توجيه النبي لمعاوية بن الحكم في الكلام في الصلاة
قال: [(قال: وبين أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة إذا عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله)].(قال: وبين أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة، إذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله)، معلوم أن المصلي، له أن يحمد الله إذا عطس، لكن لا يرفع صوته كثيراً بحيث يشوش على الناس، وأن من سمع صوته يحمد الله، فلا يجوز لأحد أن يشمته؛ لأن التشميت خطاب، ومن حديث الناس، ومن كلام الناس بعضهم مع بعض، ولهذا مر بنا أنه إذا سلم على الإنسان، وهو في الصلاة، لا يتكلم، ولا يرد بالكلام، ولكن يرد بالإشارة؛ لأن الكلام لا يجوز حتى في رد السلام؛ لأنه خطاب، السلام هو من خطاب الناس بعضهم مع بعض، ولكنه إذا عطس يحمد الله، ومن سمعه لا يشمته، ولو شمت، هو لا يجيب من شمته، لا يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم؛ لأن هذا كله من قبيل خطاب الناس بعضهم مع بعض.
قال: [(فحدقني القوم بأبصارهم)].
فحدقني القوم بأبصارهم، يعني: نظروا إلي، مستنكرين، ومنكرين عليه هذا الذي فعله من الكلام، وكونه شمت من عطس، فلما رآهم ينظرون إليه تكلم وزاد في الكلام وقال: واثكل أمياه ما لكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأفخاذهم يسكتونه، يريدون منه أن يسكت، فسكت، ولما فرغ رسول الله عليه الصلاة والسلام من الصلاة دعاه.
قال: [(فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاني بأبي وأمي هو ما ضربني ولا كهرني ولا سبني)].
(دعاني بأبي هو وأمي)، بأبي هذه ليست قسم وإنما هي تفدية، يعني: هو مفدي بأبي وأمي، أو فداؤه أبي وأمي، هذا هو المقصود بأبي وأمي، يعني: مفدي بأبي وأمي، وليس المقصود بذلك حلف بأبيه وأمه، وإنما هو تفدية، يعني: يفدي الرسول عليه الصلاة والسلام بأبيه وأمه، لهذا الخلق الكريم الذي اتصف به صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ولهذه المعاملة الحسنة التي عامله إياها، فقال: بأبي هو وأمي، هو مفدي بأبي وأمي، (ما ضربني)، يعني: ما ضربه، ما أدبه بالضرب، (ولا كهرني)، يعني: أنه ما نهره أو اكفهر في وجهه، وسبه، وإنما قال له: (إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس)، يعني: هذا الذي قلته، وهذا الذي جرى منك، هذا من الشيء الذي لا يصلح في صلاتنا، وإنما الذي يصلح هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن.
قال: [(قال: إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وتلاوة القرآن)].
إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن، الإنسان يسبح في الصلاة يقول: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي الأعلى، ويكبر في التنقلات، والانتقال من ركن إلى ركن، من هيئة إلى هيئة، ما عدا القيام من الركوع، كما عرفنا ذلك من قبل، وقراءة القرآن في حال القيام، يعني: أن المشروع في الصلاة هو: الكلام الذي هو كون الإنسان يقرأ، أو يذكر الله عز وجل، أو يسبحه، أو يكبره، هذا هو الذي يسوغ في الصلاة، أما مخاطبة الناس بعضهم مع بعض، وكلام الناس بعضهم مع بعض، هذا لا يجوز في الصلاة، وإن كان جائزاً من قبل ولكنه نسخ كما في الأحاديث التي ستأتي بعد هذا.
أمر النبي لمعاوية بن الحكم بإعتاق الجارية التي ضربها
قال: [(ثم اطلعت إلى غنيمة لي ترعاها جارية لي في قبل أحد والجوانية، وإني اطلعت فوجدت الذئب قد ذهب منها بشاه، وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون، فصككتها صكة)].ثم قال: (إني اطلعت إلى غنيمة لي، ترعاها جارية لي قبل أحد والجوانية) يعني: مكان قريب من أحد، فكانت ترعى، فرأى الذئب أخذ شاه فأكلها فغضب، وقال: أنا آسف كما يأسف الناس، فحصل له غضب، فصك هذه الجارية، ومعناه كأنها أهملت، أو أنها قصرت، أو حصل منها إخلال، ولكن الذي حمله على ذلك الغضب والأسف، ومهد لذلك فقال: لأني من بني آدم، آسف كما يأسفون، (فصككتها)، يعني: ضربها ضربة، فندم على ذلك، فأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم، فعظم ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: اعتبره أمراً عظيماً، يعني: كونه يصك هذه الجارية، ويؤذيها ويحصل منه هذا الضرب الذي حصل لها.
