عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 28-12-2021, 10:57 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,544
الدولة : Egypt
افتراضي رد: في يوم اليرموك.. نصر مبين وهمة لا تلين

فقال جورجه: فما منزلة الذي يدخل فيكم ويجيبكم على هذا الأمر اليوم؟.
قال خالد: منزلتنا واحدة، فيما افترض الله علينا: شريفنا ووضيعنا، وأولنا وآخرنا.

فقال جورجه: هل لمن دخل فيكم اليوم يا خالد مثل ما لكم من الأجر والذُّخْر؟.

فقال خالد: نعم وأفضل.

فتعجب جورجه وقال: كيف يساويكم وقد سبقتموه؟.

فقال خالد: إنا دخلنا في هذا الأمر وبايعنا نبينا وهو حيّ بين أظهرنا تأتيه أخبار السماء، ويخبرنا بالكتب ويرينا الآيات، وحُقَّ لمن رأى ما رأينا وسمع ما سمعنا أن يسلم ويبايع، وأنكم وأنتم لم تروا ما رأينا، ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحجج فمن دخل منكم في هذا الأمر بحقيقة ونية كان أفضل منا عند الله.

(هكذا يبين رسول الله في الحديث أن الذي يتمسك بدينه في هذا الزمان: زمان الصَّدِّ عن سبيل الله كالقابض على الجمر، وأجره كأجر خمسين؛ فسأله الصحابة: يا رسول الله خمسين منا أم منهم؟ فقال: بل منكم).

فيقول جورجه: بالله لقد صدقتني ولم تخدعني؟

فقال خالد: بالله لقد صدقتك.. وما بي إليك ولا لأحد منكم من حاجة وإن الله لوليُّ ما سألت عنه.

فقال جورجه: صدقتني.

ثم قلب ترسه وقال: يا خالد علِّمني الإسلام.

فأخذه خالد بن الوليد وأسرع به إلى خيمته وشنَّ عليه الماء من قِرْبَة (أي تخفف الرجل من لباسه بعض الشيء وصبَّ عليه الماء ليغتسل من كفره) فعلمه الصلاة.

كل ذلك والجيشان مصطفَّان أمام بعضهما لم يحدث بينهما قتال؛ فعلمه الصلاة فصلَّى ركعتين دخل بهما الإسلام ثم انطلق بعد ذلك يقاتل يوم اليرموك بجوار خالد طوال المعركة، حتى منَّ الله عليه بالشهادة في نهاية المعركة.. فاستشهد في هذه المعركة في آخرها وكان في أولها كافراً، فقال خالد: سبحان الله عَمِلَ قليلاً وأُجِرَ كثيراً، هذا فضل الله يؤتيه من يشاء.

ولا نظن أن ذلك كان بسبب الكلمتين اللتين قالهما له خالد في البداية فقط بل كانت سيرة المسلمين في الشام محمِّسة لكثير من الناس للدخول في الإسلام، فهذا الرجل كانت تحادثه نفسه من قبل ذلك: يدخل في الإسلام أو لا يدخل، حتى حانت له فرصة وخاطب خالد بن الوليد وثَبَتَ على الإيمان، حتى إن هناك بعض الروايات تقول: إن هذا الرجل (جورجه) هو الذي أتى قبل موقعة اليرموك إلى أبي عبيدة يقول له: أرسل رجلاً إلى باهان يفاوضه، فذهب خالد بن الوليد بعد ذلك.

غلمان المسلمين يطلبون الشهادة

ثم خرج رجل من الروم يطلب المبارزة من المسلمين، فوجد المسلمون غلاماً من الأزد لا يعرفه أحد وهو دون العشرين، يجري ناحية أبي عبيدة بن الجراح ويقول له: يا أبا عبيدة إني أردت أن أشفي قلبي، وأجاهد عدوي وعدو الإسلام، وأبذل نفسي في سبيل الله تعالى لعلي أرزق بالشهادة فهل تأذن لي؟.

لم يكن من هؤلاء الرجال الذين نادى عليهم خالد بن الوليد، وهو غلام دون العشرين، ولا يعرف اسمه أحد، ولكن الله يعرفه، فقال: هل تأذن لي أن أخرج فأقاتل هذا الرجل؟.

