عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 03-01-2022, 09:27 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,781
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
سُورَةُ الْبَقَرَةِ
الحلقة (32)

صــ175 إلى صــ 180

قوله تعالى: إنما حرم عليكم الميتة .

قرأ أبو جعفر "الميتة" هاهنا ، وفي المائدة ، والنحل: و (بلدة ميتا) [ ق: 11 ] . بالتشديد ، حيث وقع . والميتة في عرف الشرع: اسم لكل حيوان خرجت روحه بغير ذكاة . وقيل إن الحكمة في تحريم الميتة أن جمود الدم فيها بالموت يحدث ، أذى للآكل ، وقد يسمى المذبوح في بعض الأحوال: ميتة حكما ، لأن حكمه حكم الميتة ، كذبيحة المرتد . فأما الدم; فالمحرم منه: المسفوح ، لقوله تعالى: أو دما مسفوحا [ الأنعام: 145 ] . قال القاضي أبو يعلى: فأما الدم الذي يبقى في خلل اللحم بعد الذبح ، وما يبقى في العروق; فهو مباح .

فأما لحم الخنزير; فالمراد: جملته ، وإنما خص اللحم ، لأنه معظم المقصود . قال الزجاج: الخنزير يشتمل على الذكر والأنثى . ومعنى وما أهل به لغير الله [ البقرة: 173 ] . ما رفع فيه الصوت بتسمية غير الله ، ومثله الإهلال بالحج ، إنما هو رفع الصوت بالتلبية .

قوله تعالى: (فمن اضطر) أي: ألجئ بضرورة . وقرأ أبو جعفر : (فمن اضطر) بكسر الطاء حيث كان . وأدغم ابن محيصن الضاد في الطاء .

قوله تعالى: (غير باغ) قال الزجاج: البغي: قصد الفساد ، يقال: بغى الجرح: إذا ترامى إلى الفساد . وفي قوله: (غير باغ ولا عاد) أربعة أقوال . أحدها: أن معناه غير باغ على الولاة ، ولا عاد يقطع السبيل ، هذا قول سعيد بن جبير ، ومجاهد . والثاني: غير باغ في أكله فوق حاجته ، ولا متعد بأكلها وهو يجد غيرها ، هذا قول الحسن ، وعكرمة ، وقتادة ، والربيع . والثالث: غير باغ ، أي: مستحل ، ولا عاد: غير مضطر ، روي عن سعيد بن جبير ، ومقاتل . والرابع: غير باغ شهوته بذلك ، ولا عاد بالشبع منه ، قاله السدي .

فصل

معنى الضرورة في إباحة الميتة: أن يخاف على نفسه أو بعض أعضائه . سئل أحمد ، [ ص: 176 ] رضي الله عنه ، عن المضطر إذا لم يأكل الميتة ، فذكر عن مسروق أنه قال: من اضطر فلم يأكل فمات دخل النار . فأما مقدار ما يأكل; فنقل حنبل: يأكل مقدار ما يقيمه عن الموت . ونقل ابن منصور: يأكل بقدر ما يستغني . فظاهر الأولى: أنه لا يجوز له الشبع ، وهو قول أبي حنيفة والشافعي ، وظاهر الثانية: جواز الشبع ، وهو قول مالك .
إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم .

قوله تعالى: إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب .

قال ابن عباس: نزلت في اليهود ، كتموا اسم النبي صلى الله عليه وسلم ، وغيروه في كتابهم . والثمن القليل: ما يصيبونه من اتباعهم من الدنيا . أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار قال الزجاج: معناه: إن الذين يأكلونه يعذبون به ، فكأنهم يأكلون النار . (ولا يكلمهم) هذا دليل على أن الله لا يكلم الكفار ولا يحاسبهم .

قوله تعالى: (ولا يزكيهم) [فيه ] ثلاثة أقوال . أحدها: لا يزكي أعمالهم ، قاله مقاتل . والثاني: لا يثني عليهم ، قاله الزجاج . والثالث: لا يطهرهم من دنس كفرهم وذنوبهم ، قاله ابن جرير .
أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار .

قوله تعالى: أولئك الذين اشتروا الضلالة أي: اختاروها على الهدى .

