عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 16-12-2021, 05:03 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,414
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو)
(227)

- باب الكلام في الصلاة
لقد دلت السنة النبوية على تحريم الكلام في الصلاة، وأنها لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، وإنما هي لذكر الله والدعاء والتسبيح، وبينت السنة أن الكلام كان مباحاً ثم نهي عنه.
الكلام في الصلاة
شرح حديث أبي هريرة: (قام رسول الله إلى الصلاة وقمنا معه فقال أعرابي وهو في الصلاة: اللهم ارحمني ومحمداً ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الكلام في الصلاة.أخبرنا كثير بن عبيد حدثنا محمد بن حرب عن الزبيدي عن الزهري عن أبي سلمة: أن أبا هريرة قال: (قام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة وقمنا معه، فقال أعرابي وهو في الصلاة: اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً، فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي: لقد تحجرت واسعاً، يريد رحمة الله عز وجل)].
يقول النسائي رحمه الله: باب الكلام في الصلاة، المراد من هذه الترجمة هو: بيان أن الكلام الذي يكون بين الناس، كلام الناس بعضهم مع بعض في شئونهم، وحاجاتهم، ومصالحهم لا يجوز أن يكون في الصلاة؛ لأن الصلاة هي موضع الإقبال على الله عز وجل، في الذكر، والدعاء، وقراءة القرآن، وليست محلاً للكلام، وكان في أول الأمر، يحصل الكلام بين الصحابة في حاجاتهم، ويسلم الواحد على المصلي فيرد عليه بالسلام، وبعد ذلك نسخ هذا الحكم، فصار ذلك ممنوعاً في الصلاة، وإنما الصلاة مقصورة على قراءة القرآن، وعلى ذكر الله عز وجل، والتسبيح والتهليل والتكبير، وما إلى ذلك من الأمور المشروعة، أما كلام الناس بعضهم مع بعض، فإن ذلك لا يسوغ ولا يجوز، وكان ذلك سائغاً في أول الأمر، ثم إنه نسخ كما يأتي في الأحاديث في هذا الباب عند النسائي.
وقد أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام قام إلى الصلاة وقاموا معه في الصلاة، فقال أعرابي: اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة وسلم، قال للأعرابي: لقد تحجرت واسعاً)، يعني: رحمة الله عز وجل، حيث قال: (اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً)، التحجر في قوله: (ولا ترحم معنا أحداً)، معناه: أنه يقصر الرحمة عليهما، والله عز وجل يقول: ( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ )[الأعراف:156]، فكون هذا الأعرابي قال: ولا ترحم معنا أحداً، أي: أن الرحمة تقصر عليه وعلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام أنكر عليه ذلك، ويمكن الإنسان يسأل له ولغيره، لكن لا يسأل أن يكون ذلك الحكم مقصوراً عليه، وعلى من طلب له، ولا يكون لأحد سواهما، هذا هو الذي أرشد النبي الكريم عليه الصلاة والسلام إلى تركه، والابتعاد عنه؛ لأن هذا ينافي شمول رحمة الله، التي وسعت كل شيء.
والنبي عليه الصلاة والسلام ما كلمه في الصلاة، ما قال: لقد تحجرت واسعاً وهو في الصلاة، وإنما قال ذلك لما فرغ رسول الله عليه الصلاة والسلام من الصلاة؛ وذلك لأن الكلام في الصلاة لا يسوغ، وكان سائغاً أولاً، ثم إنه نسخ كما سيأتي في الأحاديث التي بعد هذا.
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة: (قام رسول الله إلى الصلاة وقمنا معه فقال أعرابي وهو في الصلاة: اللهم ارحمني ومحمداً ...)
قوله: [كثير بن عبيد].هو الحمصي، وهو ثقة، أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، لم يخرج له الشيخان، ولا خرج له الترمذي.
[عن محمد بن حرب].
وهو الحمصي أيضاً، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الزبيدي].
وهو محمد بن الوليد الزبيدي الحمصي، هو أيضاً حمصي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي، وهو ثقة، ثبت، هو من كبار أصحاب الزهري، وهو هنا يروي عن الزهري، وهو من كبار أصحابه، أي: الزبيدي الحمصي.
[عن الزهري].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو ثقة، فقيه، محدث، إمام، مكثر من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي قام بجمع السنة وتدوينها، بتكليف من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه، وقد قال فيه السيوطي في الألفية:
أول جامع الحديث والأثر ابن شهاب آمر له عمر
أي: أنه قام بذلك بتكليف من السلطان، بتكليف من ولي الأمر، أما الجهود الفردية، وقيام بعض السلف بتدوين السنة، وتدوين الأحاديث لأنفسهم، فهذا موجود في زمن الصحابة، وقد فعله بعض الصحابة، مثل: عبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه كان يكتب حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكن الذي حصل من الزهري، هو كونه حصل بتكليف من ولي الأمر، كلف الزهري بجمع الأحاديث وجمع السنة.
وحديث الزهري أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي سلمة].
هو ابن عبد الرحمن بن عوف المدني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين، على أحد الأقوال في السابع منهم؛ لأن الفقهاء السبعة في المدينة هم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير بن العوام، وسعيد بن المسيب، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، هؤلاء الستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، والسابع فيه ثلاثة أقوال: قيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف هذا الذي معنا، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.
