معنى قوله تعالى { وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) :
(القول في تأويل قوله تعالى: {وهو بكلّ شيءٍ عليمٌ}.
يعني بقوله جلّ جلاله: {وهو} نفسه، وبقوله: {بكلّ شيءٍ عليمٌ} أنّ الّذي خلقكم وخلق لكم ما في الأرض جميعًا، وسوّى السّموات السّبع بما فيهنّ، فأحكمهنّ من دخان الماء وأتقن صنعهنّ، لا يخفى عليه أيّها المنافقون والملحدون الكافرون به من أهل الكتاب، ما تبدون وما تكتمون في أنفسكم، من أمر محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم ونبوّته المواثيق، وهم به عالمون؛ بل أنا عالمٌ بذلك من أمركم، وأمور غيركم، أيي بكلّ شيءٍ عليمٌ.
وقوله: {عليمٌ} بمعنى عالمٍ.
- وروي عن ابن عبّاسٍ أنّه كان يقول:
«هو الّذي قد كمل في علمه».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثنا معاوية بن صالحٍ، قال: حدّثني عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قال: «العالم الّذي قد كمل في علمه»). [جامع البيان: 1/ 465-466]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ):
(قوله: {وهو بكلّ شيءٍ عليمٌ} .
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه بن بكيرٍ، ثنا عبد اللّه بن لهيعة، حدّثني عطاء بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، في قول اللّه: {وهو بكلّ شيءٍ عليمٌ}«يعني من أعمالكم عليمٌ»). [تفسير القرآن العظيم: 1/75]
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) :
وقوله تعالى: {وهو بكلّ شيءٍ عليمٌ} معناه بالموجودات وتحقق علمه بالمعدومات من آيات أخر، وهذه الآية تقتضي أن الأرض وما فيها خلق قبل السماء، وذلك صحيح، ثم دحيت الأرض بعد خلق السماء، وبهذا تتفق معاني الآيات: هذه والتي في سورة المؤمن وفي النازعات). [المحرر الوجيز: 1 /161-164]
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) :
({{وهو بكلّ شيءٍ عليمٌ} أي: وعلمه محيطٌ بجميع ما خلق. كما قال: {ألا يعلم من خلق}. [الملك: 14]
- وروي عن ابن عبّاسٍ أنّه كان يقول:
«هو الّذي قد كمل في علمه».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثنا معاوية بن صالحٍ، قال: حدّثني عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قال: «العالم الّذي قد كمل في علمه»). [جامع البيان: 1/ 465-466]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) :
(أما قوله تعالى: {وهو بكل شيء عليم}.
أخرج ابن الضريس عن ابن مسعود قال: «أن أعدل آية في القرآن آخرها اسم من أسماء الله تعالى»). [الدر المنثور: 1/ 240]
المسائل البلاغية
مانوع الأستفهام في قوله { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ }
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ)
: (وقوله: {كيف تكفرون باللّه وكنتم أمواتاً...} على وجه التعجّب والتوبيخ؛ لا على الاستفهام المحض؛ أي: ويحكم كيف تكفرون! وهو كقوله: {فأين تذهبون}، وقوله: {كيف تكفرون باللّه وكنتم أمواتاً}، المعنى -والله أعلم-: وقد كنتم، ولولا إضمار "قد" لم يجز مثله في الكلام
.
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ
و"كيف" بمعنى التّعجّب والتّوبيخ لا بمعنى الاستفهام، كأنّه قال: ويحكم كيف تكفرون باللّه، كما قال:
{فأين تذهبون} وحلّ قوله: {وكنتم أمواتًا فأحياكم} محلّ الحال، وفيه ضمير قد، ولكنّها حذفت لما في الكلام من الدّليل عليها. وذلك أنّ فعل إذا حلّت محلّ الحال كان معلومًا أنّها مقتضيةٌ قد .
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ)
: وقوله عزّ وجلّ: {كيف تكفرون باللّه } .
وتأويل
{كيف} أنها استفهام في معنى التعجب، وهذا التعجب إنما هو للخلق وللمؤمنين، أي: اعجبوا من هؤلاء، كيف يكفرون وقد ثبتت حجة اللّه عليهم؟!