قال: [(فصككتها صكة ثم انصرفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فعظم ذلك علي، فقلت: يا رسول الله، أفلا اعتقها؟)].
فعظم ذلك علي، يعني: أن الذي فعلته أمر عظيم، ليس بالهين، وإساءة إلى المملوك الذي يجب الإحسان إليه، والنبي عليه الصلاة والسلام كان أوصى بالمملوكين، وكان هذا من آخر ما أوصى به عليه الصلاة والسلام، كما جاء في حديث علي رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في مرض موته: (الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم)، يعني: يحثهم على الصلاة، وعلى الرفق والإحسان بملك اليمين، قال علي رضي الله عنه: وهؤلاء الكلمات هن آخر ما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعظم هذا العمل، يعني أنه عظيم، وأمر خطير، كونه يؤذي هذه الجارية ويسيء إليها، والواجب عليه أن يحسن إليها ولا يسيء إليها.
قال: [(فقلت: يا رسول الله، أفلا أعتقها؟)].
(قلت: يا رسول الله، أفلا أعتقها)؟ يعني: أنه في جملة الكفارات، أو يريد أن يحصل منه العتق، لمن تكون تحصل بها العتق بالكفارة، يعني: تكون مؤمنة، أن تكون مؤمنة، عتق رقبة مؤمنة، يعني: في كفارة من الكفارات، فالنبي صلى الله عليه وسلم، دعاها وطلبها حتى يعرف أنها مؤمنة، وأنها مسلمة، فقال لها: (أين الله؟ قالت: في السماء، قال لها: من أنا؟ قالت: رسول الله عليه الصلاة والسلام، قال: أعتقها فإنها مؤمنة).
وسؤال النبي صلى الله عليه وسلم إياها: أين الله؟ هذا يدلنا على أن مثل هذا السؤال سائغ وأنه لا ينكر، وقد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أعلم الناس بالله عز وجل، وأعلم الناس بما يجب له وبما يمتنع عليه، وقد جاءت الآيات الكريمات، وتوافرت النصوص في السنة على استواء الله على عرشه، وعلى علوه فوق عباده، وأنه سبحانه وتعالى هو العلي الكبير، وهو العلي العظيم، وأنه الكبير المتعال، فهو عال على خلقه فوق عرشه، والنبي عليه الصلاة والسلام لما سأل الجارية قال: أين الله؟ قالت: في السماء، والله عز وجل يقول: ( أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ )[الملك:16]، والمراد بالسماء هو العلو، ليس المراد بالسماء دائماً وأبداً السموات المبنية، السبع الشداد التي خلقها الله تعالى فوقنا، فإن السماء تطلق على السماء المبنية، وتطلق على جهة العلو، كل ما علا يقال له: سماء، ومن المعلوم أن ما فوق العرش هو سماء، والله عز وجل فوق العرش، فهو في السماء بهذا المعنى، يعني: فوق العرش في السماء، وإن أريد به السماوات المبنية فإن كلمة (في) بمعنى على، يعني: معناه على السماوات المبنية فوقها وليس فيها، فالله عز وجل لا يكون حالاً في المخلوقات، والمخلوقات حقيرة وليست بشيء أمام عظمة الله عز وجل، ويوضح ذلك ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنه: (ما السماوات السبع والأراضين السبع في كف الرحمن إلا كالخردلة في كف أحدنا)، ولله المثل الأعلى، فالله عز وجل هو الكبير المتعال، والسماوات والأرضين كلها ليست بشيء أمام عظمته، وجلاله، وكبريائه، سبحانه وتعالى، والله تعالى في السماء كما أخبر عن نفسه قال: ( أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ )[الملك:16]، وحيث سأل الرسول صلى الله عليه وسلم الجارية وقال: (أين الله؟ فقالت: في السماء)، فأقرها على ذلك الرسول وقال: اعتقها فإنها مؤمنة.
