، وقوله : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون [ 43 \ 9 - 10 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .

الرابعة : جعله العلامات لبني آدم ; ليهتدوا بها في ظلمات البر والبحر المذكور هنا في قوله : وعلامات وبالنجم هم يهتدون [ 16 \ 16 ] ، وقد ذكر الامتنان بنحو ذلك في [ ص: 362 ] القرآن في قوله : وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر الآية [ 6 \ 97 ] .
قوله تعالى : أفمن يخلق كمن لا يخلق الآية ، تقدم بيان مثل هذه الآية في موضعين .
قوله تعالى : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم ، ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة : أن بني آدم لا يقدرون على إحصاء نعم الله لكثرتها عليهم ، وأتبع ذلك بقوله : إن الله لغفور رحيم [ 16 \ 18 ] ، فدل ذلك على تقصير بني آدم في شكر تلك النعم ، وأن الله يغفر لمن تاب منهم ، ويغفر لمن شاء أن يغفر له ذلك التقصير في شكر النعم . وبين هذا المفهوم المشار إليه هنا بقوله : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار [ 14 \ 34 ] .

بين في موضع آخر : أن كل النعم على بني آدم منه - جل وعلا - ، وذلك في قوله : وما بكم من نعمة فمن الله الآية [ 16 \ 53 ] .

وفي هذه الآية الكريمة دليل على أن المفرد إذا كان اسم جنس وأضيف إلى معرفة ، أنه يعم كما تقرر في الأصول ; لأن : " نعمة الله " [ 16 \ 18 ] مفرد أضيف إلى معرفة فعم النعم . وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود عاطفا على صيغ العموم :

أو بإضافة إلى معرف إذا تحقق الخصوص قد نفي .
قوله تعالى : وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين ، ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة : أن الكفار إذا سئلوا عما أنزل الله على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - قالوا : لم ينزل عليه شيء . وإنما هذا الذي يتكلم به من أساطير الأولين ، نقله من كتبهم . والأساطير : جمع أسطورة أو إسطارة ، وهي الشيء المسطور في كتب الأقدمين من الأكاذيب والأباطيل . أصلها من سطر : إذا كتب . ومنه قوله تعالى : وكتاب مسطور [ 52 \ 2 ] ، وقال بعض العلماء : الأساطير : الترهات والأباطيل . وأوضح هذا المعنى في آيات أخر ; كقوله : وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا [ 25 \ 5 ] ، وقوله : وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين [ 8 \ 31 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .

وقوله : ماذا ، يحتمل أن تكون " ذا " موصولة و " ما " مبتدأ ، وجملة " أنزل " [ ص: 363 ] صلة الموصول ، والموصول وصلته خبر المبتدأ . ويحتمل أن يكون مجموعهما اسما واحدا في محل نصب ، على أنه مفعول " أنزل " ، كما أشار له في الخلاصة بقوله :


ومثل ماذا بعد ما استفهام أو من إذا لم تلغ في الكلام


وبين - جل وعلا - كذب الكفار في دعواهم : أن القرآن أساطير الأولين بقوله : قل أنزله الذي يعلم السر الآية [ 25 \ 6 ] ، وبقوله هنا : ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة [ 16 \ 25 ] .
قوله تعالى : ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون ، ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة : أن أولئك الكفار الذين يصرفون الناس عن القرآن بدعواهم أنه أساطير الأولين ، تحملوا أوزارهم - أي : ذنوبهم - كاملة ، وبعض أوزار أتباعهم الذين اتبعوهم في الضلال ; كما يدل عليه حرف التبعيض الذي هو " ومن " ، في قوله : ومن أوزار الذين يضلونهم الآية [ 16 \ 25 ] .

وقال القرطبي : " من " لبيان الجنس ; فهم يحملون مثل أوزار من أضلوهم كاملة .

وأوضح تعالى هذا المعنى في قوله : وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون [ 39 \ 13 ] ، واللام في قوله " ليحملوا " تتعلق بمحذوف دل المقام عليه ، أي : قدرنا عليهم أن يقولوا في القرآن : أساطير الأولين ; ليحملوا أوزارهم .

تنبيه .

