
23-12-2021, 07:05 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,474
الدولة :
|
|
رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
سُورَةُ الْبَقَرَةِ
الحلقة (27)
صــ145 إلى صــ 150
رَوَى أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ تَحُجُّ إِلَى الْبَيْتِ قَبْلَ آَدَمَ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا أُهْبِطَ آَدَمُ; قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا آَدَمُ اذْهَبْ فَابْنِ لِي بَيْتًا فَطُفْ بِهِ ، وَاذْكُرْنِي حَوْلَهُ كَمَا رَأَيْتَ مَلَائِكَتِي تَصْنَعُ حَوْلَ عَرْشِي . فَأَقْبَلَ يَسْعَى حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ ، وَبَنَاهُ مِنْ خَمْسَةِ أَجُبِلٍ: مِنْ لِبْنَانَ ، وَطُورِ سَيْنَاءَ ، وَطُورِ زِيتَا ، وَالْجُودِيِّ ، وَحِرَاءَ ، فَكَانَ آَدَمُ أَوَّلَ مَنْ أَسَّسَ الْبَيْتَ ، وَطَافَ بِهِ ، وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ الطُّوفَانَ ، فَدَرَسَ مَوْضِعَ الْبَيْتِ ، فَبَعَثَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ . وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ بِبِنَاءِ الْبَيْتِ; ضَاقَ بِهِ ذَرْعًا ، وَلَمْ يَدْرِ كَيْفَ يَصْنَعُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ كَهَيْئَةِ السَّحَابَةِ ، فِيهَا رَأْسٌ يَتَكَلَّمُ ، فَقَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ عَلِّمْ عَلَى ظِلِّي ، فَلَمَّا عَلَّمَ ارْتَفَعَتْ . وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ كَانَ يَبْنِي عَلَيْهَا كُلَّ يَوْمٍ ، قَالَ: وَحَفَرَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ تَحْتِ السِّكِّينَةِ ، فَأَبْدَى عَنْ قَوَاعِدَ ، مَا تُحَرِّكُ الْقَاعِدَةَ مِنْهَا دُونَ ثَلَاثِينَ رَجُلًا . فَلَمَّا بَلَغَ مَوْضِعَ الْحَجَرِ ، قَالَ لِإِسْمَاعِيلَ: [ ص: 145 ] الْتَمِسْ لِي حَجَرًا ، فَذَهَبَ يَطْلُبُ حَجَرًا ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ ، فَوَضَعَهُ ، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ ، قَالَ: مَنْ جَاءَكَ بِهَذَا الْحَجَرِ؟ قَالَ: جَاءَ بِهِ مَنْ لَمْ يَتَّكِلْ عَلَى بِنَائِي وَبِنَائِكَ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ: رَفَعَا الْقَوَاعِدَ الَّتِي كَانَتْ قَوَاعِدَ قَبْلَ ذَلِكَ . وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَمَّا أَمَرَهُ اللَّهُ بِبِنَاءِ الْبَيْتِ; لَمْ يَدْرِ أَيْنَ يَبْنِي ، فَبَعَثَ اللَّهُ لَهُ رِيحًا ، فَكَنَسَتْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ عَنِ الْأَسَاسِ الْأَوَّلِ الَّذِي كَانَ الْبَيْتُ عَلَيْهِ قَبْلَ الطُّوفَانِ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ قَالَ الزَّجَّاجُ: الْمُسْلِمُ فِي اللُّغَةِ: الَّذِي قَدِ اسْتَسْلَمَ لِأَمْرِ اللَّهِ ، وَخَضَعَ . وَالْمَنَاسِكُ: الْمُتَعَبِّدَاتُ . فَكُلُّ مُتَعَبَّدٍ مَنْسَكٌ وَمَنْسِكٌ ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْعَابِدِ: نَاسِكٌ . وَتُسَمَّى الذَّبِيحَةُ الْمُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ: النَّسِيكَةُ . وَكَأَنَّ الْأَصْلَ فِي النُّسُكِ إِنَّمَا هُوَ مِنَ الذَّبِيحَةِ لِلَّهِ تَعَالَى .