وبعض المتكلمين يقولون: أن مثل هذا الكلام أنه لا يسأل عن أين الله؟ ولا يقال: أين الله؟ وقال: أن هذا يترتب عليه أن يكون الله تعالى في جهة، وكلمة (في جهة) كلمة محتملة لحق وباطل، إن أريد بالجهة: أن الله تعالى في شيء مخلوق، وأن السماوات تحويه، فهذا باطل، وهذا المعنى ليس بصحيح، والله تعالى ليس في جهة بهذا المعنى، وإن أريد به: أنه فوق العرش، وأنه فوق السماوات، فهذا المعنى صحيح، فالله عز وجل منزه عن مشابهة الخلق، وهو مباين للخلق، والخلق مباينون له، ليس حالاً بهم وليسوا حالين به، وهو سبحانه وتعالى عال على خلقه، فوق عرشه، وهو مستغن عن عرشه وما دونه سبحانه وتعالى.
قال: (أعتقها فإنها مؤمنة)، يعني: أنه ينطبق عليها هذا الوصف الذي هو كون رقبة مؤمنة، يعني: من عليه عتق رقبة مؤمنة، أو إذا كان عليه عتق رقبة مؤمنة، فيمكنك أن تعتق هذه الرقبة المؤمنة في هذه الكفارة.
تراجم رجال إسناد حديث معاوية بن الحكم في تشميته العاطس في الصلاة وقول النبي له في ذلك
قوله: [أخبرنا إسحاق بن منصور]. هو الكوسج المروزي، الملقب الكوسج، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة، إلا أبا داود فإنه لم يخرج له شيئاً.
وهناك في رجال الكتب الستة إسحاق بن منصور آخر، وهو السلولي، ولكن هذا متقدم، أدركه النسائي، فلا يروي عنه مباشرة، وإنما روايته عنه بواسطة، فإذا جاء إسحاق بن منصور، يروي عن النسائي مباشرة، فالمراد به الكوسج، وإذا جاء إسحاق بن منصور يروي عنه بواسطة فالمراد به السلولي.
[حدثنا محمد بن يوسف].
محمد بن يوسف الفريابي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا الأوزاعي].
وهو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، فقيه الشام، ومحدثها، إمام من أئمة الحديث والفقه، وهو من أهل الشام، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وكنيته توافق اسم أبيه، لأنه عبد الرحمن بن عمرو، وهو أبو عمرو، وقد عرفنا أن هذا من أنواع علوم الحديث، وفائدة معرفته: أن لا يظن التصحيف فيما لو قيل: عبد الرحمن أبو عمرو أو قيل: عبد الرحمن بن عمرو، كل ذلك صحيح، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا يحيى بن أبي كثير].
وهو اليمامي، وهو ثقة، ثبت، يرسل، ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن هلال بن أبي ميمونة].
هو هلال بن علي بن أبي ميمونة، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثني عطاء بن يسار].
هو عطاء بن يسار الهلالي مولى ميمونة، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن معاوية بن الحكم السلمي].
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي. شرح حديث زيد بن أرقم في منع الكلام في الصلاة بعد أن كان جائزاً أول الأمر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا إسماعيل بن أبي خالد حدثني الحارث بن شبيل عن أبي عمرو الشيباني عن زيد بن أرقم رضي الله عنه أنه قال: (كان الرجل يكلم صاحبه في الصلاة بالحاجة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلت هذه الآية: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ )[البقرة:238]، فأمرنا بالسكوت)].فالباب هو باب الكلام في الصلاة، فقد مر فيه بعض الأحاديث في الدرس الماضي، وبقي فيه بعض الأحاديث، ومنها: هذا الحديث الذي هو حديث زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه، أنه قال: (كان الرجل يكلم صاحبه في الصلاة بالحاجة حتى نزل قول الله عز وجل: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ )[البقرة:238]، فأمرنا بالسكوت)، وفي بعض الروايات: (ونهينا عن الكلام)، والحديث دال على: أن الكلام في الصلاة، كان في أول الأمر سائغاً، وأن الواحد يحدث صاحبه في الصلاة بحاجته، وكذلك يسلم الواحد فيرد عليه السلام وهو في الصلاة، ثم بعد ذلك نسخ كما جاء مبيناً في هذا الحديث، حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه.
