عرض مشاركة واحدة
  #26  
قديم 23-12-2021, 07:04 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,261
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
سُورَةُ الْبَقَرَةِ
الحلقة (26)

صــ139 إلى صــ 144

وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنَ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى .

فِي سَبَبِ نُزُولِهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ .

أَحَدُهَا: أَنَّ يَهُودَ الْمَدِينَةِ وَنَصَارَى نَجْرَانَ كَانُوا يَرْجُونَ أَنْ يُصَلِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قِبْلَتِهِمْ ، فَلَمَّا صُرِفَ إِلَى الْكَعْبَةِ يَئِسُوا مِنْهُ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ دَعَوْهُ إِلَى دِينِهِمْ ، فَنَزَلَتْ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْأَلُونَهُ الْهُدْنَةَ ، وَيُطْمِعُونَهُ فِي أَنَّهُ إِنْ هَادَنَهُمْ وَافَقُوهُ; فَنَزَلَتْ ، ذَكَرَ مَعْنَاهُ الزَّجَّاجُ .

قَالَ الزَّجَّاجُ: وَالْمِلَّةُ فِي اللُّغَةِ: السُّنَّةُ وَالطَّرِيقُهُ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَ(هُدَى اللَّهِ) هَاهُنَا: الْإِسْلَامُ . وَفِي الَّذِي جَاءَهُ مِنَ الْعِلْمِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُ التَّحَوُّلُ إِلَى الْكَعْبَةِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ الْبَيَانُ بِأَنَّ دِينَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ الْقُرْآَنُ . وَالرَّابِعُ: [ ص: 139 ] الْعِلْمُ بِضَلَالَةِ الْقَوْمِ . مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنَ وَلِيٍّ يَنْفَعُكَ وَلا نَصِيرٍ يَمْنَعُكَ مِنْ عُقُوبَتِهِ .
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ .

اخْتَلَفُوا فِيمَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ عَلَى قَوْلَيْنِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْيَهُودِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: فِي الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَهُ عِكْرِمَةُ ، وَقَتَادَةُ . وَفِي الْكِتَابِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ الْقُرْآَنُ ، قَالَهُ قَتَادَةُ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ التَّوْرَاةُ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أَيْ: يَعْمَلُونَ بِهِ حَقَّ عَمَلِهِ ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ فِي هَاءِ "بِهِ" قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَعُودُ عَلَى الْكِتَابِ . وَالثَّانِي: عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا بَعْدَ هَذَا قَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ إِلَى قَوْلِهِ: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ وَالِابْتِلَاءُ: الِاخْتِبَارُ . وَفِي إِبْرَاهِيمَ سِتُّ لُغَاتٍ . أَحَدُهَا: إِبْرَاهِيمُ ، وَهِيَ اللُّغَةُ الْفَاشِيَّةُ . وَالثَّانِيَةُ: إِبْرَاهُمْ . وَالثَّالِثَةُ: إِبْرَاهَمْ وَالرَّابِعَةُ: إِبْرَاهِمْ ، ذَكَرَهُنَّ الْفَرَّاءُ . وَالْخَامِسَةُ: إِبْرَاهَامُ . وَالسَّادِسَةُ: إِبَرَهَمُ . قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ:


عُذْتُ بِمَا عَاذَ بِهِ إِبَرَهَمُ مُسْتَقْبِلُ الْكَعْبَةِ وَهْوَ قَائِمٌ


وَقَالَ أَيْضًا:


نَحْنُ آَلُ اللَّهِ فِي كَعْبَتِهِ لَمْ يَزَلْ ذَاكَ عَلَى عَهْدِ إِبَرِهِيمَ


وَفِي الْكَلِمَاتِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ .

أَحَدُهَا: أَنَّهَا خَمْسٌ فِي الرَّأْسِ ، وَخَمْسٌ فِي الْجَسَدِ . أَمَّا الَّتِي فِي الرَّأْسِ; فَالْفَرْقُ ، وَالْمَضْمَضَةُ ، وَالِاسْتِنْشَاقُ ، وَقَصُّ الشَّارِبِ ، وَالسِّوَاكُ . وَفِي الْجَسَدِ: تَقْلِيمُ الْأَظَافِرِ ، وَحَلْقُ [ ص: 140 ] الْعَانَةِ ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ ، وَالِاسْتِطَابَةُ بِالْمَاءِ ، وَالْخِتَانُ ، رَوَاهُ طَاوُسُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .

وَالثَّانِي: أَنَّهَا عَشْرٌ ، سِتٌّ فِي الْإِنْسَانِ ، وَأَرْبَعٌ فِي الْمَشَاعِرِ . فَالَّتِي فِي الْإِنْسَانِ: حَلْقُ الْعَانَةِ ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ ، وَتَقْلِيمُ الْأَظَافِرِ ، وَقَصُّ الشَّارِبِ ، وَالسِّوَاكُ ، وَالْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ ، وَالْغَسْلُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ . وَالَّتِي فِي الْمَشَاعِرِ: الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ ، وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ ، وَالْإِفَاضَةُ . رَوَاهُ حَنَشُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .

وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا الْمَنَاسِكُ ، رَوَاهُ قَتَادَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .

وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ ابْتَلَاهُ بِالْكَوْكَبِ ، وَالشَّمْسِ ، وَالْقَمَرِ ، وَالْهِجْرَةِ ، وَالنَّارِ ، وَذَبْحِ وَلَدِهِ ، وَالْخِتَانِ ، قَالَهُ الْحَسَنُ .

وَالْخَامِسُ: أَنَّهَا كُلُّ مَسْأَلَةٍ فِي الْقُرْآَنِ ، مِثْلُ قَوْلِهِ: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا [ إِبْرَاهِيمَ: 35 ] . وَنَحْوَ ذَلِكَ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ فَمَنْ قَالَ: هِيَ أَفْعَالٌ فَعَلَهَا; قَالَ: مَعْنَى فَأَتَمَّهُنَّ: عَمِلَ بِهِنَّ . وَمَنْ قَالَ: هِيَ دَعَوَاتٌ وَمَسَائِلٌ; قَالَ: مَعْنَى فَأَتَمَّهُنَّ: أَجَابَهُ اللَّهُ إِلَيْهِنَّ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَرَأَ: (إِبْرَاهِيمُ) بِرَفْعِ الْمِيمِ (رَبَّهُ) بِنَصْبِ الْبَاءِ ، عَلَى مَعْنَى: اخْتَبَرَ رَبَّهُ هَلْ يَسْتَجِيبُ دُعَاءَهُ ، وَيَتَّخِذُهُ خَلِيلًا أَمْ لَا؟ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) فِي الذُّرِّيَّةِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا فِعْلِيَّةٌ مِنَ الذَّرِّ ، لِأَنَّ اللَّهَ أَخْرَجَ الْخَلْقَ مِنْ صُلْبِ آَدَمَ كَالذَّرِّ . وَالثَّانِي: أَنَّ أَصْلَهَا ذَرُّورَةٌ ، عَلَى وَزْنِ: فَعْلُولَةٌ ، وَلَكِنْ لَمَّا كَثُرَ التَّضْعِيفُ أُبْدِلَ مِنَ الرَّاءِ الْأَخِيرَةِ يَاءٌ ، فَصَارَتْ: ذُرْوِيَّةً ، ثُمَّ أُدْغِمَتِ الْوَاوُ فِي الْيَاءِ ، فَصَارَتْ: ذُرِّيَّةً ، ذَكَرَهُمَا الزَّجَّاجُ ، وَصَوَّبَ الْأَوَّلَ .

وَفِي الْعَهْدِ هَاهُنَا سَبْعَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُ الْإِمَامَةُ ، رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ الطَّاعَةُ ، رَوَاهُ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَالثَّالِثُ: الرَّحْمَةُ ، قَالَهُ عَطَاءٌ وَعِكْرِمَةُ . وَالرَّابِعُ: الدِّينُ ، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ . وَالْخَامِسُ: [ ص: 141 ] النُّبُوَّةُ ، قَالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ . وَالسَّادِسُ: الْأَمَانُ ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ . وَالسَّابِعُ: الْمِيثَاقُ ، قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ . وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .

وَفِي الْمُرَادِ بِالظَّالِمِينَ هَاهُنَا قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمُ الْكُفَّارُ ، قَالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ ، وَالسُّدِّيُّ . وَالثَّانِي: الْعُصَاةُ ، قَالَهُ عَطَاءٌ .
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ الْبَيْتُ هَاهُنَا: الْكَعْبَةُ ، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ تَدْخُلُ لِلْمَعْهُودِ ، أَوْ لِلْجِنْسِ ، فَلَمَّا عَلِمَ الْمُخَاطَبُونَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدِ الْجِنْسَ; انْصَرَفَ إِلَى الْمَعْهُودِ ، قَالَ الزَّجَّاجُ: وَالْمُثَابُ وَالْمَثَابَةُ وَاحِدٌ ، كَالْمُقَامِ وَالْمَقَامَةِ ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَالْمَثَابَةُ: الْمَعَادُ ، مِنْ قَوْلِكَ: ثُبْتُ إِلَى كَذَا ، أَيْ: عُدْتُ إِلَيْهِ ، وَثَابَ إِلَيْهِ جِسْمُهُ بَعْدَ الْعِلَّةِ: إِذَا عَادَ ، فَأَرَادَ: أَنَّ النَّاسَ يَعُودُونَ إِلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَمْنًا) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ أَنَّ مَنْ أَحْدَثَ حَدِيثًا فِي غَيْرِهِ ، ثُمَّ لَجَأَ إِلَيْهِ; فَهُوَ آَمِنٌ ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي لِأَهْلِ مَكَّةَ أَنْ لَا يُبَايِعُوهُ ، وَلَا يُطْعِمُوهُ ، وَلَا يَسْقُوهُ ، وَلَا يُؤْوُوهُ ، وَلَا يُكَلَّمْ حَتَّى يَخْرُجَ ، فَإِذَا خَرَجَ; أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ . قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: وَصَفَ الْبَيْتَ بِالْأَمْنِ ، وَالْمُرَادُ جَمِيعُ الْحَرَمِ ، كَمَا قَالَ: هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ وَالْمُرَادُ: الْحَرَمُ كُلُّهُ لِأَنَّهُ لَا يَذْبَحُ فِي الْكَعْبَةِ ، وَلَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَهَذَا عَلَى طَرِيقِ الْحُكْمِ ، لَا عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ فَقَطْ .

وَفِي (مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ) ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُ الْحَرَمُ كُلُّهُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: عَرَفَةُ وَالْمُزْدَلِفَةُ وَالْجِمَارُ ، قَالَهُ عَطَاءٌ . وَعَنْ مُجَاهِدٍ كَالْقَوْلَيْنِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، قَالُوا: الْحَجُّ كُلُّهُ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ . وَالثَّالِثُ: الْحَجَرُ ، قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ . قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى ، فَنَزَلَتْ .

[ ص: 142 ] وَفِي سَبَبِ وُقُوفِ إِبْرَاهِيمَ عَلَى الْحَجَرِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ جَاءَ يَطْلُبُ ابْنَهُ إِسْمَاعِيلَ ، فَلَمْ يَجِدْهُ ، فَقَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ: انْزِلْ ، فَأَبَى ، فَقَالَتْ: فَدَعْنِي أَغْسِلْ رَأْسَكَ ، فَأَتَتْهُ بِحَجْرٍ فَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ رَاكِبٌ ، فَغَسَلَتْ شِقَّهُ ، ثُمَّ رَفَعَتْهُ وَقَدْ غَابَتْ رِجْلُهُ فِيهِ ، فَوَضَعَتْهُ تَحْتَ الشِّقِّ الْآَخَرِ وَغَسَلَتْهُ ، فَغَابَتْ رِجْلُهُ فِيهِ ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ مِنْ شِعَارِهِ ، ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَامَ عَلَى الْحَجَرِ لِبِنَاءِ الْبَيْتِ ، وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ ، قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ .

قَرَأَ الْجُمْهُورُ ، مِنْهُمُ: ابْنُ كَثِيرٍ ، وَأَبُو عَمْرٍو ، وَعَاصِمٌ ، وَحَمْزَةُ ، وَالْكِسَائِيُّ: (وَاتَّخِذُوا) بِكَسْرِ الْخَاءِ; عَلَى الْأَمْرِ . وَقَرَأَ نَافِعٌ ، وَابْنُ عَامِرٍ بِفَتْحِ الْخَاءِ عَلَى الْخَبَرِ . قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَيْنَ تَرَوْنَ أَنْ نُصَلِّيَ؟" فَقَالَ عُمَرُ: إِلَى الْمَقَامِ ، فَنَزَلَتْ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَجْهُ فَتْحِ الْخَاءِ: أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَإِذِ اتَّخَذُوا . وَيُؤَكِّدُ الْفَتْحَ فِي الْخَاءِ أَنَّ الَّذِي بَعْدَهُ خَبَرٌ ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَعَهِدْنَا .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَيْ: أَمَرْنَاهُمَا وَأَوْصَيْنَاهُمَا . وَإِسْمَاعِيلُ: اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ ، وَفِيهِ لُغَتَانِ: إِسْمَاعِيلُ ، وَإِسْمَاعِينُ . وَأَنْشَدُوا:


قَالَ جِوَارِي الْحَيِّ لَمَّا جِينَا هَذَا وَرَبِّ الْبَيْتِ إِسْمَاعِينَا


قَوْلُهُ تَعَالَى: أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ قَالَ قَتَادَةُ: يُرِيدُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَالشِّرْكِ ، وَقَوْلِ الزُّورِ . فَإِنْ قِيلَ: لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ بَيْتٌ; فَمَا مَعْنَى أَمَرَهُمَا بِتَطْهِيرِهِ؟ فَعَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَانَتْ هُنَاكَ أَصْنَامٌ ، فَأُمِرَا بِإِخْرَاجِهِا ، قَالَهُ عِكْرِمَةُ . وَالثَّانِي: أَنَّ مَعْنَاهُ: ابْنِيَاهُ مُطَهَّرًا ، قَالَهُ السُّدِّيُّ . وَالْعَاكِفُونَ: الْمُقِيمُونَ ، يُقَالُ: عَكَفَ يَعْكِفُ وَيَعْكُفُ عُكُوفًا: إِذَا أَقَامَ ، وَمِنْهُ: الِاعْتِكَافُ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنْزِلُ فِي [ ص: 143 ] كُلِّ لَيْلَةٍ وَيَوْمَ عِشْرِينَ وَمِائَةَ رَحْمَةٍ يَنْزِلُ عَلَى هَذَا الْبَيْتَ: سِتُّونَ لِلطَّائِفِينَ ، وَأَرْبَعُونَ لِلْمُصَلِّينَ ، وَعِشْرُونَ لِلنَّاظِرِينَ" .
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مِنَ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا الْبَلَدُ: صَدْرُ الْقُرَى ، وَالْبَالِدُ: الْمُقِيمُ بِالْبَلَدِ ، وَالْبَلْدَةُ: الصَّدْرُ ، وَوَضَعَتِ النَّاقَةُ بَلْدَتَهَا: إِذَا بَرَكَتْ ، وَالْمُرَادُ بِالْبَلَدِ هَاهُنَا: مَكَّةُ . وَمَعْنَى (آمِنًا): ذَا أَمْنٍ . وَأَمْنُ الْبَلْدَةِ مَجَازٌ ، وَالْمُرَادُ: أَمِنَ مِنْ فِيهِ . وَفِي الْمُرَادِ بِهَذَا الْأَمْنِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُ سَأَلَهُ الْأَمْنَ مِنَ الْقَتْلِ . وَالثَّانِي: مِنَ الْخَسْفِ وَالْقَذْفِ . وَالثَّالِثُ: مِنَ الْقَحْطِ وَالْجَدْبِ . قَالَ مُجَاهِدٌ: قَالَ إِبْرَاهِيمَ: لِمَنْ آَمَنَ ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَمَنْ كَفَرَ فَسَأَرْزُقُهُ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَأُمَتِّعُهُ) وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ: (فَأُمَتِّعُهُ) بِالتَّخْفِيفِ ، مِنْ أَمْتَعْتَ . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ . مِنْ: مُتِّعْتُ . وَالْإِمْتَاعُ: إِعْطَاءُ مَا تَحْصُلُ بِهِ الْمُتْعَةُ . وَالْمُتْعَةُ: أَخْذُ الْحَظِّ مِنْ لَذَّةِ مَا يَشْتَهِي . وَبِمَاذَا يُمَتِّعُهُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: بِالْأَمْنِ . وَالثَّانِي: بِالرِّزْقِ .

وَالِاضْطِّرَارُ: الْإِلْجَاءُ إِلَى الشَّيْءِ ، وَالْمَصِيرُ: مَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ الْأَمْرُ .
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ ص: 144 ] قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ .

الْقَوَاعِدُ: أَسَاسُ الْبَيْتِ ، وَاحِدُهَا: قَاعِدَةٌ . فَأَمَّا قَوَاعِدُ النِّسَاءِ; فَوَاحِدَتُهَا: قَاعِدٌ ، وَهِيَ الْعَجُوزُ . (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا) أَيْ: يَقُولَانِ: رَبَّنَا ، فَحَذَفَ ذَلِكَ ، كَقَوْلِهِ: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ [ الرَّعْدِ: 25 ] . أَرَادَ: يَقُولُونَ . وَ(السَّمِيعُ) بِمَعْنَى: السَّامِعُ ، لَكِنَّهُ أَبْلُغُ ، لِأَنَّ بِنَاءَ فَعِيلٍ لِلْمُبَالَغَةِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَيَكُونُ السَّمَاعُ بِمَعْنَى الْقَبُولِ وَالْإِجَابَةِ ، كَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: :"أَعُوذُ بِكَ مِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ" أَيْ: لَا يُسْتَجَابُ . وَقَوْلُ الْمُصَلِّي: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، أَيْ: قَبِلَ اللَّهُ حَمْدَ مَنْ حَمَدَهُ . وَأَنْشَدُوا:


دَعَوْتُ اللَّهَ حَتَّى خِفْتُ أَنْ لَا يَكُونَ اللَّهُ يَسْمَعُ مَا أَقُولُ


الْإِشَارَةُ إِلَى بِنَاءِ الْبَيْتِ .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 33.98 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 33.35 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.85%)]