قوله تعالى: فما أصبرهم على النار فيه أربعة أقوال . أحدها: أن معناه: فما أصبرهم على عمل يؤديهم إلى النار! قاله عكرمة ، والربيع . والثاني: ما أجرأهم على النار; قاله الحسن ، ومجاهد . وذكر الكسائي أن أعرابيا حلف له رجل كاذبا ، فقال الأعرابي: ما أصبرك على الله ، يريد: ما أجرأك . والثالث: ما أبقاهم في النار ، كما تقول: ما أصبر فلانا على الحبس ، [ ص: 177 ] أي: ما أبقاه فيه ، ذكره الزجاج . والرابع: أن المعنى: فأي شيء صبرهم على النار؟! قاله ابن الأنباري . وفي "ما" قولان . أحدهما: أنها للاستفهام ، تقديرها: ما الذي أصبرهم؟ قاله عطاء ، والسدي ، وابن زيد ، وأبو بكر بن عياش . والثاني: أنها للتعجب ، كقولك: ما أحسن زيدا ، وما أعلم عمرا . وقال ابن الأنباري: معنى الآية التعجب ، والله يعجب المخلوقين ، ولا يعجب هو كعجبهم .
ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد قوله تعالى: ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق الإشارة بذلك إلى ما تقدم من الوعيد بالعذاب ، فتقديره: ذلك العذاب بأن الله نزل الكتاب بالحق ، فكفروا به واختلفوا فيه . وفي "الكتاب" قولان . أحدهما: أنه التوراة . والثاني: القرآن . وفي "الحق" قولان . أحدهما: أنه العدل ، قاله ابن عباس . والثاني: أنه ضد الباطل ، قاله مقاتل .

قوله تعالى: وإن الذين اختلفوا في الكتاب فيه قولان .

أحدهما: أنه التوراة . ثم في اختلافهم فيها ثلاثة أقوال . أحدها: أن اليهود والنصارى اختلفوا فيها ، فادعى النصارى فيها صفة عيسى ، وأنكر اليهود ذلك . والثاني: أنهم خالفوا ما في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وسلم . والثالث: أنهم خالفوا سلفهم في التمسك بها .

والثاني: أنه القرآن ، فمنهم من قال: شعر ، ومنهم من قال: إنما يعلمه بشر .

والشقاق: معاداة بعضهم لبعض . وفي معنى "بعيد" قولان . أحدهما: أن بعضهم متباعد في مشاقة بعض ، قاله الزجاج . والثاني: أنه بعيد من الهدى .
ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم [ ص: 178 ] إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون .

قوله تعالى: ليس البر أن تولوا وجوهكم .

قال قتادة: ذكر لنا أن رجلا سأل عن "البر" فأنزلت هذه الآية ، فدعاه رسول الله ، فتلاها عليه . وفيمن خوطب بها قولان . أحدهما: أنهم المسلمون . والثاني: أهل الكتابين . فعلى القول الأول; معناها: ليس البر كله في الصلاة ، ولكن البر ما في هذه الآية . وهذا المعنى مروي عن ابن عباس ، ومجاهد ، وعطاء ، والضحاك ، وسفيان . وعلى القول الثاني; معناها: ليس البر صلاة اليهود إلى المغرب ، وصلاة النصارى إلى المشرق ، ولكن البر ما في هذه الآية ، وهذا قول قتادة ، والربيع ، وعوف الأعرابي ، ومقاتل .

وقرأ حمزة ، وحفص عن عاصم: (ليس البر) بنصب الراء . وقرأ الباقون برفعها ، قال أبو علي: كلاهما حسن ، لأن كل واحد من الاسمين; اسم "ليس" وخبرها ، معرفة ، فإذا اجتمعا في التعريف تكافآ في كون أحدهما اسما ، والآخر خبرا ، كما تتكافأ النكرتان .

وفي المراد بالبر ثلاثة أقوال . أحدها: الإيمان . والثاني: التقوى . والثالث: العمل الذي يقرب إلى الله .

قوله تعالى: ولكن البر من آمن بالله فيه قولان . أحدهما: أن معناه: ولكن البر بر من آمن بالله . والثاني: ولكن ذا البر من آمن بالله ، حكاهما الزجاج . وقرأ نافع ، وابن عامر: (ولكن البر) بتخفيف نون (لكن) ورفع (البر) وإنما ذكر اليوم الآخر ، لأن عبدة الأوثان لا يؤمنون بالبعث . وفي المراد بالكتاب هاهنا قولان . أحدهما: أنه القرآن . والثاني: أنه بمعنى الكتب ، فيدخل في هذا اليهود ، لتكذيبهم بعض النبيين وردهم القرآن .

قوله تعالى: وآتى المال على حبه في هاء "حبه" قولان . أحدهما: أنها ترجع إلى المال . والثاني: إلى الإيتاء . وكان الحسن إذا قرأها قال: سوى الزكاة المفروضة .