قالَ محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بَشَّارٍ الأَنْبَارِيُّ: (ت: 328 هـ):
(وقال بعض أهل اللغة: إذا دخلت (هل) للشيء المعلوم فمعناها الإيجاب، والتأويل: ألم يكن كذا وكذا! على جهة التقرير والتوبيخ، من ذلك قوله جل وعز: {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا}، ومنه أيضا: {فأين تذهبون}، لم يرد بهذين الاستفهامين حدوث هلم لم يكن؛ وإنما أريد بهما التقرير والتوبيخ، ومن ذلك قول العجاج:
أطــربــا وأنـــــت قـنــســري
.......والدهر بالإنسان دواري
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ
_ :
(وقوله تعالى: {كيف تكفرون} لفظه الاستفهام وليس به، بل هو تقرير وتوبيخ، أي: كيف تكفرون بالله ونعمه عليكم وقدرته هذه؟ ،
ومن قال إن كيف تقرير وتعجب فمعناه إن هذا الأمر إن عن فحقه أن يتعجب منه لغرابته وبعده عن المألوف من شكر المنعم .
موضع (كيف تكفرون
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ
_وكيف في موضع نصب على الحال والعامل فيها تكفرون، وتقديرها أجاحدين تكفرون أمنكرين تكفرون؟
وكيف مبنية، وخصت بالفتح لخفته .
محل الواو في قوله(وكنتم امواتاً
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت: 207هـ)
: وقوله: {كيف تكفرون باللّه وكنتم أمواتاً}، المعنى -والله أعلم-: وقد كنتم، ولولا إضمار "قد" لم يجز مثله في الكلام، ألا ترى أنه قد قال في سورة يوسف: {إن كان قميصه قدّ من دبرٍ فكذبت} المعنى -والله أعلم-: فقد كذبت، وقولك للرجل: أصبحت كثر مالك، لا يجوز إلاّ وأنت تريد: قد كثر مالك؛ لأنهما جميعا قد كانا، فالثاني حال للأوّل، والحال لا تكون إلا بإضمار "قد" أو بإظهارها.
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ
{وكنتم أمواتًا فأحياكم}
محلّ الحال، وفيه ضمير قد، ولكنّها حذفت لما في الكلام من الدّليل عليها. وذلك أنّ فعل إذا حلّت محلّ الحال كان معلومًا أنّها مقتضيةٌ قد . ). [جامع البيان: 1/ 434-454]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ)
: ومعنى {وكنتم} وقد كنتم، وهذه الواو للحال، وإضمار "قد" جائز إذا كان في الكلام دليل عليه.[معاني القرآن: 1/ 107]
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ
وقوله
{وكنتم أمواتاً} والواو في قوله) وكنتم )واو الحال .
موضع (ثم )في الآيه
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) :
فقد قيل: إنّ {ثمّ} هاهنا إنّما هي لعطف الخبر على الخبر، لا لعطف الفعل على الفعل، كما قال الشّاعر:
قل لمن ساد ثمّ ساد أبوه
.......ثمّ قد ساد قبل ذلك جدّه
علام يعود الضمير في قوله تعالى{ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ
:
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:قال تعالى(
ثمّ إليه ترجعون ) ,الضمير في {إليه} عائد على الله تعالى أي: إلى ثوابه أو عقابه، وقيل: هو عائد على الاحياء، والأول أظهر .
معنى وموضع (ما) في الآية
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ
: و(ما) بمعنى الّذي. فمعنى الكلام إذًا: كيف تكفرون باللّه وقد كنتم نطفًا في أصلاب آبائكم، فجعلكم بشرًا أحياءً، ثمّ يميتكم، ثمّ هو محييكم بعد ذلك، وباعثكم يوم الحشر للثّواب والعقاب
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ)
:
موضع "ما" مفعول به، وتأويله: أن جميع ما في الأرض منعم به عليكم، فهو لكم، وفيه قول آخر: أن ذلكم دليل على توحيد اللّه عزّ وجلّ.
أعراب جميعاً
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546ه
وحكى ابن فورك عن ابن الصائغ أنه قال: «»، و{جميعاً} نصب على الحال .