فأذن له أبو عبيدة بن الجراح، وقال له: اخرج فخرج، وعندما همَّ بالخروج التفت إلى أبى عبيدة بن الجراح، وقال له: يا أبا عبيدة هل لك إلى رسول الله من حاجة؟، فبكى أبو عبيدة بن الجراح حتى اخْضَلَّت لحيته. وقال له: أَقْرِأ رسول الله مني السلام وأخبره أنَّا وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا.

فانطلق الغلام المجهول الذي لا يعرفه أحد ولكن الله يعرفه، كما قال عمر من قبل عندما ذكروا له فتح فارس ومن قتل من المسلمين فقالوا: قُتِلَ فلان وفلان وفلان وأخذوا يَعُدُّون له عظماء الصحابة، ثم قالوا له: وخلق كثير لا تعلمهم، فقال: وما ضرهم ألا يعلمهم عمر يكفيهم أن الله يعلمهم.

وخرج هذا الغلام لهذا الرجل البطل من أبطال الروم فخرج وهو يقول:

لابد من طعن وضرب صائب ... بكل لدن وحسام قابض

عسى أن أفوز بالمواهب ... في جنة الفـردوس والمراتـب

وانطلق وقاتل هذا الرجل الرومي حتى قتله، وأخذ فرسه وسلاحه وسلمهما إلى المسلمين وعاد من جديد وقال: هل من مبارز؟.

فخرج له ثاني فقتله، والثالث فقتله، ثم الرابع فقتله، فخرج له خامس فحقق له أمنيته، لقاء الرسول فقطع رقبته؛ فطارت رقبة الغلام على الأرض.

ثم قام أبو عبيدة فقال: أليس لهذا الرجل من رجل؟ فتحمس معاذ بن جبل، وقال: أنا له، فأمسك به أبو عبيدة بن الجراح وقال له: إلزم مكانك، سألتك بحق رسول الله أن تثبت وأن تلزم الراية فلزومك الراية أحب إليَّ من قتالك هذا الرجل.

فقال معاذ بن جبل: إذن أنزل من على فرسي، وقال: ألا يريد هذا الفرس وهذا السلاح رجل من المسلمين يقاتل به هذا الفارس؟. فتقدم له ابنه عبد الرحمن بن معاذ بن جبل، وكان حدثًا، قيل: لم يحتلم، وقيل: في أول احتلامه، كان عمره 13 أو 14 سنة، وكان عُمْر معاذ بن جبل 30 سنة في هذه الموقعة، وهذا أكبر أبنائه. فقام عبد الرحمن بن معاذ بن جبل، وقال: يا أبت إني لأرجو أن أكون فارساً أعظم غناء عن المسلمين منِّي راجلاً فأعطني الفرس، فأعطاه الفرس والسلاح، وقال: وفقني الله وإياك يا بُني، فقال عبد الرحمن: يا أبتِ إنْ أنا صبرت فلله المنّة عليَّ، وإن أنا قُتِلت فالسلام عليك، ثم همَّ بالخروج، ولكنه عاد يسأل أباه كما سأل الغلام الأزدي، فقال: يا أبتِ أليست لك حاجة عند رسول الله ؟.

فقال له معاذ بن جبل: يا بني أقرأه منِّي السلام، وقل له: جزاك الله عن أمتك خيراً.

ثم خرج عبد الرحمن بن معاذ بن جبل واقتتل مع الرومي فاختلفا ضربتين فمال الرومي؛ فطاشت ضربة عبد الرحمن وأصابت ضربة الرومي، ونزلت على رأس عبد الرحمن بن معاذ بن جبل فشجتها شجّاً عميقاً، فغطَّى الدم وجهه وظنَّ أنه يموت، وظن الرومي كذلك أنه يموت فعاد إلى أبيه، وقال: يا أبتِ قتلني الرومي، فقال معاذ بن جبل والدموع في عينيه: يا بُنيَّ وماذا تريد من الدنيا؟، فعاد ابنه مرة أخرى بالفرس إلى الرجل، ولكن سبحان الله لم تمهله ساعات أجله فسقط شهيداً من على فرسه.