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا أَيْ: مَذَابِحُنَا . قَالَهُ مُجَاهِدٌ . وَقَالَ غَيْرُهُ: هِيَ جَمِيعُ أَفْعَالِ الْحَجِّ . وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: (وَأَرِنَا) بِجَزْمِ الرَّاءِ . وَ رَبِّ أَرِنِي [ الْأَعْرَافِ: 143 ] . وَ أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلانَا [ فُصِّلَتْ: 29 ] . وَقَرَأَ نَافِعٌ ، وَحَمْزَةُ ، وَالْكِسَائِيُّ (أَرِنَا) بِكَسْرِ الرَّاءِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ . وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ وَابْنِ عَامِرٍ كَذَلِكَ ، إِلَّا أَنَّهُمَا أَسْكَنَا الرَّاءَ مِنْ (أَرِنَا اللَّذَيْنِ) وَحْدَهَا . قَالَ الْفَرَّاءُ: أَهْلُ الْحِجَازِ يَقُولُونَ: (أَرِنَا) وَكَثِيرٌ مِنَ الْعَرَبِ يَجْزِمُ الرَّاءَ ، فَيَقُولُ: (أَرْنَا مَنَاسِكَنَا) وَقَرَأَ بِهَا بَعْضُ الثِّقَاتِ . وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ:
قَالَتْ سُلَيْمَى اشْتَرِ لَنَا دَقِيقًا وَاشْتَرِ فَعَجِّلْ خَادِمًا لَبِيقًا
وَأَنْشَدَنِي الْكِسَائِيُّ:
وَمَنْ يَتَّقِ فَإِنَّ اللَّهَ مَعَهُ وَرِزْقُ اللَّهِ مُؤْتَابٌ وَغَادِي
قَالَ قَتَادَةُ: أَرَاهُمَا اللَّهُ مَنَاسِكَهُمَا: الْمَوْقِفُ بِعَرَفَاتٍ ، وَالْإِفَاضَةُ مِنْ جَمْعٍ ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ ، وَالطَّوَافُ ، وَالسَّعْيُ . وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ مِنَ الْبَيْتِ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ، فَأَرَاهُ الطَّوَافَ ، [ ص: 146 ] ثُمَّ أَتَى بِهِ جَمْرَةُ الْعَقَبَةَ ، فَعَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ ، فَأَخَذَ جِبْرِيلُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ ، وَأَعْطَى إِبْرَاهِيمُ سَبْعًا ، وَقَالَ لَهُ: ارْمِ وَكَبِّرْ ، فَرَمَيَا وَكَبَّرَا مَعَ كُلِّ رَمْيَةٍ حَتَّى غَابَ الشَّيْطَانُ . ثُمَّ أَتَى بِهِ جَمْرَةَ الْوُسْطَى ، فَعَرَضَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ ، فَأَخَذَ جِبْرِيلُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ ، وَأَعْطَى إِبْرَاهِيمَ سَبْعَ حَصَيَاتٍ ، فَقَالَ: ارْمِ وَكَبِّرْ ، فَرَمَيَا وَكَبَّرَا مَعَ كُلِّ رَمْيَةٍ حَتَّى غَابَ الشَّيْطَانُ . ثُمَّ أَتَى بِهِ الْجَمْرَةَ الْقُصْوَى ، فَعَرَضَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ ، فَأَخَذَ جِبْرِيلُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ ، وَأَعْطَى إِبْرَاهِيمَ سَبْعَ حَصَيَاتٍ . فَقَالَ لَهُ: ارْمِ وَكَبِّرْ ، فَرَمَيَا وَكَبَّرَا مَعَ كُلِّ رَمْيَةٍ حَتَّى غَابَ الشَّيْطَانُ ، ثُمَّ أَتَى بِهِ مِنَى ، فَقَالَ: هَاهُنَا يَحْلِقُ النَّاسُ رُؤُوسَهُمْ ، ثُمَّ أَتَى بِهِ جَمْعًا ، فَقَالَ: هَاهُنَا يُجْمَعُ النَّاسُ ، ثُمَّ أَتَى بِهِ عَرَفَةَ ، فَقَالَ: أَعَرَفْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ . قَالَ: فَمِنْ ثَمَّ سُمِّيَتْ عَرَفَاتٍ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ فِي الْهَاءِ وَالْمِيمِ مِنْ (فِيهِمْ) قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَعُودُ عَلَى الذُّرِّيَّةِ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ وَالْفَرَّاءُ . وَالثَّانِي: عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ فِي قَوْلِهِ: (وَارْزُقْ أَهْلَهُ) وَالْمُرَادُ بِالرَّسُولِ: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَدْ رَوَى أَبُو أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا كَانَ بَدْءُ أَمْرِكَ؟ قَالَ: "دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ ، وَبُشْرَى عِيسَى ، وَرَأَتْ أُمِّي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ" وَالْكِتَابُ: الْقُرْآَنُ . وَالْحِكْمَةُ: السُّنَّةُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَرُوِيَ عَنْهُ: الْحِكْمَةُ: الْفِقْهُ وَالْحَلَالُ وَالْحَرَامُ ، وَمَوَاعِظُ الْقُرْآَنِ . وَسُمِّيَتِ الْحِكْمَةُ حِكْمَةً ، لِأَنَّهَا تَمْنَعُ مِنَ الْجَهْلِ .
وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَيُزَكِّيهِمْ) ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّ مَعْنَاهُ: يَأْخُذُ الزَّكَاةَ مِنْهُمْ فَيُطَهِّرُهُمْ بِهَا ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْفَرَّاءُ . وَالثَّانِي: يُطَهِّرُهُمْ مِنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ . وَالثَّالِثُ: يَدْعُوهُمْ إِلَى مَا يَصِيرُونَ بِهِ أَزْكِيَاءَ .
[ ص: 147 ] قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْعِزُّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ . أَحَدُهَا: بِمَعْنَى الْغَلَبَةِ ، يَقُولُونَ: مَنْ عَزَّ بَزَّ . أَيْ: مَنْ غَلَبَ سَلَبَ . يُقَالُ مِنْهُ: عَزَّ يَعُزُّ ، بِضَمِّ الْعَيْنِ مَنْ يَعُزُّ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ [ ص: 28 ] . وَالثَّانِي: بِمَعْنَى الشِّدَّةِ وَالْقُوَّةِ ، يُقَالُ مِنْهُ: عَزَّ يَعَزُّ ، بِفَتْحِ الْعَيْنِ مَنْ يَعَزُّ . وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى نَفَّاسَةِ الْقِدْرِ ، يُقَالُ مِنْهُ: عَزَّ يَعِزُّ بِكَسْرِ الْعَيْنِ ، مَنْ يَعِزُّ . وَيَتَنَاوَلُ مَعْنَى الْعَزِيزِ عَلَى أَنَّهُ الَّذِي لَا يُعَادِلُهُ شَيْءٌ ، وَلَا مِثْلَ لَهُ .
وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ
سَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ دَعَا ابْنَيْ أَخِيهِ مُهَاجِرًا وَسَلَمَةَ إِلَى الْإِسْلَامِ ، فَأَسْلَمَ سَلَمَةُ ، وَرَغِبَ عَنِ الْإِسْلَامِ مُهَاجِرٌ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ . قَالَ الزَّجَّاجُ: وَ "مِنْ" لَفْظِهَا لَفْظُ الِاسْتِفْهَامِ ، وَمَعْنَاهَا التَّقْرِيرُ وَالتَّوْبِيخُ . وَالْمَعْنَى: مَا يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مِنْ سَفِهَ نَفْسَهُ . وَيُقَالُ: رَغِبْتُ فِي الشَّيْءِ: إِذَا أَرَدْتُهُ . وَرَغِبْتُ عَنْهُ: إِذَا تَرَكْتُهُ . وَمِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ: دِينُهُ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّ مَعْنَاهُ: إِلَّا مِنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ، قَالَهُ الْأَخْفَشُ وَيُونُسُ . قَالَ يُونُسَ: وَلِذَلِكَ تَعَدَّى إِلَى النَّفْسِ فَنَصَبَهَا ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: نُصِبَتِ النَّفْسُ لِإِسْقَاطِ حَرْفِ الْجَرِّ ، لِأَنَّ الْمَعْنَى: إِلَّا مَنْ سَفِهَ فِي نَفْسِهِ .
