عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 23-12-2021, 07:06 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,005
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
سُورَةُ الْبَقَرَةِ
الحلقة (29)

صــ157 إلى صــ 162


سَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَانَ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ ، قَالَهُ الْبَرَاءُ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ ، وَقَتَادَةُ . وَذَكَرَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ هَذِهِ الْآَيَةَ مُقَدِّمَةٌ فِي النُّزُولِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ وَاخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ اخْتِيَارِ النَّبِيِّ الْكَعْبَةَ عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ عَلَى قَوْلَيْنِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا كَانَتْ قِبْلَةَ إِبْرَاهِيمَ ، رَوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: لِمُخَالَفَةِ الْيَهُودِ ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ . وَمَعْنَى تَقَلُّبَ وَجْهِهِ: نَظَرُهُ إِلَيْهَا يَمِينًا وَشِمَالًا . و "فِي" بِمَعْنَى: "إِلَى" وَ "تَرْضَاهَا" بِمَعْنَى: تُحِبُّهَا وَ "الشَّطْرُ": النَّحْوُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ . قَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَتَى النَّاسَ [ ص: 157 ] آَتٍ وَهُمْ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ بِقِبَاءٍ ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآَنٌ ، وَأُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ ، أَلَا فَاسْتَقْبَلُوهَا [وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ ] فَاسْتَدَارُوا وَهُمْ فِي صَلَاتِهِمْ .

فَصْلٌ

اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيُّ: وَقْتٍ حُوِّلَتِ الْقِبْلَةَ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهَا حُوِّلَتْ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِلنِّصْفِ مِنْ رَجَبٍ عَلَى رَأْسِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ الْمَدِينَةَ ، قَالَهُ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ، وَمَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ . وَالثَّانِي: أَنَّهَا حُوِّلَتْ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لِلنِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ ، قَالَهُ قَتَادَةُ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا حُوِّلَتْ فِي جُمَادَى الْآَخِرَةَ ، حَكَاهُ ابْنُ سَلَامَةَ الْمُفَسِّرُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ .

وَفِي الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: الْيَهُودُ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ . وَالثَّانِي: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ، قَالَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ يُشِيرُ إِلَى مَا أَمَرَ بِهِ مِنَ التَّوَجُّهِ إِلَى الْكَعْبَةِ ، ثُمَّ تَوَعَّدَهُمْ بِبَاقِي الْآَيَةِ عَلَى كِتْمَانِهِمْ مَا عَلِمُوا . وَمِنْ أَيْنَ عَلِمُوا أَنَّهُ الْحَقُّ؟ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّ فِي كِتَابِهِمُ الْأَمْرُ بِالتَّوَجُّهِ إِلَيْهَا ، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ . وَالثَّانِي: يَعْلَمُونَ أَنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ قِبْلَةُ إِبْرَاهِيمَ . وَالثَّالِثُ: أَنَّ فِي كِتَابِهِمْ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولٌ صَادِقٌ ، فَلَا يَأْمُرُ إِلَّا بِحَقٍّ . وَالرَّابِعُ: أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ جَوَازَ النَّسْخِ .
وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ [ ص: 158 ] قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ .

سَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّ يَهُودَ الْمَدِينَةِ وَنَصَارَى نَجْرَانَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ: ائْتِنَا بِآَيَةٍ كَمَا أَتَى الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَكَ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ يُرِيدُ: الْكَعْبَةَ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ لِأَنَّ الْيَهُودَ يُصَلُّونَ قِبَلَ الْمَغْرِبِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَالنَّصَارَى قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ فَصَلَّيْتَ إِلَى قِبْلَتِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ قَالَ مُقَاتِلٌ: يُرِيدُ بِالْعِلْمِ: الْبَيَانَ .
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ فِي هَاءِ "يَعْرِفُونَهُ" قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَعُودُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: تَعُودُ عَلَى صَرْفِهِ إِلَى الْكَعْبَةِ ، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ ، وَقَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَمُقَاتِلٌ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا . وَفِي الْحَقِّ الَّذِي كَتَمُوهُ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ التَّوَجُّهُ إِلَى الْكَعْبَةِ ، قَالَهُ السُّدِّيُّ ، وَمُقَاتِلٌ فِي آَخَرِينَ .

