عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 03-01-2022, 09:29 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,725
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
سُورَةُ الْبَقَرَةِ
الحلقة (36)

صــ199 إلى صــ 204

واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين
.

قوله تعالى: واقتلوهم حيث ثقفتموهم .

أي: وجدتموهم يقال: ثقفته أثقفه: إذا وجدته . قال القاضي أبو يعلى: قوله تعالى: واقتلوهم حيث ثقفتموهم عام في جميع المشركين ، إلا من كان بمكة ، فإنهم أمروا بإخراجهم منها ، إلا من قاتلهم ، فإنهم أمروا بقتالهم ، يدل على ذلك قوله في نسق الآية: ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه وكانوا قد آذوا المسلمين بمكة حتى اضطروهم إلى الخروج ، فكأنهم أخرجوهم . أما الفتنة ، ففيها قولان . أحدهما: أنها الشرك ، قاله ابن مسعود ، وابن عباس ، وابن عمر ، وقتادة في آخرين . والثاني: أنها ارتداد المؤمن إلى عبادة الأوثان . قاله مجاهد . فيكون معنى الكلام على القول الأول: شرك القوم أعظم [ ص: 199 ] من قتلكم إياهم في الحرم . وعلى الثاني: ارتداد المؤمن إلى الأوثان أشد عليه من أن يقتل محقا .

قوله تعالى: (ولا تقاتلوهم) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وعاصم : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم وقرأ حمزة ، والكسائي ، وخلف: ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم فإن قتلوكم بحذف الألف فيهن . وقد اتفق الكل على قوله: (فاقتلوهم) واحتج من قرأ بالألف بقوله: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة واحتج من حذف الألف بقوله: (فاقتلوهم) .

فصل

واختلف العلماء في قوله:

ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه

: هل هو منسوخ أم لا؟ فذهب مجاهد في جماعة من الفقهاء إلى أنه محكم ، وأنه لا يقاتل فيه إلا من قاتل ، ويدل على ذلك الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه خطب يوم فتح مكة ، فقال: "يا أيها الناس! إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض ، ولم تحل لأحد قبلي ، ولا تحل لأحد بعدي . وإنما أحلت لي ساعة من النهار ، ثم عادت حراما إلى يوم القيامة" فبين صلى الله عليه وسلم أنه خص في تلك الساعة بالإباحة على سبيل التخصيص ، لا على وجه النسخ ، فثبت بذلك خطر القتال في الحرم ، إلا أن يقاتلوا فيدفعون دفعا ، وهذا أمر مستمر ، والحكم غير منسوخ ، وقد ذهب قتادة إلى أنه منسوخ بقوله تعالى: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم [ التوبة: 5 ] . فأمر بقتالهم في الحل والحرم وعلى كل حال . وذهب الربيع بن أنس ، وابن زيد . إلى أنه منسوخ بقوله تعالى: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة وزعم [ ص: 200 ] مقاتل أنه منسوخ بقوله تعالى: واقتلوهم حيث ثقفتموهم [ البقرة: 191 ] . والقول الأول أصح .

قوله تعالى: فإن قاتلوكم فاقتلوهم قال مقاتل: أي: فقاتلوهم .
فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم .

قوله تعالى: (فإن انتهوا) .

فيه ثلاثة أقوال . أحدها: أن معناه: فإن انتهوا عن شركهم وقتالكم . والثاني: عن كفرهم . والثالث: عن قتالكم دون كفرهم . فعلى القولين الأولين تكون الآية محكمة ، ويكون معنى: فإن الله غفور رحيم غفور لشركهم وجرمهم ، وعلى القول الأخير يكون في معنى قوله غفور رحيم قولان . أحدهما: غفور لكم حيث أسقط عنكم تكليف قتالهم . والثاني: أن معناه: يأمركم بالغفران والرحمة لهم . فعلى هذا تكون الآية منسوخة بآية السيف .
وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين .

قوله تعالى: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة .

قال ابن عباس ، والحسن ، ومجاهد ، وقتادة في آخرين: الفتنة هاهنا: الشرك .

قوله تعالى: (ويكون الدين لله) قال ابن عباس: أي: يخلص له التوحيد . والعدوان: الظلم ، وأريد به هاهنا: الجزاء ، فسمي الجزاء عدوانا مقابلة للشيء بمثله ، كقوله: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه والظالمون هاهنا: المشركون ، قاله عكرمة ، وقتادة في آخرين .

[ ص: 201 ] فصل

وقد روي عن جماعة من المفسرين ، منهم قتادة ، أن قوله تعالى: فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين منسوخ بآية السيف ، وإنما يستقيم هذا إذا قلنا: إن معنى الكلام: فإن انتهوا عن قتالكم مع إقامتهم على دينهم ، فأما إذا قلنا: إن معناه: فإن انتهوا عن دينهم; فالآية محكمة .
الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين .

قوله تعالى: الشهر الحرام بالشهر الحرام .