فقال أبو عبيدة: فمن له منكم؟ فخرج عامر بن الطفيل الدوسي، وما هي إلا لحظات حتى كانت أمعاء الرومي مبعثرة في الأرض، وانتقم من هذا الرومي وكبَّر المسلمون في ساحة المعركة.


بُشْرَى بنصر المسلمين
فبعد انقضاء النصف الأول من الليل في صلاة القيام، كان النصف الثاني كله تجهيزًا للجيش الإسلامي، فقد وقف القادة أمام الصفوف يرتبونها ويشجعون الجنود حتى حان موعد صلاة الفجر فاصطفَّ المسلمون لصلاة الفجر، وصلى بهم أبو عبيدة بن الجراح؛ لأنه هو أصبح الأمير العام للجيوش الإسلامية، فوقف أبو عبيدة وقرأ في الركعة الأولى سورة (الفجر): {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} [الفجر 1: 14]، وأكمل أبو عبيدة الآيات إلى آخر السورة.

واستمع إلى الآيات راشد بن عبد الرحمن الأزدى أحد المجاهدين من قبيلة الأزد، وعندما وصل أبو عبيدة إلى هذه الآيات قال: "والله لقد ظهرنا على القوم، لَلَّذي أجرى على لسانه هذه الآيات هو الذي ينصرنا إن شاء الله رب العالمين، وعلمت أن الله سوف يصب عليهم سوط عذاب، فهؤلاء كعاد مثلهم كمثلهم..". واطمأن لذلك راشد بن عبد الرحمن، ثم بدأ الركعة الثانية فقرأ سورة (الشمس) حتى وصل إلى هذه الآيات: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا} [الشمس 11: 15]، فقال راشد في نفسه: والله هذه أخرى إن الله سوف يدمدم عليهم بذنبهم فيسويها على أيدينا؛ لأنهم فعلوا مثلما فعل قوم ثمود من قبل".

وبعد الصلاة التفت أبو عبيدة بن الجراح إلى المسلمين وقال لهم: "أيها الناس أبشروا فإني رأيت في ليلتي هذه فيما يرى النائم كأن رجالاً أتوني فحفوا بي، وعلي ثياب بيض ثم دعوا لي رجالاً منكم أعرفهم، ثم قالوا لنا: أقدموا على عدوكم ولا تهابوهم فإنكم أنتم الأعلون، ثم مضينا إلى عسكر عدونا فلما رأونا قاصدين إليهم انفرجوا لنا وجئنا حتى دخلنا عسكرهم فوَلَّوا مدبرين"؛ ففرح المسلمون بذلك وقالوا: "بشرك الله إن هذه بشرى من الله".

واطمأن المسلمون لهذه البشرى وتفاءلوا بها، فقال أبو مرثد الخولاني بعد أن سمع هذه الرؤيا من أبى عبيدة بن الجراح: والله إني رأيت أنا الآخر رؤيا؛ فقال أبو عبيدة: فحدِّثْ بها؛ فقال: "إني قد رأيت كأنا خرجنا إلى عدونا فلما توقفنا صَبَّ الله عليهم طيرًا بِيضًا عظامًا لها مخالب كمخالب الأسد وهي تنقضُّ من السماء انقضاض العُقْبَان؛ فإذا حازت بالرجل من المشركين ضربته ضربة يخِرُّ منها منقطعًا، وكان الناس يقولون: أبشروا معاشر المسلمين فقد أيَّدكُمُ الله عليهم بالملائكة"؛ فقال أبو عبيدة بن الجراح: بشَّرَك الله بالخير، هذه والله بشرى من الله.

دور المرأة المسلمة في المعركة

وكان ممن قاتل مع المسلمين أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، وأيضاً جويرية بنت أبي سفيان؛ فبذلك تكون عائلة أبي سفيان كلها في المعركة، وهند بنت عتبة – زوجته - تحمس الجيش من الخلف.

بل إن واحدة من المسلمات لا يُعلم اسمها، شوهدت في هذا اليوم تجري بفرسها وراء رومي، وهو يفر منها، حتى لحقته وقتلته، وقالت بعد أن قتلته: "هذا بيان نصر الله للمسلمين"، فإذا وصلت الحرب إلى أن نساء المسلمين يقتلن رجال الروم، فإن في ذلك دلالة على نصر الله للمسلمين.