وَفِي قَوْلِهِ: وَهُمْ يَعْلَمُونَ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ حَقٌّ . وَالثَّانِي: وَهُمْ يَعْلَمُونَ مَا عَلَى مُخَالِفِهِ مِنَ الْعِقَابِ .
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ .

قَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ: هَذَا الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ . وَالْمُمْتَرُونَ: الشَّاكُّونَ ، وَالْخِطَابُ عَامٌّ .
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ ص: 159 ] قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ

أَيْ: لِكُلِّ أَهْلٍ دِينٌ وَجِهَةٌ . الْمُرَادُ بِالْوِجْهَةِ: الْقِبْلَةُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي آَخَرِينَ . قَالَ الزَّجَّاجُ: يُقَالُ: جِهَةٌ ، وَوِجْهَةٌ . وَفِي "هُوَ" ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، فَالْمَعْنَى: اللَّهُ مُوَلِّيهَا إِيَّاهُمْ ، أَيْ: أَمَرَهُمْ بِالتَّوَجُّهِ إِلَيْهَا . وَالثَّانِي: تَرْجِعُ إِلَى الْمُتَوَلَّى ، فَالْمَعْنَى: هُوَ مُوَلِّيهَا نَفْسَهُ ، فَيَكُونُ "هُوَ" ضَمِيرُ كُلٍّ . وَالثَّالِثُ: يَرْجِعُ إِلَى الْبَيْتِ ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ: أَمَرَ كُلَّ قَوْمٍ أَنْ يَصِلُوا إِلَى الْكَعْبَةِ . وَالْجُمْهُورُ يَقْرَؤُونَ: (مُوَلِّيهَا) وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ ، وَالْوَلِيدُ عَنْ يَعْقُوبَ: "هُوَ مَوْلَاهَا" بِأَلِفٍ بَعْدَ اللَّامِ ، فَضَمِيرُ "هُوَ" لِكُلِّ ، وَمَعْنَى الْقِرَاءَتَيْنِ مُتَقَارِبٌ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْ: بَادَرُوهَا . وَقَالَ قَتَادَةُ: لَا تَغْلِبُوا عَلَى قِبْلَتِكُمْ ، أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: هَذَا فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ . فَأَمَّا إِعَادَةُ قَوْلِهِ:
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَإِنَّهُ تَكْرِيرُ تَأْكِيدٍ ، لِيَحْسِمَ طَمَعَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي رُجُوعِ الْمُسْلِمِينَ أَبَدًا إِلَى قِبْلَتِهِمْ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ فِي النَّاسِ قَوْلَانِ ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ ، وَقَتَادَةُ ، وَمُقَاتِلٌ ، . وَالثَّانِي: مُشْرِكُوا الْعَرَبِ ، رَوَاهُ السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ . فَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ; قَالَ: احْتِجَاجُ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُمْ قَالُوا لِلنَّبِيِّ: مَا لَكَ تَرَكْتَ قِبْلَةَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ؟! إِنْ كَانَتْ ضَلَالَةً; فَقَدْ دِنْتَ بِهَا اللَّهَ ، وَإِنْ كَانَتْ هُدًى; فَقَدْ نَقَلْتَ عَنْهَا . وَقَالَ قَتَادَةُ: قَالُوا اشْتَاقَ الرَّجُلُ إِلَى بَيْتِ أَبِيهِ وَدِينِ قَوْمِهِ . وَمَنْ قَالَ بِالثَّانِي; قَالَ: احْتِجَاجُ الْمُشْرِكِينَ [ ص: 160 ] أَنَّهُمْ قَالُوا: قَدْ رَجَعَ إِلَى قِبْلَتِكُمْ ، وَيُوشِكُ أَنْ يَعُودَ إِلَى دِينِكُمْ .