فإن قيل : ما وجه تحملهم بعض أوزار غيرهم المنصوص عليه بقوله : ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم الآية [ 16 \ 25 ] ، وقوله : وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم الآية [ 29 \ 13 ] ، مع أن الله يقول : ولا تزر وازرة وزر أخرى [ 35 \ 18 ] ، ويقول - جل وعلا - : ولا تكسب كل نفس إلا عليها [ 6 \ 164 ] ، ويقول تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون [ 2 \ 134 ، 2 - 141 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .

[ ص: 364 ] فالجواب - والله تعالى أعلم - أن رؤساء الضلال وقادته تحملوا وزرين : أحدهما : وزر ضلالهم في أنفسهم .

والثاني : وزر إضلالهم غيرهم ; لأن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها ، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا . وإنما أخذ بعمل غيره ; لأنه هو الذي سنه وتسبب فيه ، فعوقب عليه من هذه الجهة ; لأنه من فعله ، فصار غير مناف لقوله ولا تزر وازرة الآية [ 35 \ 18 ] .

وقال مسلم بن الحجاج - رحمه الله - في صحيحه : حدثني زهير بن حرب ، حدثنا جرير بن عبد الحميد ، عن الأعمش ، عن موسى بن عبد الله بن يزيد ، وأبي الضحى ، عن عبد الرحمن بن هلال العبسي ، عن جرير بن عبد الله ، قال : جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليهم الصوف ، فرأى سوء حالهم ، قد أصابتهم حاجة فحث الناس على الصدقة ، فأبطؤوا عنه حتى رؤي ذلك في وجهه ، قال : ثم إن رجلا من الأنصار جاء بصرة من ورق ، ثم جاء آخر ، ثم تتابعوا حتى عرف السرور في وجهه . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده ، كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء . ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده ، كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء " اه .

أخرج مسلم في صحيحه هذا الحديث ، عن جرير بن عبد الله من طرق متعددة . وأخرجه نحوه أيضا من حديث أبي هريرة بلفظ : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا " . ومن دعا إلى ضلالة ، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا " اه .

قال مقيده عفا الله عنه : هذه النصوص الصحيحة تدل على رفع الإشكال بين الآيات ، كما تدل على أن جميع حسنات هذه الأمة في صحيفة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فله مثل أجور جميعهم ; لأنه - صلوات الله عليه وسلامه - هو الذي سن لهم السنن الحسنة جميعها في الإسلام ، نرجو الله له الوسيلة والدرجة الرفيعة ، وأن يصلي ويسلم عليه أتم صلاة وأزكى سلام .

وقوله في هذه الآية الكريمة : ( بغير علم ) [ 16 \ 25 ] ، يدل على أن الكافر غير معذور بعد إبلاغ الرسل المؤيد بالمعجزات ، الذي لا لبس معه في الحق ، ولو كان يظن أن [ ص: 365 ] كفره هدى ; لأنه ما منعه من معرفة الحق مع ظهوره إلا شدة التعصب للكفر ، كما قدمنا الآيات الدالة على ذلك في " الأعراف " ; كقوله : ( إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون ) [ 7 \ 30 ] ، وقوله : ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ) [ 18 \ 103 - 104 ] ، وقوله : ( وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ) [ 39 \ 47 ] ، وحملهم أوزارهم هو اكتسابهم الإثم الذي هو سبب ترديهم في النار ، أعاذنا الله والمسلمين منها .

وقال بعض العلماء : معنى حملهم أوزارهم : أن الواحد منهم عند خروجه من قبره يوم القيامة يستقبله شيء كأقبح صورة ، وأنتنها ريحا ; فيقول : من أنت ؟ فيقول : أو ما تعرفني ! فيقول : لا ولله ، إلا أن الله قبح وجهك ! أنتن ريحك ! فيقول أنا عملك الخبيث ، كنت في الدنيا خبيث العمل منتنه فطالما ركبتني في الدنيا ! هلم أركبك اليوم ; فيركب على ظهره اه .

وقوله ( ألا ساء ما يزرون ) [ 16 \ 25 ] ، ( ساء ) فعل جامد ; لإنشاء الذم بمعنى بئس ، و ( ما ) ، فيها الوجهان المشار إليهما بقوله في الخلاصة :


وما مميز وقيل فاعل في نحو نعم يقول الفاضل


وقوله ( يزرون ) ، أي : يحملون ، وقال قتادة : يعملون . اه .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 28.55 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 27.92 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.20%)]