عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 21-12-2021, 09:01 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,761
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تدبر معاني حروف الجر في القرآن الكريم

تدبر حروف الجر في القرآن (5)


عواطف حمود العميري
(الجزء الأول)

(على الفلك / في الفلك)



بسم الله والحمد لله، أما بعد:
فيهدف هذا المقال إلى بيان جمال وإعجاز القرآن في استعماله لحروف الجر، فلكل حرف إيحاءاته المناسبة للسياق التي تبرز صورة المشهد حاضرًا أمام العيان بأقل كلفة وأيسر جهد، ولتوضيح ذلك نستعرض حرفي الظرفية والاستعلاء عند دخولهما على كلمة (الفلك).

(على الفلك / في الفلك):
جاء التعبيران في القرآن الكريم في عدة مواضع، وهذا أمر يدفع للتأمل والتدبر عن الفرق بين التعبيرين وعن روعة الإعجاز اللغوي في ذلك وقدرة الحرف الباهرة في تصوير المشهد وتخيله...

يأتي حرف الظرفية مع الفلك (في الفلك) في الآيات التي فيها شدة وإزعاج شديد وأمواج عاتية، وخوف الغرق؛ ليصوِّر لنا قوة التشبث بأسباب الحياة إلى درجة صورة الانغراس فيها بما يوحيه (في) من معنى الظرفية وعدم الاستيعاب[1].

ويأتي حرف الاستعلاء مع الفلك (على الفلك)؛ ليدل بإيحاءات الاستعلاء على الاعتدال والهدوء والتمكن، وهذا في الآيات التي تحتوي على النعم والامتنان من المنعم جل جلاله من تسخير البحر وسكونه وطيب جريان الريح.

أولًا: (في الفلك):
ولنبدأ بقصة سفينة نوح عليه السلام، فهي دليل واضح على قوة الحرف في تصوير المشهد:
سورة الأعراف: ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ ﴾ [الأعراف: 64].

سورة يونس: ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ ﴾ [يونس: 73].

سورة الشعراء: ﴿ فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ ﴾ [الشعراء: 119، 120].

فجاءت كل قصة نجاة نوح عليه السلام ومن معه وإغراق قومه في القرآن متعدية بحرف الظرفية - ما عدا موضع وحيد في سورة المؤمنون - لأن الخطب كان عظيم؛ كما جاء تصويره في سورة هود: ﴿ وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ ﴾ [هود: 42]، والسفينة كانت وسيلة النجاة وسط تلاطم الأمواج العاتية، فلا بد أن التشبث بها كان قويًّا، أو أنها كانت مطبقة كما ذكر بعض المفسرين، قال السمين الحلبي: ويظهر أن "في" أليق؛ لأن سفينة نوح عليه السلام على ما يقال كانت مطبقة عليهم، وهي محيطة بهم كالوعاء، وأما غيرها فالاستعلاء فيه واضح؛ لأن الناس على ظهرها[2].

(لكن بعد أن نَجَّى الله المؤمنين وأهلك الظالمين وانقضى الأمر، سيختفي حرف الظرفية ويأتي مكانه حرف الاستعلاء على ما سيأتي إن شاء الله).

وهكذا سائر القرآن في غير قصة نوح عليه السلام: عند مواضع الشدة والخوف من الغرق يأتي حرف الظرفية؛ كما في قوله تعالى في سورة يونس: ﴿ هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾ [يونس: 22].

وقوله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ﴾ [العنكبوت: 65].

ثانيًا: (على الفلك):
في قصة نوح عليه السلام لما انقضى الأمر؛ كما أخبر الله عز وجل: ﴿ وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [هود: 44].

جاء التعبير بحرف الاستعلاء ليبين الأمن والأمان والقدرة على الاستواء والاعتدال والاعتلاء على ظهرها والله أعلم، قال الله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿ فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [المؤمنون: 28]، قال ابن عاشور: وأُتِيَ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ دُونَ حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ؛ لِأنَّهُ الَّذِي يَتَعَدَّى بِهِ مَعْنى الِاعْتِلاءِ إيذانًا بِالتَّمَكُّنِ مِنَ الفُلْكِ؛ اهـ.

وكذلك في مواضع الإنعام والامتنان يأتي حرف الاستعلاء الموحي بالاستقرار والأمن وعدم الخوف، كما في قوله تعالى: سورة المؤمنون: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ﴾ [المؤمنون: 21، 22].

سورة غافر: ﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ﴾ [غافر: 79، 80].

سورة الزخرف: ﴿ وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴾ [الزخرف: 12، 13].

الخلاصة: أن (في الفلك) توحي بشدة التمسك والانغراس، ويأتي ذلك في حالات الشدة والخوف من الغرق، ويأتي التعبير (على الفلك) موحيًا بالاستقرار والاعتدال، وتأتي في آيات الإنعام والامتنان.

ولابد من التنبيه على أن هذه المعاني عند اقتران الحرفين (بالفلك) خاصة، وأما غيرها من المظروفات، فقد يتوافق وقد يختلف، وقد يكون العكس تمامًا، كما سيتضح ذلك في المقال التالي حينما نستعرض إن شاء الله دخول نفس الحرفين (في / على) على كلمة معاكسة تمامًا للفلك وهي كلمة (الأرض).

والله الميسر والله تعالى أعلم.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أنْ لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.



[1] قال الله تعالى في سورة غافر: {﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ﴾ [غافر: 51] ... تأمل كيف دخل حرف الظرفية على (الحياة الدنيا)، ولم يدخل على (يوم) القيامة، جاء في روح المعاني: ﴿ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾؛ أيْ: ويَوْمَ القِيامَةِ عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ لِلْإشْعارِ بِكَيْفِيَّةِ النُّصْرَةِ وأنَّها تَكُونُ عِنْدَ جَمْعِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ وشَهادَةِ الإشْهادِ لِلرُّسُلِ بِالتَّبْلِيغِ وعَلى الكَفَرَةِ بِالتَّكْذِيبِ ... وفِي الحَواشِي الخَفاجِيَّةِ أنَّ النُّصْرَةَ في الآخِرَةِ لا تَتَخَلَّفُ أصْلًا بِخِلافِها في الدُّنْيا فَإنَّ الحَرْبَ فِيها سِجالٌ وإنْ كانَتِ العاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ولِذا دَخَلَتْ (في) عَلى (اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا) دُونَ قَرِينِهِ لِأنَّ الظَّرْفَ المَجْرُورَ بِفي لا يَسْتَوْعِبُ كالمَنصُوبِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ كَما ذَكَرَهُ الأُصُولِيُّونَ؛ انْتَهى.


[2] الدر المصون في علم الكتاب المكنون (بتصرف قليل).









__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 21.65 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 21.02 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.90%)]