
17-12-2021, 11:57 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,041
الدولة :
|
|
رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
سُورَةُ الْبَقَرَةِ
الحلقة (13)
صــ61 إلى صــ 66
قَوْلُهُ تَعَالَى: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا .
فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ .
أَحَدُهَا: أَنَّ ظَاهِرَ الْأَلِفِ الِاسْتِفْهَامُ ، دَخَلَ عَلَى مَعْنَى الْعِلْمِ لِيَقَعَ بِهِ تَحْقِيقٌ قَالَ جَرِيرٌ:
أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا وَأَنْدَى الْعَالَمِينَ بُطُونَ رَاحِ
مَعْنَاهُ: أَنْتُمْ خَيْرُ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا .
وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ قَالُوهُ لِاسْتِعْلَامِ وَجْهِ الْحِكْمَةِ ، لَا عَلَى وَجْهِ الِاعْتِرَاضِ . ذَكَرَهُ الزَّجَّاجُ .
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمْ سَأَلُوا عَنْ حَالِ أَنْفُسِهِمْ ، فَتَقْدِيرُهُ: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ أَمْ لَا؟
وَهَلْ عَلِمَتِ الْمَلَائِكَةُ أَنَّهُمْ يُفْسِدُونَ بِتَوْقِيفٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ، أَمْ قَاسُوا عَلَى حَالِ مَنْ قَبْلَهُمْ؟ فِيهِ قَوْلَانِ .
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بِتَوْقِيفٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ، قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَابْنُ زَيْدٍ ، وَابْنُ قُتَيْبَةَ ، وَرَوَى السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ: أَنَّهُمْ قَالُوا: رَبُّنَا وَمَا يَكُونُ [ ص: 61 ] ذَلِكَ الْخَلِيفَةِ قَالَ: يَكُونُ لَهُ ذُرِّيَّةً يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَيَتَحَاسَدُونَ ، وَيَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، فَقَالُوا: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا .
وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ قَاسُوهُ عَلَى أَحْوَالِ مَنْ سَلَفَ قَبْلَ آَدَمَ ، رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ ، وَمُقَاتِلٍ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ .
قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِكَسْرِ الْفَاءِ ، وَضَمَّهَا ابْنُ مُصَرِّفِ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَبْلَةَ ، وَهُمَا لُغَتَانِ ، وَرُوِيَ عَنْ طَلْحَةَ وَابْنِ مِقْسَمٍ: وَيُسَفِّكُ: بِضَمِّ الْيَاءِ ، وَفَتْحِ السِّينِ ، وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ مَعَ كَسْرِهَا ، وَهِيَ لِتَكْثِيرِ الْفِعْلِ وَتَكْرِيرِهِ . وَسَفْكُ الدَّمِ: صَبُّهُ وَإِرَاقَتُهُ وَسَفْحُهُ ، وَذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ فِي كُلِّ مُضَيَّعٍ ، إِلَّا أَنَّ السَّفْكَ يَخْتَصُّ الدَّمَ ، وَالصَّبَّ وَالسَّفْحَ وَالْإِرَاقَةَ يُقَالُ فِي الدَّمِ وَفِي غَيْرِهِ .
وَفِي مَعْنَى تَسْبِيحِهِمْ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُ الصَّلَاةُ ، قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَوْلُهُ: سُبْحَانَ اللَّهِ ، قَالَهُ قَتَادَةُ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ التَّعْظِيمُ وَالْحَمْدُ ، قَالَهُ أَبُو صَالِحٍ . وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ الْخُضُوعُ وَالذُّلُّ ، قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَنْبَارِيِّ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَنُقَدِّسُ لَكَ .
الْقُدْسُ: الطَّهَارَةُ ، وَفِي مَعْنَى تَقْدِيسِهِمْ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّ مَعْنَاهُ: نَتَطَهَّرُ لَكَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: نُعَظِّمُكَ وَنَكْبُرُكُ ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ . وَالثَّالِثُ: نُصَلِّي لَكَ ، قَالَهُ قَتَادَةُ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ .
فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّ مَعْنَاهُ: أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِ إِبْلِيسَ مِنَ الْبَغْيِ وَالْمَعْصِيَةِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالسُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ . وَالثَّانِي: أَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذَلِكَ الْخَلِيفَةِ أَنْبِيَاءٌ [ ص: 62 ] وَصَالِحُونَ قَالَهُ قَتَادَةُ . وَالثَّالِثُ: أَعْلَمُ أَنِّي أَمْلَأُ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ .
وَالرَّابِعُ: أَعْلَمُ عَوَاقِبَ الْأُمُورِ ، فَأَنَا أَبْتَلِي مَنْ تَظُنُّونَ أَنَّهُ مُطِيعٌ ، فَيُؤَدِّيهِ الِابْتِلَاءُ إِلَى الْمَعْصِيَةِ كِإِبْلِيسَ ، وَمَنْ تَظُنُّونَ بِهِ الْمَعْصِيَةَ فَيُطِيعُ ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ .
الْإِشَارَةُ إِلَى خَلْقِ آَدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ
رَوَى أَبُو مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ ، عَزَّ وَجَلَّ ، خَلَقَ آَدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ ، فَجَاءَ بَنُو آَدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ ، مِنْهُمُ الْأَحْمَرُ [وَالْأَبْيَضُ ] وَالْأَسْوَدُ ، وَبَيْنَ ذَلِكَ ، وَالسَّهْلُ وَالْحَزَنُ ، وَبَيْنَ ذَلِكَ ، وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ" قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ . وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ: "خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى آَدَمَ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا" . وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي أَفْرَادِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ: "خَلَقَ اللَّهُ آَدَمَ بَعْدَ الْعَصْرِ يَوْمَ الْجُمْعَةَ آَخِرَ الْخَلْقِ فِي آَخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْجُمْعَةِ ، مَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ ، أَتَتْهُ النَّفْخَةُ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ، فَجَعَلَتْ لَا تَجْرِي مِنْهُ فِي شَيْءٍ إِلَّا صَارَ لَحْمًا وَدَمًا .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا .
فِي تَسْمِيَةِ آَدَمَ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: لِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ جُبَيْرٍ ، وَالزَّجَّاجُ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ مِنَ الْأُدْمَةِ فِي اللَّوْنِ ، قَالَهُ الضَّحَّاكُ ، وَالنَّضِرُ بْنُ شُمَيْلٍ ، وَقُطْرُبٌ .
وَفِي الْأَسْمَاءِ الَّتِي عَلَّمَهُ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَلَّمَهُ كُلَّ الْأَسْمَاءِ ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، [ ص: 63 ] وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَلَّمَهُ أَسْمَاءَ مَعْدُودَةً لِمُسَمَّيَاتٍ مَخْصُوصَةٍ . ثُمَّ فِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّهُ عَلَّمَهُ أَسْمَاءَ الْمَلَائِكَةِ ، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَلَّمَهُ أَسْمَاءَ الْأَجْنَاسِ دُونَ أَنْوَاعِهَا ، كَقَوْلِكَ: إِنْسَانٌ وَمَلِكٌ وَجِنِّيٌّ وَطَائِرٌ ، قَالَهُ عِكْرِمَةُ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ عَلَّمَهُ أَسْمَاءَ مَا خَلَقَ مِنَ الْأَرْضِ مِنَ الدَّوَابِّ وَالْهَوَامِّ وَالطَّيْرِ ، قَالَ الْكَلْبِيُّ ، وَمُقَاتِلٌ ، وَابْنُ قُتَيْبَةَ . وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ عَلَّمَهُ أَسْمَاءَ ذُرِّيَّتِهِ ، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ عَرَضَهُمْ .
يُرِيدُ أَعْيَانَ الْخَلْقِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمَلَائِكَةُ هَاهُنَا: هُمُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ إِبْلِيسَ خَاصَّةً .
قَوْلُهُ تَعَالَى: أَنْبِئُونِي أَخْبَرُونِي .
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ .
فِيهِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أَنِّي لَا أَخْلُقُ خَلْقًا هُوَ أَفْضَلُ مِنْكُمْ وَأَعْلَمُ ، قَالَهُ الْحَسَنُ . وَالثَّانِي: أَنِّي أَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا ، قَالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: قَالُوا سُبْحَانَكَ .