خطة الحسم

تجمع المسلمون والروم عند منطقة اليرموك، وبعد أن التقت القوات الرومية مع القوات الإسلامية في (5 من رجب 15هـ)، بدأ المسلمون يخرجون بعض أبطالهم للمبارزة، التي نتج عنها استشهاد 4 من المسلمين، وقتل خمسة من الروم..

شعر خالد بن الوليد بقلة جيشه (33 ألفًاً، مقابل 200 ألف)، وأنه يجب أن يغيروا خطة الحرب، فأتى أبا عبيدة فقال: والله يا أبا عبيدة إن هؤلاء قد أقبلوا بعدد وجَدٍّ وحدٍّ وإن لهم لشدة لا يردها شيء، وليست خيلي بالكثيرة، ولا والله لا قامت خيلي لشدة خيلهم ورجالهم أبدًا (وخيله يومئذ أمام صفوف المسلمين ثلاثة) فقال خالد: قد رأيت أن أفرق خيلي فأكون في أحد الخيلين، وقيس بن هبيرة في الخيل الأخرى (يريد أن يقسم خيله نصفين، كل منهما ألف فارس)، ثم تقف خيلنا من وراء الميمنة والميسرة (ميمنة المسلمين بقيادة معاذ بن جبل، والميسرة عليها قباث بن أشيم)، فإذا حملوا على الناس، فإن ثبت المسلمون فالله ثبتهم وثبت أقدامهم، وإن كانت الأخرى حملت خيولنا عليهم وهي جامَّة (أي مستريحة)، وهم قد انتهت شدتهم وتفرقت جماعتهم، ثم نحمل عليهم وهم كذلك، فأرجو عندها أن يظفرنا الله بهم ويجعل دائرة السوء عليهم، وقد رأيت أن يجلس سعيد بن زيد (وكان في مؤخرة الجيش) مجلسك هذا (في المقدمة مكان أبي عبيدة، ويرجع أبو عبيدة إلى المؤخرة)، ويقف من ورائك بحذائك مائتان أو ثلاثمائة من الفرسان ذوي الوجوه؛ يكونون للناس ردءًا.

وأراد من ذلك أنه إذا حاول أحد المسلمين الفرار، فإنه يستحي من أبي عبيدة عندما يراه في الخلف، فيعود مرة أخرى للقتال، وليس إجباراً على القتال كما يفعل الروم.

فقبل أبو عبيدة مشورته، وقال: افعل ما أراك الله، وأنا فاعل ما أردت.

كما أشار عليه أن يجعل صفوف المسلمين ثلاثة صفوف فقط، حتى يغطي المساحة عرضاً أمام الجيش الرومي، الذي يبلغ عمقه 20 صفّاً، وعرضه 6 آلاف جندي، أي أن عرضه 9 كلم تقريباً.

يريد خالد أن يغطي مساحة العرض، حتى لا يجعل لهم فرصة في الالتفاف على جيش المسلمين، وهو أمر صعب تكتيكيّاً في القتال، لا يستطيع أن يقوم به إلا المجاهدون المسلمون الأقوياء.

كذلك ذهب إلى معسكر النساء من شرق المنطقة إلى وسط الجيش، يقول لهن: إذا أتاكم أحد المسلمين، فذكروه بالدفاع عنكن، وعن أولادكن، وورد في تاريخ دمشق قوله: يا نساء المسلمين، أيما رجل أقبل إليكنَّ منهزماً فاقتلنه، كما أخذ يذكر المسلمين أن نساءهم وبناتهم، إن هم فرُّوا، سيقعن سبايا في أيدي الروم، وهذا سلاح نفسي جديد.

فكان هذا أسلوب خالد في منع الفرار: بدأ في البداية بأسلوب الخطابة، والموعظة، وقراءة القرآن في الجيش كله (قراءة سورة الأنفال على كل فريق من المسلمين)، كما أرسل إلى جيوش المسلمين الكثير من الخطباء الذين وعظوا الناس، وثبتوهم في هذا المكان.

كما استعمل السلاح النفسي بوضع النساء خلف الجيش، وكذلك بجعل أبي عبيدة في المؤخرة.

