عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 19-12-2021, 05:36 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,136
الدولة : Egypt
افتراضي رد: هذا ديننا أهل الإسلام





الخطبة الثانية

الحمد لله وكفي وصلاة وسلامًا على عباده الذين اصطفى، أما بعد:

فيا أيها الكرماء الأجلاء عباد الله، هذا ديننا أهل الإسلام.

لما استخلف عمر بن عبدالعزيز رحمه الله، وفد عليه قوم من أهل سمرقند، فرفعوا إليه أن قتيبة دخل مدينتهم وأسكنها المسلمين على غدر، وكان قد فتحها قتيبة في عهد الوليد بن عبدالملك سنة ثلاث وتسعين هجرية - أي قبل تولي عمر رحمه الله - الخلافة بست سنين، فكتب عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله - إلى عامله عليها يأمره أن يُنصب لهم قاضيًا ينظر فيما ذكروا! فإن قضى بإخراج المسلمين أخرجوا، فنصب لهم القاضي جُمَيْعَ بنَ حاضرٍ الناجي، فقال: قضينا بإخراج جميع المسلمين من أرض سمرقند، من حكام وجيوش ورجال وأطفال ونساء، وأن تترك الدكاكين والدور، وألا يبق في سمرقندَ أحدٌ من المسلمين على أنْ ينذر المسلمون أهل سمرقند بعد ذلك، وبعد ساعات قليلة، سمع أهل سمرقند بجلبة تعلو، وأصواتٍ ترتفع، وغبارٍ يعم الجنبات، وراياتٍ تلوح خلال الغبار، فسألوا، فقيل لهم: إن الحُكم قد نُفِّذَ، وإن الجيش قد انسحب في مشهدٍ تقشعر منه جلود الذين شاهدوه أو سمعوا به! وما إنْ غَرُبت شمس ذلك اليوم، إلا والكلاب تتجول بطرق سمرقند الخالية، وصوت بكاءٍ يُسمع في كل بيتٍ على خروج تلك الأمة العادلة الرحيمة من بلدهم! ولم يتمالك الكهنةُ وأهلُ سمرقندَ أنفسَهم لساعاتٍ أكثر حتى خرجوا أفواجًا، وكبير الكهنة أمامهم باتجاه معسكر المسلمين وهم يرددون شهادة أنْ لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله! فقد كَرِهَ أهل مدينة سمرقند حرب من عدل فيهم، وأنصفهم من أنفسهم، فقد حكم قاضيهم عليهم دون حيف أو ميل، وأقر أهل سمرقند المسلمين، فأقاموا بين أظهرهم أرأيتم جيشًا يفتح مدينة، ثم يشتكي أهل المدينة للدولة المنتصرة، فيحكم قضاؤها على الجيش الظافر بالخروج؟ والله لا نعلم شبهًا لهذا الموقف لأمة من الأمم! فهل هذا دين إرهاب؟!




ولما فتح الجيش الإسلامي حمص والعراق والشام، وعلم القادة بقيادة أبي عبيدة أن هرقل قد جمع لهم جيشًا جرارًا، خرج القادة يخاطبون أهل دمشق وأهل حمص وقالوا لهم: لقد سمعنا أن هرقل قد جمع لنا جموعًا، وإننا لا نستطيع أن نَحميَكم، وأن ندافع عنكم، وهذه جزيتكم التي دفعتموها لنا في مقابل حمايتكم، فلما رأى الناس ذلك من أهل حمص ومن أهل دمشق، طارت عقولهم وخرجوا بين يدي الجيش المسلم يقولون: والله لعدلكم أحبُّ إلينا من جور الروم وظلمهم، مع أنهم على دين واحد، فهل هذا دين إرهاب؟ هذا ديننا أهل الإسلام.




دين مكارم الأخلاق، فما من حُكم شرعي في دين الإسلام إلا ويلبِّي مقصدًا خُلُقيًّا حميدًا للإنسان، ولهذا كان قول نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -: «إِنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صالِحَ الأخْلاقِ»، حتى العبادات التي أمر الله بها تدعو إلى حسن الخلق: الصلاة: قال تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ [العنكبوت: 45].



الصيام: قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183].



"الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ"؛ (البخاري ومسلم).



الحج: قال تعالى: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾ [البقرة: 197].



الصدقات: قال تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [التوبة: 103].



وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَا مِنْ شَيْءٍ يُوضَعُ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ، وَإِنَّ صَاحِبَ حُسْنِ الْخُلُقِ لَيَبْلُغُ بِهِ دَرَجَةَ صَاحِبِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ"؛ (صحيح الترمذي).



وقال صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ يَحْسُنُ خُلُقُهُ حَتَّى يُدْخِلَهُ حُسْنُ خُلُقِهِ الْجَنَّةَ، وَيَسُوءُ خُلُقُهُ حَتَّى يُدْخِلَهُ سُوءُ خُلُقِهِ النَّارَ"؛ شعب الإيمان للبيهقي.



وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا)؛ رواه الترمذي.



وقال صلى الله عليه وسلم: "أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا"؛ سنن أبى داود، صحيح الألباني، وقال: لا تَحاسدوا، ولا تَناجَشُوا، ولا تَباغَضُوا، ولا تَدَابَرُوا، ولا يَبِعْ بعضُكم على بيعِ بعضٍ، وكونوا عبادَ الله إخوانًا، المسلمُ أَخو المسلمِ، لا يَظلِمُه، وَلا يَخْذِلُه، ولا يَحْقِرُه، التقوى ها هنا - ويشير إلى صدره ثلاث مرات - بحسبِ امرئ مِنَ الشرِّ أَن يَحقِرَ أَخاهُ المسلمَ، كلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ: دَمُه، وَمالُه، وعِرْضُه؛ (رواه مسلم).



وقال: يا أيها الناس، أفْشُوا السلامَ، وأطعِمُوا الطعامَ، وصِلُوا الأرحام، وصلُّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام؛ (رواه أحمد، والترمذي والحاكم، وصححه الترمذي والحاكم ووافقه الذهبي)؛ الخطاب للناس كافة، فهل هذا دين إرهاب؟!



وأخيرًا يا أتباع محمد صلى الله عليه وسلم في كل مكان من الأرض، يجب أن تعتزوا بالإسلام فلا عزة لكم بسواه، نَعَمْ ارْفَعْ رَأْسَكَ فَأَنْتَ مُسْلِمٌ، ارْفَعْ رَأْسَكَ مُفْتَخِرًا بِهَذَا الدينِ الذِي شَرَّفَكَ اللهُ بِالاِنْتِسابِ إِلَيهِ وَرَدِّدْ دَائِمًا:




وَمِما زَادَنِي شَرَفًا وَتِيهًا

وَكِدْتُ بِأَخْمُصِي أَطَأُ الثُّرَيَّا


دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِكَ: يا عِبَادِي

وَأَنْ صَيَّرْتَ أَحْمَدَ لِي نَبِيًّا






يقول أمير المؤمنين عمر بن الحطاب رضي الله عنه: "نحن قومٌ أذلاء أعزنا الله بالإسلام فمتى طلبنا العزة بغيره أذلنا الله"، تمسكوا بالإسلام بكل معانيه يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، بالإسلام، يعيد الله لكم مجدكم وعزتكم، وتقودون العالم كما فعل أجدادكم من قبل وصدق الله العظيم؛ حيث يقول: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [الأعراف: 96].



فيا أيها المؤمنون، لقد شرع الله عز وجل لنا الدين؛ ليصلح لنا حياتنا ونسعد في الدارين، فديننا هو الدين الوحيد الذي يحقِّق السعادة للفرد والمجتمع؛ لأنه الدين الشامل الذي يتلاءم مع الفطرة البشرية؛ لأن الله تعالى هو الذي خلق الكون ويعلم ما يصلحه وما يفسده ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الملك: 14]، فهل لنا في عودة صادقة إلى هذا الدين؟ هل لنا أن نتمثل هذه المواقف أو هذه المبادئ الموجودة في هذا الدين؟ هل لنا أن نكون دعاة إليه؟ فإن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من الدنيا وما عليها، اللهم أحينا مسلمين، وتوفَّنا مسلمين، واجعلنا من الدعاة إلى سبيلك القويم.




اللهم اهدِنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرِف عنا سيئها لا يصرِف عنا سيئها إلا أنت، اللهم حسِّن أخلاقنا وأعمالنا يا رب العالمين.



اللهم أدِّبنا جميعًا بآداب نبيك، وأعنَّا على ذلك، يا رب العالمين.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 21.49 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 20.86 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.92%)]