[ ص: 148 ] قَالَ الشَّاعِرُ:
نُغَالِي اللَّحْمَ لِلْأَضْيَافِ نِيئًا وَنُرَخِّصُهُ إِذَا نَضِجَ الْقُدُورَ
وَالثَّانِي: إِلَّا مَنْ أَهْلَكَ نَفْسَهُ ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ . وَالثَّالِثُ: إِلَّا مَنْ سَفِهَتْ نَفْسُهُ ، كَمَا يُقَالُ: غَبَنَ فُلَانٌ رَأْيَهُ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْفَرَّاءِ وَابْنِ قُتَيْبَةَ . قَالَ الْفَرَّاءُ: نَقَلَ الْفِعْلَ عَنِ النَّفْسِ إِلَى ضَمِيرِ "مَنْ" وَنُصِبَتِ النَّفْسُ عَلَى التَّشْبِيهِ بِالتَّفْسِيرِ ، كَمَا يُقَالُ: ضِقْتُ بِالْأَمْرِ ذَرْعًا ، يُرِيدُونَ: ضَاقَ ذَرْعِي بِهِ ، وَمِثْلُهُ: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا [ مَرْيَمَ: 4 ] . وَالرَّابِعُ: إِلَّا مَنْ جَهِلَ نَفْسَهُ ، فَلَمْ يُفَكِّرْ فِيهَا ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الزَّجَّاجِ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: لَمِنَ الصَّالِحِي الْحَالِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى . وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الصَّالِحُ فِي الْآَخِرَةِ: الْفَائِزُ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ وَذَلِكَ حِينَ وُقُوعِ الِاصْطِفَاءِ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا رَأَى الْكَوْكَبَ وَالْقَمَرَ وَالشَّمْسَ ، قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ، أَيْ: أَخْلِصْ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَوَصَّى) قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ: (وَأَوْصَى) بِأَلِفٍ ، مَعَ تَخْفِيفِ الصَّادِ ، وَالْبَاقُونَ بِغَيْرِ أَلِفٍ مُشَدَّدَةِ الصَّادِ ، وَهَذَا لِاخْتِلَافِ الْمَصَاحِفِ . أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ قُشَيْشٍ ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ حَيُّويَهْ ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ ، قَالَ: أَخْبَرْنَا ثَعْلَبٌ ، قَالَ: أَمْلَى عَلَيَّ خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ الْبَزَّارُ قَالَ: اخْتَلَفَ مُصْحَفَا أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ فِي اثْنَيْ عَشَرَ حَرْفًا: كَتَبَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: (وَأَوْصَى) وَأَهْلُ الْعِرَاقِ: (وَوَصَّى) وَكَتَبَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: سَارَعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [ آَلِ عِمْرَانَ: 133 ] . بِغَيْرِ وَاوٍ ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ: (وَسَارَعُوا) وَكَتَبَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا [ الْمَائِدَةِ: 56 ] . وَأَهْلُ الْعِرَاقِ: (وَيَقُولُ) وَكَتَبَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: مِنْ يَرْتَدِدْ [ الْمَائِدَةِ: 57 ] . وَأَهْلُ الْعِرَاقِ: (مَنْ يَرْتَدُّ) وَكَتَبَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا [ التَّوْبَةِ: 108 ] . وَأَهْلُ الْعِرَاقِ: (وَالَّذِينَ) وَكَتَبَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: خَيْرًا مِنْهُمَا مُنْقَلِبًا [ الْكَهْفِ: 37 ] . وَأَهْلُ [ ص: 149 ] الْعِرَاقِ (مِنْهَا) وَكَتَبَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: فَتَوَكُّل عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ [ الشُّعَرَاءِ: 217 ] . وَأَهْلُ الْعِرَاقِ: (وَتَوَكَّلْ) وَكَتَبَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: وَأَنْ يَظْهَرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادُ [ الْمُؤْمِنِ: 26 ] . وَأَهْلُ الْعِرَاقِ: (أَوْ أَنْ يُظْهِرَ) وَكَتَبَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فِي "حم عسق": (بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) بِغَيْرِ فَاءٍ ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ: (فَبِمَا) وَكَتَبَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مَا تَشْتَهِيه الْأَنْف [ الزُّخْرُفِ: 71 ] . بِالْهَاءِ . وَأَهْلُ الْعِرَاقِ: (مَا تَشْتَهِي) وَكَتَبَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: فَإِنَّ اللَّهَ الْغَنِيَّ الْحَمِيدَ [ الْحَدِيدِ: 26 ] وَأَهْلُ الْعِرَاقِ: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) وَكَتَبَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: فُلًّا يَخَافُ عُقْبَاهَا [ الشَّمْسِ: 15 ] . وَأَهْلُ الْعِرَاقِ: (وَلَا يَخَافُ) .