والحاصل: أن الكلام في الصلاة كالكلام في الطواف الآن، الطواف كما هو معلوم الحكم فيه مستقر، بأن الإنسان يكلم صاحبه في الطواف للحاجة، لا مانع من الكلام في الطواف، وكان الأمر بالنسبة للصلاة مثل الحال بالنسبة للطواف، يكلم الإنسان صاحبه لحاجته، فلما نزلت هذه الآية أمروا بالسكوت ونهوا عن الكلام.
والحديث يدل على نسخ ما كان معهوداً في أول الأمر، من الكلام في الصلاة، ويدل أيضاً على أن السنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه؛ لأن قوله: ( وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ )[البقرة:238]، بين هذا الصحابي أنها لما نزلت هذه الآية، أمروا بالسكوت ونهوا عن الكلام، ومن المعلوم أن القنوت هو الإقبال على الصلاة، وعدم التشاغل بأي شيء يشغل عنها، ومن ذلك الكلام الذي يكون بين الناس في حاجاتهم، وما يريده بعضهم من بعض، فلا يكون هناك كلام في الصلاة، وإنما يكون الكلام قبل تكبيرة الإحرام وبعد التسليم؛ ولهذا يعرفون الصلاة بأنها: أقوال وأفعال مبتدأة بالتكبير مختتمة بالتسليم، والتكبير هو تكبيرة الإحرام، فهو يحرم على الإنسان بعدها ما كان حلالاً له قبلها، ومن ذلك الكلام، وكان الكلام في أول الأمر سائغاً، ثم نسخ كما جاء مبيناً في هذا الحديث، وغيره من الأحاديث التي ستأتي، وهي واضحة الدلالة على كون الكلام سائغاً أولاً، ثم إنه نسخ في آخر الأمر.
تراجم رجال إسناد حديث زيد بن أرقم في منع الكلام في الصلاة بعد أن كان جائزاً أول الأمر
قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].وهو البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده، وهو يكنى بـأبي مسعود، وكنيته توافق اسم أبيه، هو أبو مسعود، وهو إسماعيل بن مسعود، ولهذا نظائر كثيرة، سبق أن مر ذكر أمثلة منها، مثل: أبو أسامة حماد بن أسامة، ومثل: عبد الرحمن الأوزاعي فهو عبد الرحمن بن عمرو أبو عمرو، وأمثلة عديدة لا يحضرني منها الآن إلا هذا الذي ذكرته، وهذا الذي معنا إسماعيل بن مسعود، وغيرهم من هؤلاء الذين ذكرتهم.
وفائدة معرفة هذا النوع: ألا يظن التصحيف فيما لو ذكر بالكنية مع الاسم، أو ذكرت النسبة مع الاسم، كل ذلك صحيح، إن قيل: إسماعيل بن مسعود فهو صحيح، وإن قيل: إسماعيل أبو مسعود فهو صحيح، وحديثه أخرجه النسائي وحده.
[عن يحيى بن سعيد].
وهو القطان، المحدث، الناقد، المتكلم في الرجال في الجرح والتعديل، بل هو من أئمة الجرح والتعديل، وهو بصري، ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن إسماعيل بن أبي خالد].
هو إسماعيل بن أبي خالد البجلي، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الحارث بن شبيل].
وهو: أيضاً بجلي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، إلا ابن ماجه، فإنه لم يخرج له شيئاً.
[عن أبي عمرو الشيباني].
واسمه سعد بن إياس، وهو ثقة، مخضرم، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن زيد].
هو زيد بن أرقم، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صحابي مشهور، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث: (إن الله عز وجل أحدث في الصلاة أن لا تكلموا إلا بذكر الله وما ينبغي لكم ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن عمار حدثنا ابن أبي غنية واسمه يحيى بن عبد الملك والقاسم بن يزيد الجرمي عن سفيان عن الزبير بن عدي عن كلثوم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وهذا حديث القاسم، قال: (كنت آتي النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فأسلم عليه فيرد علي، فأتيته فسلمت عليه وهو يصلي فلم يرد علي، فلما سلم أشار إلى القوم فقال: إن الله عز وجل أحدث في الصلاة أن لا تكلموا إلا بذكر الله وما ينبغي لكم، وأن تقوموا لله قانتين)].أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود، وهو دال على ما دل عليه حديث زيد بن أرقم، من أن الكلام في الصلاة كان سائغاً، ثم إنه منع وحرم، فـعبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنت آتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في الصلاة فأسلم عليه فيرد علي، فجاء إليه مرة فسلم، فلم يرد عليه، فلما فرغ من صلاته أشار إلى القوم، يعني: وبين هذا الحكم للناس، وقال: (إن الله يحدث من أمره ما شاء، وإن مما أحدثه ألا تكلموا إلا بذكر الله، وما ينبغي لكم)، يعني: وما ينبغي لكم أن تتكلموا به، الذي هو ذكر الله والتسبيح والتكبير وقراءة القرآن، وما إلى ذلك من الأمور السائغة.