[ ص: 179 ] قوله تعالى: (ذوي القربى) يريد: قرابة المعطي . وقد شرحنا معنى: (اليتامى والمساكين) عند رأس ثلاث وثمانين آية من هذه السورة . فأما (ابن السبيل) ففيه ثلاثة أقوال . أحدها: أنه الضيف ، قاله سعيد بن جبير ، والضحاك ، ومقاتل ، والفراء ، وابن قتيبة ، والزجاج . والثاني: أنه الذي يمر بك مسافرا ، قاله الربيع بن أنس ، وعن مجاهد ، وقتادة كالقولين . وقد روي عن الإمام أحمد أنه قال: هو المنقطع به يريد بلدا آخر . وهذا اختيار ابن جرير الطبري ، وأبي سليمان الدمشقي ، والقاضي أبو يعلى ، ويحققه: أن السبيل الطريق ، وابنه: صاحبه الضارب فيه ، فله حق على من يمر به إذا كان محتاجا . ولعل أصحاب القول الأول أشاروا إلى هذا لأنه إن كان مسافرا ، فإنه ضيف لم ينزل . والقول الثالث: أنه الذي يريد سفرا ، ولا يجد نفقة ، ذكره الماوردي وغيره عن الشافعي .

قوله تعالى: (وفي الرقاب) أي: في فك الرقاب . ثم فيه قولان . أحدهما: أنهم المكاتبون يعانون في كتابتهم بما يعتقون به ، رواه أبو صالح عن ابن عباس ، وهو مروي عن علي بن أبي طالب ، والحسن ، وابن زيد ، والشافعي . والثاني: أنهم عبيد يشترون بهذا السهم ويعتقون ، رواه مجاهد عن ابن عباس ، وبه قال مالك بن أنس ، وأبو عبيد ، وأبو ثور . وعن أحمد كالقولين .

فأما البأساء; فهي: الفقر . والضراء: المرض . وحين البأس: القتال ، قاله الضحاك . (أولئك الذين صدقوا) قال أبو العالية: تكلموا بالإيمان وحققوه بالعمل .
يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم .

قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص [ ص: 180 ] روى شيبان عن قتادة أن أهل الجاهلية كان فيهم بغي وطاعة للشيطان ، وكان الحي منهم إذا كان فيهم عدة ومنعة ، فقتل عبدهم عبد قوم آخرين; قالوا: لن نقتل به إلا حرا ، تعززا لفضلهم على غيرهم . وإذا قتلت امرأة منهم امرأة من آخرين; قالوا: لن نقتل بها إلا رجلا; فنزلت هذه الآية . ومعنى "كتب" فرض ، قاله ابن عباس وغيره . والقصاص: مقابلة الفعل بمثله ، مأخوذ من: قص الأثر . فإن قيل: كيف يكون فرضا والولي مخير بينه وبين العفو؟ فالجواب: أنه فرض على القاتل للولي ، لا على الولي .

قوله تعالى: فمن عفي له من أخيه شيء أي: من دم أخيه ، أي: ترك له القتل ، ورضي منه بالدية: ودل قوله: (من أخيه) على أن القاتل لم يخرج عن الإسلام ، (فاتباع بالمعروف) أي: مطالبته بالمعروف ، بأمر آخذ الدية بالمطالبة الجميلة التي لا يرهقه فيها: (وأداء إليه بإحسان) يأمر المطالب بأن لا يبخس ولا يماطل ذلك تخفيف من ربكم قال سعيد بن جبير : كان حكم الله على أهل التوراة أن يقتل قاتل العمد ، ولا يعفى عنه ، ولا يؤخذ منه دية ، فرخص الله لأمة محمد ، فإن شاء ولي المقتول عمدا ، قتل وإن شاء عفا ، وإن شاء ، أخذ الدية .

قوله تعالى: (فمن اعتدى) أي: ظلم ، فقتل قاتل صاحبه بعد أخذ الدية; (فله عذاب أليم) قال قتادة: يقتل ولا تقبل منه الدية .

فصل

ذهب جماعة من المفسرين إلى أن دليل خطاب هذه الآية منسوخ ، لأنه لما قال: (الحر بالحر) اقتضى أن لا يقتل العبد بالحر ، وكذلك لما قال: (والأنثى بالأنثى) اقتضى أن لا يقتل الذكر بالأنثى من جهة دليل الخطاب ، وذلك منسوخ بقوله تعالى: وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس قال شيخنا علي بن عبد الله: وهذا عند الفقهاء ليس بنسخ ، لأن الفقهاء يقولون: دليل الخطاب حجة ما لم يعارضه دليل أقوى منه .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 28.27 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 27.64 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.22%)]