قَالَ الزَّجَّاجُ: لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ التَّسْبِيحَ هُوَ: التَّنْزِيهُ لِلَّهِ تَعَالَى عَنْ كُلِّ سُوءٍ . وَالْعَلِيمُ بِمَعْنَى: الْعَالِمِ ، جَاءَ عَلَى بِنَاءِ "فَعِيلٍ" لِلْمُبَالَغَةِ . وَفِي الْحَكِيمِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بِمَعْنَى الْحَاكِمِ ، قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ . وَالثَّانِي: الْمُحْكِمُ لِلْأَشْيَاءِ ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ أَيْ: أَخْبَرَهُمْ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنْبِئْهِمْ بِكَسْرِ الْهَاءِ ، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ عَلَى الْأَصْلِ ، لِأَنَّ أَصْلَ هَذَا الضَّمِيرِ أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ مَضْمُومَةً فِيهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ: ضَرْبَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ ، وَهَذَا لَهُمْ . وَمَنْ كَسَرَ أَتْبَعَ كَسْرَ الْهَاءِ الَّتِي قَبْلَهَا وَهِيَ كَسْرَةُ الْبَاءِ . وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ تَعُودُ عَلَى الْمَلَائِكَةِ . وَفِي الْهَاءِ وَالْمِيمِ [ ص: 64 ] مِنْ "أَسْمَائِهِمْ" قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَعُودُ عَلَى الْمَخْلُوقَاتِ الَّتِي عَرَضَهَا ، قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ .
وَالثَّانِي: أَنَّهَا تَعُودُ عَلَى الْمَلَائِكَةِ ، قَالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ .
وَفِي الَّذِي أَبْدُوهُ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَوْلُهُمْ: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا ، ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَا أَظْهَرُوهُ مِنَ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِلَّهِ حَيْثُ مَرُّوا عَلَى جَسَدِ آَدَمَ ، فَقَالَ إِبْلِيسُ: إِنَّ فَضْلَ هَذَا عَلَيْكُمْ مَا تَصْنَعُونَ؟ فَقَالُوا: نُطِيعُ رَبَّنَا ، فَقَالَ إِبْلِيسُ فِي نَفْسِهِ: لَئِنْ فُضِّلْتُ عَلَيْهِ لَأُهْلِكْنَهُ ، وَلَئِنْ فُضِّلَ عَلَيَّ لَأَعْصِيَنَّهُ ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ .
وَفِي الَّذِي كَتَمُوهُ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ اعْتِقَادُ الْمَلَائِكَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَخْلُقُ خَلْقًا أَكْرَمَ مِنْهُمْ ، قَالَهُ الْحَسَنُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَقَتَادَةُ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَا أَسَرَّهُ إِبْلِيسُ مِنَ الْكِبَرِ وَالْعِصْيَانِ ، رَوَاهُ السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ ، وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَابْنُ جُبَيْرٍ ، وَمُقَاتِلٌ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا .
عَامَّةُ الْقُرَّاءِ عَلَى كَسْرِ التَّاءِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَالْأَعْمَشُ بِضَمِّهَا فِي الْوَصْلِ ، قَالَ الْكِسَائِيُّ: هِيَ لُغَةٌ أَزْدَشَنُوءَةَ .
وَفِي هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ جَمِيعُ الْمَلَائِكَةِ ، قَالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ . وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .
وَالسُّجُودُ فِي اللُّغَةِ: التَّوَاضُعُ وَالْخُضُوعُ ، وَأَنْشَدُوا:
سَاجِدُ الْمَنْخَرِ مَا يَرْفَعُهُ خَاشِعُ الطَّرْفِ أَصَمُّ الْمُسْتَمِعِ
وَفِي صِفَةِ سُجُودِهِمْ لِآَدَمَ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَلَى صِفَةِ سُجُودِ الصَّلَاةِ ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ .
وَالثَّانِي: أَنَّهُ الِانْحِنَاءُ وَالْمَيْلُ الْمُسَاوِي لِلرُّكُوعِ .