(وأن تقوموا لله قانتين)، مقبلين على صلاتكم، لا تتشاغلون عنها بأي شاغل، ومن ذلك ما يكون من بعضهم، من الحديث في بعض الحوائج، وفي السلام وغير ذلك، فإن الكلام منع منه في الصلاة، إلا الكلام الذي هو من أعمال الصلاة، كقراءة القرآن، والتسبيح، والتحميد، وذكر الله عز وجل، والدعاء، والاستغفار، وما إلى ذلك من الأمور المشروعة التي يؤتى بها في الصلاة، هذا هو الكلام السائغ، وأما الكلام الذي هو خطاب بين الناس، أو تحدث بين الناس في حاجاتهم، وأمورهم الخاصة، أو يسلم بعضهم على بعض، أو يشمت بعضهم إذا عطس، كل هذا لا يجوز في الصلاة، وقد منع منه في آخر الأمر.
وقد مر بنا حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه، الذي شمت فيه رجلاً، فنظر إليه الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وتكلم في الصلاة قال: ما بالكم تنظرون إلي؟ ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه وكلمه وقال: (إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتحميد وقراءة القرآن وذكر الله عز وجل)، هذا هو الذي يسوغ في الصلاة، وما عدا ذلك من التخاطب بين الناس، وكلام الناس بعضهم مع بعض، فإن هذا منع منه، وكان مباحاً أولاً، ثم إنه حرم أخيراً.
والرسول صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، يعني: كان يرد السلام وهو في الصلاة، كما بينه ابن مسعود، وفي هذه المرة جاءه وسلم وما رد عليه السلام، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم، بين السبب في كونه ما رد السلام، وهو أن الله تعالى مما أحدثه، يعني: الحكم الذي شرعه، والأمر الذي نزل به الوحي على رسول الله عليه الصلاة والسلام أخيراً، هو أن لا يتكلم في الصلاة إلا فيما هو ذكر لله عز وجل، وقراءة القرآن.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن الله عز وجل أحدث في الصلاة أن لا تكلموا إلا بذكر الله وما ينبغي لكم ...)
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن عمار].محمد بن عبد الله بن عمار، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا ابن أبي غنية].
واسمه يحيى بن عبد الملك، وهو صدوق له أفراد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، إلا أبا داود، فإنه لم يخرج له في السنن، ولكنه خرج له في كتاب المراسيل.
[والقاسم بن يزيد الجرمي].
وهو الموصلي، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
[عن سفيان].
وهو الثوري، وهو المحدث، الفقيه، الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الزبير بن عدي].
ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن كلثوم].
هو ابن علقمة بن المصطلق، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه .
[عن عبد الله بن مسعود].