وَتَسْمِيَةُ بَاطِلِهِمْ حُجَّةٌ عَلَى وَجْهِ الْحِكَايَةِ عَنِ الْمُحْتَجِّ بِهِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ [ الشُّورَى: 16 ] . وَقَوْلُهُ: فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ [ غَافِرِ: 83 ] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَاهُ: إِلَّا مَنْ ظَلَمَ بِاحْتِجَاجِهِ فِيمَا قَدْ وُضَحَ لَهُ ، كَمَا تَقُولُ: مَا لَكَ عَلِيَّ حُجَّةٌ إِلَّا الظُّلْمُ ، أَيْ: إِلَّا أَنْ تَظْلِمَنِي . أَيْ: مَا لَكَ عَلِيَّ الْبَتَّةَ ، وَلَكِنَّكَ تَظْلِمُنِي . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (فَلا تَخْشَوْهُمْ) فِي انْصِرَافِكُمْ إِلَى الْكَعْبَةِ (وَاخْشَوْنِي) فِي تَرْكِهَا .
كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمُ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ قَالَ الزَّجَّاجُ: "كَمَا" لَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ جَوَابًا لِمَا قَبْلَهَا ، وَالْأَجْوَدُ أَنْ تَكُونَ مُعَلَّقَةً بِقَوْلِهِ: (فَاذْكُرُونِي) وَقَدْ رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ عَلَيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، مُقَاتِلٍ . وَالْآَيَةُ خِطَابٌ لِمُشْرِكِي الْعَرَبِ . وَفِي قَوْلِهِ: (وَيُزَكِّيهِمْ) ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ، قَدْ سَبَقَ ذِكْرُهَا فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ . وَالْكِتَابُ: الْقُرْآَنُ . وَالْحِكْمَةُ: السُّنَّةُ .
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَاذْكُرُونِي) .

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ جُبَيْرٍ: اذْكُرُونِي بِطَاعَتِي أَذْكُرْكُمْ بِمَغْفِرَتِي . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ: كَمَا أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ بِالرِّسَالَةِ ، فَاذْكُرُونِي بِتَوْحِيدِي وَتَصْدِيقِ نَبِيِّي . قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ جَوَابُ: (كَمَا أَرْسَلْنَا): (فَاذْكُرُونِي)؟ فَإِنَّ قَوْلَهُ: (فَاذْكُرُونِي) أَمْرٌ . وَقَوْلُهُ: (أَذْكُرْكُمْ) جَزَاؤُهُ; فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْمَعْنَى: إِنْ تَذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاشْكُرُوا لِي الشُّكْرُ: الِاعْتِرَافُ بِحَقِّ الْمُنْعِمِ ، مَعَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ .
[ ص: 161 ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ .

سَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا: سَيَرْجِعُ مُحَمَّدٌ إِلَى دِينِنَا ، كَمَا رَجَعَ إِلَى قِبْلَتِنَا ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، قَالَهُ قَتَادَةُ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اسْتَعِينُوا عَلَى طَلَبِ الْآَخِرَةِ بِالصَّبْرِ عَلَى أَدَاءِ الْفَرَائِضِ ، بِالصَّلَاةِ ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِي الصَّبْرِ ، وَبَيَانِ الِاسْتِعَانَةِ بِهِ وَبِالصَّلَاةِ .
وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ) .

سَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ لِقَتْلَى بَدْرٍ وَأُحُدٍ: مَاتَ فُلَانٌ بِبَدْرٍ ، مَاتَ فُلَانٌ بِأُحُدٍ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَرَفَعَ الْأَمْوَاتَ بِإِضْمَارِ مُكَنَّى مِنْ أَسْمَائِهِمْ ، أَيْ: لَا تَقُولُوا: هُمْ أَمْوَاتٌ ، ذَكَرَ نَحْوَهُ الْفَرَّاءُ . فَإِنْ قِيلَ: فَنَحْنُ نَرَاهُمْ مَوْتَى ، فَمَا وَجْهُ النَّهْيِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَعْنَى: لَا تَقُولُوا: هُمْ أَمْوَاتٌ لَا تَصِلُ أَرْوَاحَهُمْ إِلَى الْجَنَّاتِ ، وَلَا تَنَالُ مِنْ تُحَفِ اللَّهِ مَا لَا يَنَالُهُ الْأَحْيَاءُ بَلْ هُمْ أَحْيَاءٌ ، أَرْوَاحُهُمْ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ ، فَهُمْ أَحْيَاءٌ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ ، وَإِنْ كَانُوا أَمْوَاتًا مِنْ جِهَةِ خُرُوجِ الْأَرْوَاحِ ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ . فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ جَمِيعُ الْمُؤْمِنِينَ مُنَعَّمِينَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ؟ فَلِمَ خَصَصْتُمُ الشُّهَدَاءَ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ الشُّهَدَاءَ فُضِّلُوا عَلَى غَيْرِهِمْ بِأَنَّهُمْ مُرْزَقُونَ مِنْ مَطَاعِمِ الْجَنَّةِ وَمَآَكِلِهَا ، وَغَيْرُهُمْ مُنَعَّمٌ بِمَا دُونَ ذَلِكَ ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ .
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [ ص: 162 ] قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ .

قَالَ الْفَرَّاءُ: "مَنْ" تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ صِنْفٍ مِنْهَا شَيْئًا مُضْمَرًا ، فَتَقْدِيرُهُ: بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ ، وَشَيْءٍ مِنَ الْجُوعِ ، وَشَيْءٍ مِنْ نَقْصِ الْأَمْوَالِ .

وَفِيمَنْ أُرِيدَ فِي هَذِهِ الْآَيَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ خَاصَّةً ، قَالَهُ عَطَاءٌ . وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ . وَالثَّالِثُ: أَنَّ هَذَا يَكُونُ فِي آَخِرِ الزَّمَانِ . قَالَ كَعْبٌ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا تَحْمِلُ النَّخْلَةُ إِلَّا ثَمَرَةً . وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْآَيَةَ عَلَى عُمُومِهَا .

فَأَمَّا الْخَوْفُ; فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهُوَ الْفَزَعُ فِي الْقِتَالِ . وَالْجُوعُ: الْمَجَاعَةُ الَّتِي أَصَابَتْ أَهْلَ مَكَّةَ سَبْعَ سِنِينَ . وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ: ذَهَابُ أَمْوَالِهِمْ ، وَالْأَنْفُسِ بِالْمَوْتِ وَالْقَتْلِ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ ، وَالثَّمَرَاتُ لَمْ تُخْرُجْ كَمَا كَانَتْ تَخْرُجُ . وَحَكَى أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ الْخَوْفَ فِي الْجِهَادِ ، وَالْجُوعِ فِي فَرْضِ الصَّوْمِ ، وَنَقْصِ الْأَمْوَالِ: مَا فُرِضَ فِيهَا مِنَ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَالْأَنْفُسِ: مَا يُسْتَشْهَدُ مِنْهَا فِي الْقِتَالِ ، وَالثَّمَرَاتُ: مَا فُرِضَ فِيهَا مِنَ الصَّدَقَاتِ . (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) عَلَى هَذِهِ الْبَلَاوِي بِالْجَنَّةِ .

وَاعْلَمْ أَنَّهُ إِنَّمَا أَخْبَرَهُمْ بِمَا سَيُصِيبُهُمْ ، لِيُوَطِّنُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى الصَّبْرِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَبْعَدَ بِهِمْ مِنَ الْجَزَعِ . (قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ) يُرِيدُونَ: نَحْنُ عَبِيدُهُ يَفْعَلُ بِنَا مَا يَشَاءُ (وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) يُرِيدُونَ: نَحْنُ مُقِرُّونَ بِالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ عَلَى أَعْمَالِنَا ، وَالثَّوَابِ عَلَى صَبْرِنَا . قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : لَقَدْ أُعْطِيَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ شَيْئًا لَمْ يُعْطَهُ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُمْ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَلَوْ أُعْطِيهَا الْأَنْبِيَاءُ لَأُعْطِيهَا يَعْقُوبُ ، أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ: (يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ) قَالَ الْفَرَّاءُ: وَلِلْعَرَبِ فِي الْمُصِيبَةِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ: مُصِيبَةٌ ، وَمُصَابَةٌ ، وَمُصْوِبَةٌ ، زَعَمَ الْكِسَائِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَعْرَابِيًّا يَقُولُ: جَبَرَ اللَّهُ مُصْوِبَتَكَ .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 33.46 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 32.83 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.88%)]