
23-12-2021, 06:58 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,275
الدولة :
|
|
رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
سُورَةُ الْبَقَرَةِ
الحلقة (24)
صــ127 إلى صــ 132
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ: أَرَادَ بِالْخَيْرِ: الْعِلْمُ وَالْفِقْهُ وَالْحِكْمَةُ .
وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ
فِي هَذِهِ الرَّحْمَةِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا النُّبُوَّةُ ، قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، وَمُجَاهِدٌ وَالزَّجَّاجُ . وَالثَّانِي: أَنَّهَا الْإِسْلَامُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ .
مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهَ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ .
سَبَبُ نُزُولِهَا: أَنَّ الْيَهُودَ قَالَتْ لَمَّا نُسِخَتِ الْقِبْلَةُ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَحِلُّ لِأَصْحَابِهِ إِذَا شَاءَ ، وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ إِذَا شَاءَ; فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ .
قَالَ الزَّجَّاجُ: النَّسْخُ فِي اللُّغَةِ: إِبْطَالُ شَيْءٍ وَإِقَامَةُ آَخَرَ مَقَامِهِ ، تَقُولُ الْعَرَبُ: نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ: إِذَا أَذْهَبَتْهُ ، وَحَلَّتْ مَحَلَّهُ ، وَفِي الْمُرَادِ بِهَذَا النَّسْخِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: رَفْعُ اللَّفْظِ وَالْحُكْمِ . وَالثَّانِي: تَبْدِيلُ الْآَيَةِ بِغَيْرِهَا ، رُوِيَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ السُّدِّيُّ ، . وَالثَّانِي: قَوْلُ مُقَاتِلٍ . وَالثَّالِثُ: رَفْعُ الْحُكْمِ مَعَ بَقَاءِ اللَّفْظِ ، رَوَاهُ مُجَاهِدٌ عَنْ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ . وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ: (مَا نَنْسَخُ) بِضَمِّ النُّونِ ، وَكَسْرِ السِّينِ . قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: أَيْ: مَا نَجِدُهُ مَنْسُوخًا كَقَوْلِكَ: أَحَمَدْتُ فُلَانًا ، أَيْ: وَجَدْتُهُ مَحْمُودًا ، وَإِنَّمَا يَجِدُهُ مَنْسُوخًا بِنَسْخِهِ إِيَّاهُ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوْ نُنْسِهَا) قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو: (نَنَسْأَهَا) بِفَتْحِ النُّونِ مَعَ [ ص: 128 ] الْهَمْزَةُ ، وَالْمَعْنَى نُؤَخِّرُهَا . قَالَ أَبُو زَيْدٍ: نَسَأَتِ الْإِبِلِ عَنِ الْحَوْضِ ، فَإِنْ أَنْسَأَهَا: إِذَا أَخَّرَتْهَا ، وَمِنْهُ: النَّسِيئَةُ فِي الْبَيْعِ . وَفِي مَعْنَى نُؤَخِّرُهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: نُؤَخِّرُهَا عَنِ النَّسْخِ فَلَا نَنْسَخُهَا ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ . وَالثَّانِي: نُؤَخِّرُ إِنْزَالهَا ، فَلَا نَنْزِلُهَا الْبَتَّةَ . وَالثَّالِثُ: نُؤَخِّرُهَا عَنِ الْعَمَلِ بِهَا بِنَسْخِنَا إِيَّاهَا ، حَكَاهُمَا أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ . وَقَرَأَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ: (تَنْسَهَا) بِتَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَنُونٍ . وَقَرَأَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالضَّحَّاكُ: (تَنْسَهَا) بِضَمِّ التَّاءِ . وَقَرَأَ نَافِعٌ: (أَوَنُنْسُهَا) بِنُونَيْنِ ، الْأُولَى مَضْمُومَةٌ ، وَالثَّانَيَةُ سَاكِنَةٌ . أَرَادَ: أَوْ نُنْسِكَهَا ، مِنَ النِّسْيَانِ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِاللِّينِ مِنْهَا ، وَأَيْسَرَ عَلَى النَّاسِ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوْ مِثْلِهَا) أَيْ: فِي الثَّوَابِ وَالْمَنْفَعَةِ ، فَتَكُونُ الْحِكْمَةُ فِي تَبْدِيلِهَا بِمِثْلِهَا الِاخْتِبَارَ . (أَلَمْ تَعْلَمْ) لَفْظُهُ لَفْظُ الِاسْتِفْهَامِ ، وَمَعْنَاهُ التَّوْقِيفُ وَالتَّقْرِيرُ . وَالْمُلْكُ فِي اللُّغَةِ: تَمَامُ الْقُدْرَةِ وَاسْتِحْكَامُهَا ، فَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَحْكُمُ بِمَا يَشَاءُ عَلَى عِبَادِهِ ، وَبِغَيْرِ مَا يَشَاءُ مِنْ أَحْكَامٍ .
أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ .
فِي سَبَبِ نُزُولِهَا خَمْسَةُ أَقْوَالٍ .
أَحَدُهَا: أَنَّ رَافِعَ بْنَ حُرَيْمِلَةَ ، وَوَهْبَ بْنَ زَيْدٍ ، قَالَا لِرَسُولِ اللَّهِ: ائْتِنَا بِكِتَابٍ نَقْرَؤُهُ تُنْزِلُهُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَيْنَا ، وَفَجِّرْ لَنَا أَنْهَارًا حَتَّى نَتَّبِعَكَ ، فَنَزَلَتِ الْآَيَةُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
وَالثَّانِي: أَنَّ قُرَيْشًا سَأَلَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفَا ذَهَبًا ، فَقَالَ: "هُوَ لَكُمْ كَالْمَائِدَةِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [إِنْ كَفَرْتُمْ ] فَأَبَوْا" قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
[ ص: 129 ] . وَالثَّالِثُ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ كَانَتْ كَفَّارَتُنَا كَكَفَّارَاتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اللَّهُمَّ لَا نَبْغِيهَا ، مَا أَعْطَاكُمُ اللَّهُ ، خَيْرٌ مِمَّا أَعْطَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ، كَانُوا إِذَا أَصَابَ أَحَدَهُمُ الْخَطِيئَةُ; وَجَدَهَا مَكْتُوبَةً عَلَى بَابِهِ وَكَفَّارَتَهَا ، فَإِنَّ كَفَّرَهَا كَانَتْ لَهُ خِزْيًا فِي الدُّنْيَا ، وَإِنْ لَمْ يُكَفِّرْهَا كَانَتْ لَهُ خِزْيًا فِي الْآَخِرَةِ ، فَقَدْ أَعْطَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا مِمَّا أَعْطَى بَنِي إِسْرَائِيلَ . فَقَالَ: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ [ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ] [ النِّسَاءِ: 110 ] . وَقَالَ: "الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ" فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ . قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ .
وَالرَّابِعُ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيَّ أَتَى النَّبِيَّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فِي رَهْطٍ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ: وَاللَّهِ لَا أُؤْمِنُ بِكَ حَتَّى تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ . ذَكَرَهُ ابْنُ السَّائِبِ .
وَالْخَامِسُ: أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْمُشْرِكِينَ جَاؤُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا . وَقَالَ آَخَرُ: لَنْ أُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَسِيرَ لَنَا جِبَالُ مَكَّةَ ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: لَنْ أُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَأْتِيَ بِكِتَابٍ مِنَ السَّمَاءِ ، فِيهِ: مِنَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ إِلَى ابْنِ أَبِي أُمَيَّةَ: اعْلَمْ أَنِّي قَدْ أَرْسَلْتُ مُحَمَّدًا إِلَى النَّاسِ . وَقَالَ آَخَرُ: هَلَّا جِئْتَ بِكِتَابِكَ مُجْتَمِعًا ، كَمَا جَاءَ مُوسَى بِالتَّوْرَاةِ . فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ . ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَنْبَارِيِّ .
وَفِي الْمُخَاطَبِينَ بِهَذِهِ الْآَيَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ .
أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ قُرَيْشٍ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ . وَالثَّانِي: الْيَهُودُ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ . وَالثَّالِثُ: جَمِيعُ الْعَرَبِ ، قَالَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ . [ ص: 130 ] وَفِي "أَمْ" قَوْلَانِ .
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا بِمَعْنَى: بَلْ ، تَقُولُ الْعَرَبُ: هَلْ لَكَ عَلَيَّ حَقٌّ ، أَمْ أَنْتَ مَعْرُوفٌ بِالظُّلْمِ . يُرِيدُونَ: بَلْ أَنْتَ . وَأَنْشَدُوا:
بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشَّمْسِ فِي رَوْنَقِ الضُّحَى وَصُورَتَهَا أَمْ أَنْتَ فِي الْعَيْنِ أَمْلَحُ
ذَكَرَهُ الْفَرَّاءُ وَالزَّجَّاجُ .