واقترب موعد صلاة المغرب، والهجوم كاسح من المسلمين، يقابله تراجع غير محسوب من الروم، واقتراب عنيف من الهاوية، وجاءت الأوامر أن يؤخر المسلمون صلاة المغرب مع العشاء، حتى يصلوها بعد الفتح، وذلك حتى لا ينسى أحد المجاهدين نية جمع التأخير فتضيع عليه الفريضة، فمع كل ذلك القتال العنيف، إلا أن الصلاة تكون دائماً في أذهانهم.

وأتى الليل، واسود الظلام، فاخترق أحد المسلمين جيش الروم ووصل إلى باهان قائد الروم العظيم، وقاتله قتالاً قصيراً فقتله.

وأثر قتل باهان على نفسية الروم تأثيراً شديداً، وانهارت معنوياتهم تماماً، ورفع أبو سفيان صوته بالنداء: "يا نصر الله اقترب، الثبات الثبات يا معشر المسلمين" على الرغم من أنه أصبح كفيفاً إلا أنه لا يزال يحمس المسلمين، بإرادة تهد الجبال. يقول الرواة: فكأن الروم حائط قد هدَّه المسلمون فوقع.

وهكذا لقي المسلمون أعظم انتصار على أقوى جيش أعده الروم منذ بدأت حروبهم، على الرغم من كل الإعدادات والقساوسة والرهبان، الذين أعدهم (هرقل)، فانتصر المسلمون عليهم انتصاراً رائعاً.. وكان شهداء المسلمين 3 آلاف شهيد.

ويعلق ول ديورانت على ذلك قائلاً: "وهكذا قامر الإمبراطور هرقل ببلاد الشام كلها في معركة واحدة، فلما خسرها أصبحت تلك البلاد قاعدة الدولة العربية الآخذة في الاتساع".

الإستراتيجية العسكرية لخالد بن الوليد

صورة
بذل الروم جهوداً لمنع جنودهم من الفرار، فوضعوا الجيش أمام (الواقوصة) وهي هاوية عمقها أربعمائة متر من هوى فيها مات، كما ربطوا 30 ألف مقاتل منهم بالسلاسل، يضعون كل 10 في سلسلة، حتى يمنعوهم من الهرب، هذا بالإضافة إلى الوعود المادية الكثيرة، وقليل منهم من يفكر في الأموال في هذا الموقف؛ فالروح أعز وأهم، فيظلون متشبثين بالحياة، ويفكرون في الفرار طويلاً.
وهذا هو الفرق بين الجيش الإيماني، جيش العقيدة، وجيش دنيوي، مما يضع أمامنا بعض مفاتيح النصر.

يقول أحد المحللين العسكريين الألمان المعاصرين (كلاوس فيتز) في القرن التاسع عشر، الذي كان أقوى محلل عسكري في ذلك الوقت، ويذكر في كتابه (في الحرب) أن أروع لحظات الدفاع هي لحظة الانتقال السريع والقوي إلى الهجوم كضربة ثأر بسيف بتار، والطرف الذي لا يفكر في هذه اللحظة منذ البداية، ولا يدخلها عند نشوب العمليات في مفهوم دفاعه، لا يمكن أن يفهم أبداً تفوق الدفاع.

يرى أن الدفاع خير وسيلة للهجوم، فيظل الجيش في الدفاع، حتى يستهلك العدو قوته، ثم يبدأ الهجوم، وهذه أروع لحظات المعركة، وفيها تُشَلُّ قوة العدو، وقد وضعها في القرن 19 الميلادي.

ثم جاء محلل آخر يدعى (ليدل هاد) يسمونه: نبي الإستراتيجية العسكرية في القرن العشرين؛ فنقض نظرية الألماني في جزء منها، فقال: إن الهدف من المعركة هو إحداث صدمة تربك تفكير العدو، بتوجيه ضربة له في مكان لا يتوقعه، وإحداث خسارة مادية تؤثر على نفسية العدو.

وبذلك فهو يرى أن الأجدى ليس الدفاع، وإنما توجيه ضربة للعدو لا يتوقعها، تحدث خسارة مادية، تكون نتيجتها انهيار معنويات العدو.