عبد الله بن مسعود الهذلي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن المهاجرين، وهو من علماء الصحابة، وكانت وفاته سنة 32هـ، وليس هو أحد العبادلة الأربعة، وقد قاله بعضهم، ولكن الصحيح أن الأربعة كلهم، من صغار الصحابة، وابن مسعود ليس منهم، وقد أدركهم من لم يدرك ابن مسعود وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، هؤلاء هم العبادلة الأربعة، إذا جاء ذكر العبادلة الأربعة، وبعض العلماء يقول: أن ابن مسعود أحد العبادلة الأربعة، ولكن القول المشهور: أن العبادلة الأربعة هم كلهم من صغار الصحابة، وأما ابن مسعود فهو من كبارهم ومتقدم الوفاة، وأولئك تأخرت وفاتهم، وأدركهم كثير ممن لم يدركوا ابن مسعود؛ لأن وفاتهم فوق الستين، في هذه الحدود، يعني: بعد حوالي الضعف، بالنسبة لوفاة ابن مسعود، يعني: 32هـ، وهم فيهم من فوق السبعين، وفيهم من كان دون ذلك، فهم كلهم من صغار الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وحديث عبد الله بن مسعود أخرجه أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث: (... إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإنه قد أحدث من أمره أن لا يتكلم في الصلاة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الحسين بن حريث حدثنا سفيان عن عاصم عن أبي وائل عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فيرد علينا السلام، حتى قدمنا من أرض الحبشة فسلمت عليه فلم يرد علي، فأخذني ما قرب وما بعد، فجلست، حتى إذا قضى الصلاة قال: إن الله عز وجل يحدث من أمره ما يشاء، وإنه قد أحدث من أمره أن لا يتكلم في الصلاة)].أورد النسائي حديث ابن مسعود رضي الله عنه من طريق أخرى، وهو دال على ما دلت عليه الطريق الأولى عنه، وهو أنه كان يقول: كنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في الصلاة فيرد علينا، ولما قدمت من الحبشة، يعني: كان من المهاجرين إلى الحبشة، سلمت عليه فلم يرد علي، فبين عليه الصلاة والسلام وقال: (إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث ألا تكلموا في الصلاة)، يعني: الحكم الذي ثبت أخيراً، والذي جاء به الوحي أخيراً، هو نفس الكلام في الصلاة، إلى الحكم الذي هو: تحريم الكلام في الصلاة، كان أولاً يتكلم في الصلاة، الصحابة يكلم بعضهم بعضاً، والرسول صلى الله عليه وسلم يرد على من يسلم عليه بالكلام، وبعد ذلك مما أحدثه الله، أي الحكم الذي شرعه الله، وجاء به الوحي أخيراً، أن منع من الكلام في الصلاة، وألا يتكلم إلا في ذكر الله عز وجل، وقراءة القرآن، وما إلى ذلك.
وقوله: أخذني ما قرب وما بعد، يعني: أنه كان يفكر بالأسباب التي جعلته لا يرد عليه، ما كان منها قريباً، وما كان منها بعيداً، يعني: كثر التفكير عنده في تأمل الأسباب التي جعلت النبي صلى الله عليه وسلم لا يرد عليه، ولكن الأمر تبين أنه حكم نسخ، وأن الكلام كان سائغاً أولاً، ثم جاء تحريمه والمنع منه أخيراً.
تراجم رجال إسناد حديث: (... إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإنه قد أحدث من أمره أن لا يتكلم في الصلاة)
قوله: [عن الحسين بن حريث].هو الحسين بن حريث المروزي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه .
[حدثنا سفيان].
هو الثوري المتقدم في الإسناد الذي قبل هذا.
[عن عاصم بن بهدلة].
هو عاصم بن أبي النجود وهو بهدلة ؛ لأن أبو عاصم، اسمه بهدلة، وكنيته أبو النجود؛ ولهذا يقال: عاصم بن أبي النجود، أو يقال: عاصم بن أبي النجود بهدلة، فاسمه بهدلة أي أبوه، وكنيته أبو النجود، وهو مشهور بـعاصم بن أبي النجود، يعني: مشهور بنسبته إلى أبيه مكنى، وكذلك أيضاً ينسب إلى أبيه مسمى فيقال: عاصم بن بهدلة، وهو المقرئ المشهور، وهو حجة في القراءة، وهو صدوق له أوهام، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، لكنه مقرون في الصحيحين.
[عن أبي وائل].
أبو وائل، وهو: شقيق بن سلمة، مشهور بكنيته ومشهور باسمه، ويأتي أحياناً بالاسم، ويأتي أحياناً بالكنية، ومعرفة كنى المحدثين، من أنواع علوم الحديث، وفائدتها ألا يظن الشخص الواحد شخصين، لو ذكر في بعض الأسانيد أبو وائل كما هنا، وذكر في بعضها شقيق، الذي ما يعرف أن شقيق كنيته أبو وائل، يظن أن شقيق شخص، وأبو وائل شخص، لكن من يعرف أن أبا وائل كنية لـشقيق، يعلم أنه إن جاء بالكنية، أو جاء بالاسم فإنه لا يلتبس.
وأبو وائل شقيق بن سلمة ثقة، مخضرم، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، فهو مخضرم مثل أبي عمرو الشيباني، الذي مر قبل هذا، سعد بن إياس، ذاك مخضرم وهذا مخضرم، والمخضرمون هم: من كبار التابعين، أدركوا الجاهلية والإسلام ولم يروا النبي عليه الصلاة والسلام، ورووا عن كبار الصحابة ، وحديث أبو وائل أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن مسعود].
وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.