وَالثَّانِي: بِمَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ . فَإِنِ اعْتَرَضَ مُعْتَرِضٌ ، فَقَالَ: إِنَّمَا تَكُونُ لِلِاسْتِفْهَامِ إِذَا كَانَتْ مَرْدُودَةً عَلَى اسْتِفْهَامٍ قَبْلَهَا ، فَأَيْنَ الِاسْتِفْهَامُ الَّذِي تَقَدَّمَهَا؟ فَعَنْهُ جَوَابَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَهَا اسْتِفْهَامٌ ، وَهُوَ قَوْلُهُ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، ذَكَرَهُ الْفَرَّاءُ . وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: هِيَ مَرْدُودَةٌ عَلَى الْأَلِفِ فِي: (أَلَمْ تَعْلَمْ) فَإِنِ اعْتَرَضَ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ ، فَقِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ الْعَطْفُ وَلَفْظُ: (أَلَمْ تَعْلَمْ) يُنْبِئُ عَنِ الْوَاحِدِ ، وَ(تُرِيدُونَ) عَنْ جَمَاعَةٍ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ إِنَّمَا رَجَعَ الْخِطَابُ مِنَ التَّوْحِيدِ إِلَى الْجَمْعِ ، لِأَنَّ مَا خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ خُوطِبَتْ بِهِ أُمَّتُهُ ، فَاكْتَفَى بِهِ مِنْ أُمَّتِهِ فِي الْمُخَاطَبَةِ الْأُولَى ، ثُمَّ أَظْهَرَ الْمَعْنَى فِي الْمُخَاطَبَةِ الثَّانِيَةِ . وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [ الطَّلَاقِ: 1 ] . ذَكَرَ هَذَا الْجَوَابَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ . فَأَمَّا الْجَوَابُ الثَّانِي عَنْ (أَمْ); فَهُوَ أَنَّهَا لِلِاسْتِفْهَامِ ، وَلَيْسَتْ مَرْدُودَةً عَلَى شَيْءٍ . قَالَ الْفَرَّاءُ: إِذَا تَوَسَّطَ الِاسْتِفْهَامُ الْكَلَامَ; ابْتُدِئَ بِالْأَلِفِ وَبِأَمْ ، وَإِذَا لَمْ يَسْبِقْهُ كَلَامٌ; لَمْ يَكُنْ إِلَّا بِالْأَلِفِ أَوْ بِ"هَلْ" وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: "أَمْ" جَارِيَةٌ مَجْرَى "هَلْ" غَيْرَ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا: أَنَّ "هَلْ" اسْتِفْهَامٌ مُبْتَدَأٌ ، لَا يَتَوَسَّطُ وَلَا يَتَأَخَّرُ ، وَ"أَمْ": اسْتِفْهَامٌ مُتَوَسِّطٌ ، لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ كَلَامٍ .
فَأَمَّا الرَّسُولُ هَاهُنَا; فَهُوَ: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالَّذِي سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلِ قَوْلُهُمْ: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [ النِّسَاءِ: 153 ] . وَهَلْ سَأَلُوا ذَلِكَ نَبِيًّا أَمْ لَا؟ فِيهِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ سَأَلُوا ذَلِكَ ، فَقَالُوا: ( لَنْ نُؤْمِنَ لَك حَتَّى تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قُبَيْلًا ) [ الْإِسْرَاءِ: 92 ] قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ بِالَغُوا فِي الْمَسَائِلِ ، [ ص: 131 ] فَقِيلَ لَهُمْ بِهَذِهِ الْآَيَةِ: لَعَلَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا مُحَمَّدًا أَنْ يُرِيَكُمُ اللَّهُ جَهْرَةً ، قَالَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ .
وَالْكُفْرُ: الْجُحُودُ . وَالْإِيمَانُ: التَّصْدِيقُ . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: الْمَعْنَى: وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الشِّدَّةَ بِالرَّخَاءِ . وَسَوَاءَ السَّبِيلِ: وَسْطُهُ .
وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ
فِي سَبَبِ نُزُولِهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّ حُيَيَّ بْنَ أَخْطَبَ ، وَأَبَا يَاسِرٍ كَانَا جَاهِدَيْنِ فِي رَدِّ النَّاسِ عَنِ الْإِسْلَامِ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: أَنَّ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ كَانَ يَهْجُوا النَّبِيَّ ، وَيُحَرِّضُ عَلَيْهِ كُفَّارَ قُرَيْشٍ فِي شِعْرِهِ ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ حِينَ قَدِمَهَا ، فَأَمَرَ النَّبِيَّ بِالصَّفْحِ عَنْهُمْ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، قَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ . وَالثَّالِثُ: أَنَّ نَفَرًا مِنَ الْيَهُودِ دَعَوْا حُذَيْفَةَ وَعَمَّارًا إِلَى دِينِهِمْ ، فَأَبَيَا ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ . قَالَهُ مُقَاتِلٌ .
وَمَعْنَى "وَدَّ" أَحَبَّ وَتَمَنَّى . وَأَهْلُ الْكِتَابِ: الْيَهُودُ . قَالَ الزَّجَّاجُ: مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مَوْصُولٌ: بِـ (وَدَّ كَثِيرٌ) ، لَا بِقَوْلِهِ: حَسَدًا لِأَنَّ حَسَدَ الْإِنْسَانِ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ ، وَالْمَعْنَى مَوَدَّتُهُمْ لِكُفْرِكُمْ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ، لَا أَنَّهُ عِنْدَهُمُ الْحَقُّ . فَأَمَّا الْحَسَدُ ، فَهُوَ تَمَنِّي زَوَالِ النِّعْمَةِ عَنِ الْمَحْسُودِ ، وَإِنْ لَمْ يَصِرْ لِلْحَاسِدِ مِثْلُهَا ، وَتُفَارِقُهُ الْغِبْطَةُ ، فَإِنَّهَا تَمَنِّي مِثْلَهَا مِنْ غَيْرِ حُبِّ زَوَالِهَا عَنِ الْمَغْبُوطِ . وَحَدَّ بَعْضُهُمُ الْحَسَدَ فَقَالَ: هُوَ أَذًى يَلْحَقُ بِسَبَبِ الْعِلْمِ بِحُسْنِ حَالِ الْأَخْيَارِ . وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفَاضِلُ حَسُودًا ، لِأَنَّ الْفَاضِلَ يَجْرِي عَلَى مَا هُوَ الْجَمِيلُ [ ص: 132 ] وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: كُلُّ أَحَدٍ يُمْكِنُ أَنْ تُرْضِيهِ إِلَّا الْحَاسِدُ ، فَإِنَّهُ لَا يُرْضِيهِ إِلَّا زَوَالُ نِعْمَتِكَ . وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: سَمِعْتُ أَعْرَابِيًّا يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ ظَالِمًا أَشْبَهَ بِمَظْلُومٍ مِنَ الْحَاسِدِ ، حُزْنٌ لَازِمٌ ، وَنَفَسٌ دَائِمٌ ، وَعَقْلٌ هَائِمٌ ، وَحَسْرَةٌ لَا تَنْقَضِي .
قَوْلُهُ تَعَالَى: حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَجَاءَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ فِي النَّضِيرِ بِالْجَلَاءِ وَالنَّفْيِ ، وَفِي قُرَيْظَةَ بِالْقَتْلِ وَالسَّبْيِ .
فَصْلٌ
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ ، وَقَتَادَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: أَنَّ الْعَفْوَ وَالصَّفْحَ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ [ التَّوْبَةِ: 29 ] وَأَبَى هَذَا الْقَوْلَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَالْفُقَهَاءُ ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ بِالصَّفْحِ وَالْعَفْوِ مُطْلَقًا ، وَإِنَّمَا أَمَرَ بِهِ إِلَى غَايَةٍ ، وَمَا بَعْدَ الْغَايَةِ يُخَالِفُ حُكْمَ مَا قَبْلَهَا ، وَمَا هَذَا سَبِيلُهُ لَا يَكُونُ مِنْ بَابِ الْمَنْسُوخِ ، بَلْ يَكُونُ الْأَوَّلُ قَدِ انْقَضَتْ مُدَّتُهُ بِغَايَتِهِ ، وَالْآَخَرُ يَحْتَاجُ إِلَى حُكْمٍ آَخَرَ .
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهِ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (تَجِدُوهُ) أَيْ: تَجِدُوا ثَوَابَهُ .
وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|