ثم يقول: وحاول أن تخلق الفوضى في صفوف عدوك، إذا كنت تنوي ضربه الضربة الساحـقة. ويؤيد (كلاوس فيتز) في جزئية أخرى، تخص ما نحن بصدد الحديث عنه هنا، فيقول: إذا كان عدد الجنود في معسكرك يقل عن عدد الجنود في معسكر العدو (كموقف المسلمين في موقعة اليرموك) فحاول مؤقتًا أن تعطيه فرصة للهجوم على معسكرك، ولا تهجم عليه.

وأكبر الظن أنك ستواجه ناحية ضعيفة في معسكر العدو، لتفاجئه أنت بالهجوم، عندئذٍ استجمع كل قوتك، واعزم على النصر، وسيكون النصر حليفك.

ولو نظرنا لخطة خالد بن الوليد، ثم قارناها بما يقوله خبراء العسكرية بعده بقرون، لوجدنا خالداً في الجزء الأول من المعركة في اليرموك كان عازمًا على الأخذ بخطة كلاوس فيتز الأولى، وهي أنه يدافع حتى تنهك قوى الجيش الرومي، ثم يقتحم بعد ذلك، ويهجم عليهم، وفي الجزء الثاني من المعركة، أراد أن يفاجئ جيش الروم بضربة تحدث خسارة مادية واضحة، وتؤثر على نفسيتهم ومعنوياتهم.

وبذلك استعمل خالد النظريتين معاً في هذه المعركة، قبل خبراء العسكرية بنحو 13 قرنًا، وهاتان النظريتان يدرسان في الكليات العسكرية الآن، ولا يشار بأي كلمة إلى أن هناك قائداً مسلماً طبَّق هذه النظريات في موقعة واحدة، هو سيف الله المسلول.

أسباب النصر

بعد انتصار المسلمين في موقعة اليرموك، وانهزام جيش الروم هزيمة نكراء، وهروب 70 ألف مقاتل، (30 ألفًا أثناء القتال، و40 ألفًا بعد ذلك).

كانت قوة الجيش الإسلامي آنذاك 30 ألف مجاهد، وقد اعتادوا أن يلاحقوا الفارِّين بعد كل معركة، فخرجت قوة مكونة من 5 آلاف مجاهد، بقيادة خالد بن الوليد لتعقب الفارين، حتى لا يعودوا للقتال مرة أخرى، وبالطبع فإن 5 آلاف قادرين على ردع الـ 70 ألف، لاختلاف الدوافع عند كل منهم، واختلاف العوامل النفسية، بين فارين منهزمين، ومنتصرين أقوياء..

فخرج خالد بن الوليد في إثرهم، عن طريق دمشق، وقابل في الطريق بعض فلول الجيش الرومي، فقاتلهم، وأبادهم عن آخرهم في معركة قصيرة جدًّا، ثم وصل إلى دمشق (100 كلم) بعد يوم صعب من القتال، فخرج له أهل دمشق، واستقبلوه، وقالوا له: إنهم على العهد معه، وأنهم سيدفعون الجزية، فأقرهم خالد على ذلك، وقبل منهم نفس العهد السابق، وأخذ منهم الجزية، واتجه فوراً في اتجاه حمص في إثر بقية الفلول الرومية الهاربة، وقابل في طريقه إلى حمص مجموعة أخرى من الروم في ثنية العقاب، فحاربهم وانتصر عليهم انتصارًا سريعاً.

ثم انطلق باتجاه حمص (نحو 225 كلم)، وهناك وجد أهل حمص – كذلك - يخرجون إليه، يؤكدون أنهم على العهد، لرضاهم بالجيش الإسلامي، فقبل منهم خالد، وأخذ منهم الجزية، وبقي في حمص في انتظار الأوامر من أبي عبيدة.