[ ص: 65 ]
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِلا إِبْلِيسَ .
فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ قَوْلَانِ .
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْجِنْسِ ، فَهُوَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي رِوَايَةٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، ثُمَّ مَسَخَهُ اللَّهُ تَعَالَى شَيْطَانًا . وَالثَّانِي: أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ ، فَهُوَ مِنَ الْجِنِّ ، قَالَهُ الْحَسَنُ وَالزُّهْرِيُّ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ إِبْلِيسُ مِنْ خُزَّانِ الْجَنَّةِ ، وَكَانَ يُدِيرُ أَمْرَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا . فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ اسْتُثْنِيَ وَلَيْسَ مِنَ الْجِنْسِ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ أُمِرَ بِالسُّجُودِ مَعَهُمْ ، فَاسْتُثْنِيَ مِنْهُمْ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ ، وَهَذَا كَمَا تَقُولُ: أَمَرْتُ عَبْدِي وَإِخْوَتِي فَأَطَاعُونِي إِلَّا عَبْدِي ، هَذَا قَوْلُ الزَّجَّاجِ .
وَفِي إِبْلِيسَ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ لَيْسَ بِمُشْتَقٍّ ، وَلِذَلِكَ لَا يُصْرَفُ ، هَذَا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَالزَّجَّاجِ وَابْنِ الْأَنْبَارِيِّ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْإِبْلَاسِ ، وَهُوَ: الْيَأْسُ ، رُوِيَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يُصْرَفْ ، لِأَنَّهُ لَا سَمِيَّ لَهُ ، فَاسْتُثْقِلَ . قَالَ شَيْخُنَا أَبُو مَنْصُورٍ اللُّغَوِيُّ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنَ الْإِبْلَاسِ لَصُرِفَ ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ لَوْ سَمَّيْتَ رَجُلًا: بِإِخْرِيطٍ وَإِجْفِيلٍ; لِصُرِفَ فِي الْمَعْرِفَةِ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: أَبَى مَعْنَاهُ: امْتَنَعَ ، وَاسْتَكْبَرَ اسْتَفْعَلَ مِنَ: الْكِبْرِ ، وَفِي " وَكَانَ " قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا بِمَعْنَى: صَارَ ، قَالَهُ قَتَادَةُ . وَالثَّانِي: أَنَّهَا بِمَعْنَى الْمَاضِي ، فَمَعْنَاهُ: كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ كَافِرًا ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ ، وَابْنُ الْأَنْبَارِيِّ .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ زَوْجُهُ: حَوَّاءُ ، قَالَ الْفَرَّاءُ: أَهْلُ الْحِجَازِ يَقُولُونَ لِامْرَأَةِ الرَّجُلِ: زَوْجٌ ، وَيَجْمَعُونَهَا: الْأَزْوَاجَ . وَتَمِيمٌ وَكَثِيرٌ مِنْ قِيسٍ وَأَهْلِ نَجْدٍ يَقُولُونَ: زَوْجَةٌ ، وَيَجْمَعُونَهَا: زَوْجَاتٌ . [ ص: 66 ] قَالَ الشَّاعِرُ:
فَإِنَّ الَّذِي يَسْعَى يُحِرِّشُ زَوْجَتِي كَمَاشٍ إِلَى أَسَدِ الشَّرَى يَسْتَبِيلُهَا
وَأَنْشَدَنِي أَبُو الْجَرَّاحِ:
يَا صَاحِ بَلِّغْ ذَوِي الزَّوْجَاتِ كُلِّهِمُ أَنْ لَيْسَ وَصْلٌ إِذَا انْحَلَّتْ عُرَى الذَّنَبِ
وَفِي الْجَنَّةِ الَّتِي أَسْكَنَهَا آَدَمَ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: جَنَّةُ عَدْنٍ . وَالثَّانِي: جَنَّةُ الْخُلْدِ .
وَالرَّغَدُ: الرِّزْقُ الْوَاسِعُ الْكَثِيرُ ، يُقَالُ: أَرْغَدَ فُلَانٌ: إِذَا صَارَ فِي خِصْبٍ وَسِعَةٍ .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|