هذه الآية نزلت على سبب ، واختلفوا فيه على قولين . أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم ، أقبل هو وأصحابه معتمرين في ذي القعدة ومعهم الهدي ، فصدهم المشركون ، فصالحهم نبي الله على أن يرجع عنهم ثم يعود في العام المقبل ، فيكون بمكة ثلاث ليال ، ولا يدخلها بسلاح ، ولا يخرج بأحد من أهل مكة ، فلما كان العام المقبل; أقبل هو وأصحابه فدخلوها ، فافتخر المشركون عليه إذ ردوه يوم الحديبة ، فأقصه الله منهم وأدخله مكة في الشهر الذي ردوه فيه ، فقال: الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص وإلى هذا المعنى ذهب ابن عباس ، ومجاهد ، وعطاء ، وأبو العالية ، وقتادة ، في آخرين . والثاني: أن مشركي العرب قالوا للنبي ، عليه السلام: أنهيت عن قتالنا في الشهر الحرام؟ قال: "نعم" وأرادوا أن يفتروه في الشهر الحرام ، فيقاتلوه فيه ، فنزلت هذه الآية ، يقول: إن استحلوا منكم شيئا في الشهر الحرام ، فاستحلوا منهم مثله ، هذا قول الحسن ، واختاره إبراهيم بن السري والزجاج . فأما أرباب القول الأول; فيقولون معنى الآية: الشهر الحرام [ ص: 202 ] الذي دخلتم فيه الحرم بالشهر الحرام الذي صدوكم فيه عام أول . (والحرمات قصاص): اقتصصت لكم منهم في ذي القعدة كما صدوكم في ذي القعدة . وقال الزجاج: الشهر الحرام ، أي: قتال الشهر الحرام بالشهر الحرام ، فأعلم الله تعالى أن أمر هذه الحرمات لا تجوز للمسلمين إلا قصاصا ، ثم نسخ ذلك بآية السيف ، وقيل: إنما جمع الحرمات ، لأنه أراد الشهر الحرام بالبلد الحرام ، وحرمة الإحرام .

قوله تعالى: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه قال ابن عباس: من قاتلكم في الحرم فقاتلوه . وإنما سمى المقابلة على الاعتداء اعتداء ، لأن صورة الفعلين واحدة ، وإن كان أحدهما: طاعة والآخر معصية . قال الزجاج: والعرب تقول: ظلمني فلان فظلمته ، أي: جازيته بظلمه . وجهل فلان علي ، فجهلت عليه . وقد سبق بيان هذا المعنى في أول السورة .

قوله تعالى: (واتقوا الله) قال سعيد بن جبير : واتقوا الله ، ولا تبدؤوهم بقتال في الحرم .
وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب .

قوله تعالى: (وأنفقوا في سبيل الله) .

هذه الآية نزلت على سبب ، وفيه قولان .

[ ص: 203 ] أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بالتجهز إلى مكة ، قال ناس من الأعراب: يا رسول الله! بماذا نتجهز؟ فوالله ما لنا زاد ولا مال! فنزلت ، قاله ابن عباس .

والثاني: أن الأنصار كانوا ينفقون ويتصدقون ، فأصابتهم سنة ، فأمسكوا; فنزلت ، قاله أبو جبيرة بن الضحاك . والسبيل في اللغة: الطريق . وإنما استعملت هذه الكلمة في الجهاد ، لأنه السبيل الذي يقاتل فيه على عقد الدين . والتهلكة: بمعنى الهلاك ، يقال: هلك الرجل يهلك هلاكا وهلكا وتهلكة . قال المبرد: وأراد بالأيدي: الأنفس; فعبر بالبعض عن الكل . وفي المراد بالتهلكة هاهنا أربعة أقوال . أحدها: أنها ترك النفقة في سبيل الله ، قاله حذيفة ، وابن عباس ، والحسن ، وابن جبير ، وعكرمة ، ومجاهد ، وقتادة ، والضحاك . والثاني: أنها القعود عن الغزو شغلا بالمال ، قاله أبو أيوب الأنصاري . والثالث: أنها القنوط من رحمة الله قاله البراء ، والنعمان بن بشير ، وعبيدة . والرابع: أنها عذاب الله ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس .

قوله تعالى: (وأحسنوا) فيه ثلاثة أقوال . أحدها: أن معناه: أحسنوا الإنفاق ، وهو قول أصحاب القول الأول . والثاني: أحسنوا الظن بالله ، قاله عكرمة ، وسفيان ، وهو يخرج على قول من قال: التهلكة: القنوط . والثالث: أن معناه: أدوا الفرائض ، رواه سفيان عن أبي إسحاق .

[ ص: 204 ] قوله تعالى: وأتموا الحج والعمرة لله قال ابن فارس: الحج في اللغة: القصد ، والاعتمار في الحج أصله: الزيارة . قال ثعلب: الحج بفتح الحاء: المصدر ، وبكسرها: الاسم قال: وربما قال الفراء: هما لغتان . وذكر ابن الأنباري في العمرة قولين . أحدهما: الزيارة . والثاني: القصد . وفي إتمامها أربعة أقوال . أحدها: أن معنى إتمامها: أن يفصل بينهما ، فيأتي بالعمرة في غير أشهر الحج ، قاله عمر بن الخطاب ، والحسن ، وعطاء . والثاني: أن يحرم الرجل من دويرة أهله ، قاله علي بن أبي طالب ، وطاووس ، وابن جبير . والثالث: أنه إذا شرع في أحدهما لم يفسخه حتى يتم ، قاله ابن عباس . والرابع: أنه فعل ما أمر الله فيهما ، قاله مجاهد . وجمهور القراء على نصب "العمرة" بإيقاع الفعل عليها . وقرأ الأصمعي عن نافع والقزاز عن أبي عمرو ، والكسائي عن أبي جعفر برفعها ، وهي قراءة ابن مسعود ، وأبي رزين ، والحسن ، والشعبي . وقراءة الجمهور تدل على وجوبها . وممن ذهب إلى أن العمرة واجبة علي ، وابن عمر ، وابن عباس ، والحسن ، وابن سيرين ، وعطاء ، وطاووس ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، وأحمد ، والشافعي . وروي عن ابن مسعود ، وجابر ، والشعبي ، وإبراهيم ، وأبي حنيفة ، ومالك ، أنها سنة وتطوع .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 27.77 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 27.14 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.26%)]