اشتقاق السماء ومعناها
قال أبو زكريا يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ):
(و«السماء» يؤنث ويذكر، والتذكير قليل، كأنها جمع سماوة وسماءة. قال الله عز وجل: {السماء منفطر به} فذكر. قال الشاعر:
فلـو رفـع السمـاء إلـيـه قـومـا
.......لحقنا بالسماء مع السحاب
[المذكور والمؤنث: 91] (م)
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ)
:
أما قوله: {ثمّ استوى إلى السّماء فسوّاهنّ} وهو إنما ذكر سماء واحدة، فهذا لأن ذكر "السماء" قد دل عليهن كلّهن، وقد زعم بعض المفسرين أن "السماء" جميع مثل "اللبن"، فما كان لفظه لفظ الواحد ومعناه معنى الجماعة جاز أن يجمع .
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ
الاستدلال به من أنّ معنى السّماء الّتي قال اللّه فيها:
{ثمّ استوى إلى السّماء} بمعنى الجمع على ما وصفنا، وأنّه إنّما قال جلّ ثناؤه: {فسوّاهنّ} إذ كانت السّماء بمعنى ا وقال جلّ ذكره: {فسوّاهنّ} فأخرج مكنيّهنّ مخرج مكنيّ الجمع. وقد قال قبل: {ثمّ استوى إلى السّماء} فأخرجها على تقدير الواحد. وإنّما أخرج مكنيّهنّ مخرج مكنيّ الجمع؛ لأنّ السّماء جمعٌ واحدها سماوةٌ، فتقدير واحدتها وجمعها إذًا تقدير بقرةٍ وبقرٌ ونخلةٌ ونخلٌ وما أشبه ذلك؛ لجمع على ما بيّنّا.
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ)
: و"السماء" لفظها لفظ الواحد، ومعناها معنى الجمع، والدليل على ذلك قوله: {فسوّاهنّ سبع سماوات}. ويجوز أن يكون "السماء" جمعاً كما أن السّماوات جمع؛ كأن واحده سماة وسماوة وسماء للجميع، وزعم أبو الحسن الأخفش أن السماء جائز أن يكون واحداً يراد به الجمع كما تقول "كثر الدّرهم والدينار في أيدي الناس" .
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ
فأما قوله:
{ثمّ استوى إلى السّماء فسوّاهنّ} فإن "السماء" في معنى جمع، فقال {فسوّاهنّ} للمعنى المعروف أنهنّ سبع سموات، وكذلك الأرض يقع عليها -وهي واحدةٌ- الجمع، ويقع عليهما التوحيد وهما مجموعتان، قال الله عز وجل: {ربّ السّموات والأرض} ثم قال: {وما بينهما} ولم يقل "بينهن"، فهذا دليل على ما قلت لك). [معاني القرآن: 1 /25]
معنى (فسواهن )وموقعها الإعرابي
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ
فسوّاهنّ}
قيل: المعنى جعلهن سواء، وقيل: سوى سطوحها بالإملاس، وسبع نصب على البدل من الضمير، أو على المفعول بـ«سوّى»، بتقدير حذف الجار من الضمير، كأنه قال: فسوّى منهن سبع، وقيل: نصب على الحال، وقال: سواهن إما على أن السماء جمع، وإما على أنه مفرد اسم جنس، فهو دال على الجمع.
اشتقاق ومصدر( عليم)
قَالَ سِيبَوَيْهِ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ قُنْبُرٍ (ت: 180هـ):
(وقالوا: علم علماً، فالفعل كبخل يبخل والمصدر كالحلم، وقالوا: عالم كما قالوا في الضد: جاهل، وقالوا: عليم كما قالوا: حليم. وقالوا: فقه وهو فقيه والمصدر فقه كما قالوا: علم علماً وهو عليم). [الكتاب: 4 /35]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ):
(سفيان [الثوري]، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللّه في قوله جلّ وعزّ: {وكنتم أمواتًا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم} قال: «هي مثل الآية الّتي في أوّل المؤمن:{ربّنا أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين}»). [تفسير الثوري: 43]
يتبع