وَوَصَّى أَبْلَغُ مَنْ أَوْصَى ، لِأَنَّهَا تَكُونُ لِمَرَّاتٍ كَثِيرَةٍ ، وَهَاءُ "بِهَا" تَعُودُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ . قَالَهُ عِكْرِمَةُ وَالزَّجَّاجُ . قَالَ مُقَاتِلٌ: وَبَنُوهُ أَرْبَعَةٌ: إِسْمَاعِيلُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَمَدِينُ ، وَمَدَائِنُ . وَذَكَرَ غَيْرُ مُقَاتِلٍ أَنَّهُمْ ثَمَانِيَةٌ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ يُرِيدُ: الْزَمُوا الْإِسْلَامَ ، فَإِذَا أَدْرَكَكُمُ الْمَوْتُ صَادَفَكُمْ عَلَيْهِ .
أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ
سَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ يَعْقُوبَ أَوْصَى بَنِيهِ يَوْمَ مَاتَ بِالْيَهُودِيَّةِ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ أَيْ: مَضَتْ ، يُشِيرُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَبَنِيهِ ، وَيَعْقُوبُ وَبَنِيهِ .
وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ [ ص: 150 ] وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَالُوا كُونُوا هُودًا .
مَعْنَاهُ: قَالَتِ الْيَهُودَ: كُونُوا هُودًا ، وَقَالَتِ النَّصَارَى: كُونُوا نَصَارَى ، تَهْتَدُوا .
بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا الْمَعْنَى: بَلْ نَتَّبِعُ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ فِي حَالِ حَنِيفِيَّتِهِ . وَفِي الْحَنِيفِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ الْمَائِلُ إِلَى الْعِبَادَةِ . قَالَ الزَّجَّاجُ: الْحَنِيفُ فِي اللُّغَةِ: الْمَائِلُ إِلَى الشَّيْءِ ، أُخِذَ مِنْ قَوْلِهِمْ: رَجُلٌ أَحْنَفٌ ، وَهُوَ الَّذِي تَمِيلُ قَدَمَاهُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إِلَى أُخْتِهَا بِأَصَابِعِهَا . قَالَتْ أُمُّ الْأَحْنَفِ تُرَقِّصُهُ:
وَاللَّهِ لَوْلَا حَنَفٌ بِرِجْلِهِ وَدِقَّةٌ فِي سَاقِهِ مِنْ هَزْلِهِ مَا كَانَ فِي فِتْيَانِكُمْ مِنْ مِثْلِهِ
وَالثَّانِي: أَنَّهُ الْمُسْتَقِيمُ ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْأَعْرَجِ: حَنِيفٌ نَظَرًا لَهُ إِلَى السَّلَامَةِ ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ . وَقَدْ وَصَفَ الْمُفَسِّرُونَ الْحَنِيفَ بِأَوْصَافٍ ، فَقَالَ عَطَاءٌ: هُوَ الْمُخْلِصُ ، وَقَالَ ابْنُ السَّائِبِ: هُوَ الَّذِي يَحُجُّ . وَقَالَ غَيْرُهُمَا: هُوَ الَّذِي يُوَحِّدُ وَيَحُجُّ ، وَيُضَحِّي وَيَخْتَتِنُ ، وَيَسْتَقْبِلُ الْكَعْبَةَ .
فَأَمَّا الْأَسْبَاطُ: فَهُمْ بَنَوْا يَعْقُوبَ ، وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا . قَالَ الزَّجَّاجُ: السِّبْطُ فِي اللُّغَةِ الْجَمَاعَةُ الَّذِينَ يَرْجِعُونَ إِلَى أَبٍ وَاحِدٍ . وَالسِّبْطُ فِي اللُّغَةِ: الشَّجَرَةُ لَهَا قَبَائِلُ ، فَالسِّبْطُ: الَّذِينَ هُمْ مِنْ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ .
فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنْ آمَنُوا يَعْنِي: أَهْلَ الْكِتَابِ .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|