وبعد أن عرف أبو عبيدة بوصول خالد إلى حمص ترك فرقة في اليرموك على رأسها بشير بن كعب، وتوجه إلى دمشق، وأرسل من هناك رسالة لعمر بن الخطاب، يبشره فيها بالفتح والنصر، ومعها خمس الغنائم، فقال في رسالته:

"لعبد الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، من أبي عبيدة بن الجراح، سلامٌ عليك، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فالحمد لله الذي أهلك المشركين، ونصر المسلمين، وقديماً ما تولَّى اللهُ أمرهم، وأظهر نصرهم، وأَعَزَّ دعوتهم، فتبارك الله رب العالمين، أُخبرُ أمير المؤمنين أنا لاقينا الروم في جموع لم تلق العرب مثلها قَطُّ، فأتوا وقد علموا أنه لا غالب لهم اليوم من الناس أحد، فقاتلوا المسلمين قتالاً شديدًا ما قُوتل المسلمون مثله في موطن قط، ورزق الله المسلمين الصبر، وأنزل عليهم النصر، فقتلهم الله في كل قرية، وكل شعب، وكل واد، وكل جبل، وسهل، وغنم المسلمون عسكرهم، وما كان فيه من أموالهم، ومتاعهم، ثم إني اتبعتهم بالمسلمين حتى أني بلغت أقاصي بلاد الشام حمص، وقد بعثت إلى أهل الشام عمالي، وقد بعثت إلى أهل إيلياء أدعوهم إلى الإسلام فإن قبلوا وإلا فليؤدوا إلينا الجزية عن يَدٍ وهم صاغرون، فإن أبوا سرت إليهم حتى أنزل بهم، ثم لا أزايلهم حتى يفتح الله على المسلمين إن شاء الله، والسلام عليكم".

ولما وصلت الرسالة إلى عمر بن الخطاب فرح بها، ولم تنم المدينة ليلتها، بل باتوا فرحين يهنئ بعضهم بعضاً بالنصر، ثم أرسل عمر رده إلى أبي عبيدة، يقول له: "من عبد الله أمير المؤمنين إلى أبي عبيدة بن الجراح، سلامٌ عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فقد أتاني كتابك وفهمت ما ذكرت فيه من إهلاك الله للمشركين، ونصره للمؤمنين وما صنع لأوليائه وأهل طاعته، فأحمد الله على حسن صنيعه إلينا، واستتم الله ذلك بشكره، ثم اعلموا أنكم لم تظهروا على عدوكم بعدد ولا عدة ولا حول ولا قوة، ولكنه بعون الله ونصره، ومنه وفضله، فلله المنُّ والطَّوْل، والفضل العظيم، والسلام عليكم".

فهذه رسالة عمر بن الخطاب في وقتٍ غدا هو فيه رئيس أعظم دولة في العالم آنذاك، ومع ذلك نلمح في خطابه التواضع، ونسبة الفضل كله لله، وأن النصر كله من عند الله، وأنهم جند الله، ليس لهم من الأمر شيء.

الخلاصة

موقعة اليرموك هي الباب الذي دخل منه المسلمون ساحة الروم فاتحين، وهي الانطلاقة الكبرى للإسلام نحو الغرب..

في هذه المعركة اعتصم المسلمون بحبل الله، والروم لا عاصم لهم من أمر الله.. في هذه المعركة أثبت المسلمون أن التوحيد والتوحد هما سر نجاحهم وفوزهم.

ومن هذه المعركة ندرك أنه كلما زاد المسلم قوة وتمكناً زاد قرباً من الله وخشوعاً له وتمسكاً به وتوكلاً عليه ولجوءاً إليه.

ومن هذه المعركة ندرك أن تحقيق النصر يبدأ من داخل النفس بتوفير أسباب القوة الإيمانية ثم تطبيق ذلك على أرض الواقع.

وكما يقول الشيخ محمد إبراهيم الحمد فإن النصر في تلك المعركة تحقق بوجود رجال يتميزون بالعفة والسمو والتضحية، وتحمّل الشدائد، والخضوع لله، والاستعلاء على كل ما سواه.. ولأن الثبات لا يتحقق بنفوس المنهزمين، الذين تغلبهم شهواتُهم، وتستحوذُ عليهم شياطينُهم.. وتشغلهم الدنيا عن دين الله.


المصادر

- (تاريخ الأمم والرسل والملوك)، محمد بن جرير الطبري.

- (موقعة اليرموك.. دراسة تحليلية)، د. محمد السيد الوكيل - مجلة الجامعة الإسلامية - العدد 49.

- (قصة الحضارة)،ول ديورانت.

- موقع (قصة الإسلام).

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 37.23 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 36.60 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.69%)]