[عن أبي هريرة].
هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمكثرون من الصحابة سبعة، وأكثرهم أبو هريرة، وقد جمعهم السيوطي في الألفية بقوله:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي
فـأبو هريرة هو أولهم، وهو أكثرهم حديثاً، وقد ذكرت فيما مضى: أن كثرة حديثه لها أسباب، منها: أولاً: ملازمته النبي عليه الصلاة والسلام، فكان يذهب معه، ويأكل معه إذا أكل، ويشرب إذا شرب، ملازم لرسول الله عليه الصلاة والسلام، فيسأله ويجيبه النبي عليه الصلاة والسلام، ويسأل والنبي صلى الله عليه وسلم يجيب من سأله وأبو هريرة يسمع.
ثم أيضاً: دعاء النبي عليه الصلاة والسلام له بالحفظ، وكذلك أيضاً: كونه بقي في المدينة، واستمر في المدينة، والمدينة يقصدها الناس، ويأتون إليها، فيأخذون مما عنده، ويسمعونه ما عندهم، فكانت هذه الأمور، وغيرها، من أسباب كثرة حديثه، وكونه أكثر الصحابة، وإن كان قد تأخر إسلامه، وكان إسلامه عام خيبر، ولكن هذه المدة التي بعد خيبر، لازم فيها النبي عليه الصلاة والسلام، فسمع الحديث الكثير من رسول الله عليه الصلاة والسلام، سمع منه ومن أصحابه؛ لأنه كما عرفنا مراسيل الصحابة معتبرة؛ لأنهم لا يأخذون غالباً إلا عن الصحابة، رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وهذا الإسناد مكون من ستة، ثلاثة حمصيون، وثلاثة مدنيون، فالحمصيون هم: كثير بن عبيد، ومحمد بن حرب، والزبيدي محمد بن الوليد، والمدنيون هم: الزهري، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وأبو هريرة رضي الله تعالى عنه، فنصف الإسناد حمصيون ونصفه مدنيون.
شرح حديث: (أن أعرابياً دخل المسجد فصلى ركعتين ثم قال: اللهم ارحمني ومحمداً ...) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري حدثنا سفيان أحفظه من الزهري أخبرني سعيد عن أبي هريرة: (أن أعرابياً دخل المسجد فصلى ركعتين ثم قال: اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد تحجرت واسعاً)].أورد النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وهو دال على ما دل عليه الحديث الأول، إلا أنه هنا مطلق، فإنه لما سلم رسول الله من الصلاة قال له: لقد تحجرت واسعاً، فمعنى ذلك: أن الصلاة لا يتكلم فيها بشيء من كلام الناس، وإنما الكلام هو في قراءة القرآن، والذكر، والدعاء، والتسبيح، والتهليل، والتكبير، وغير ذلك من الأمور التي هي من ذكر الله، أما كلام الناس فيما بينهم، فهذا مما كان موجوداً في أول الأمر، ثم إنه نسخ، وصار الحكم الشرعي هو: تحريم الكلام في الصلاة، أي: كلام الناس فيما بينهم، وأما الكلام الذي هو كون الإنسان يقرأ، أو يذكر الله، أو يسبح الله، أو يدعو، فإن هذا لابد منه في الصلاة، وقد جاءت به الأحاديث عن رسول الله صلاة الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن أعرابياً دخل المسجد فصلى ركعتين ثم قال: اللهم ارحمني ومحمداً ...) من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري].وهو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن مسور بن مخرمة الزهري، وهو صدوق، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن سفيان].
هو ابن عيينة؛ ولأنه يروي عن الزهري، وإذا جاء سفيان غير منسوب وهو يروي عن الزهري يحمل على ابن عيينة، ولا يحمل على الثوري؛ لأن ابن عيينة هو المعروف بالرواية عن الزهري، بخلاف الثوري فإنه ليس معروفاً بالرواية عنه، بل قال الحافظ ابن حجر في الفتح: إنه لا يروي عن الزهري إلا بواسطة، أي: الثوري، لا يروي عن الزهري إلا بواسطة، وعلى هذا: فإذا جاء سفيان، مهمل غير منسوب، فإنه يحمل على سفيان بن عيينة، لأن سفيان بن عيينة هو معروف بالرواية عن الزهري.
ثم أيضاً: كل منهما من أهل الحجاز، الزهري من أهل المدينة، وابن عيينة من أهل مكة، وسفيان الثوري من أهل الكوفة، من أهل العراق، فحصول الاتصال، وحصول الملازمة، بين الزهري وبين سفيان بن عيينة حاصل، ومعروف أن سفيان بن عيينة مكثر من الرواية عن الزهري، وكذلك سفيان الثوري غير معروف بالرواية عن الزهري.
إذاً: كلما جاء سفيان غير منسوب، يروي عن الزهري، فإنه يحمل على سفيان بن عيينة، وسفيان بن عيينة ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الزهري].
وقد مر ذكره.
[عن سعيد].
وهو سعيد بن المسيب، أحد الفقهاء السبعة الذين ذكرتهم آنفاً، وهو من الفقهاء السبعة باتفاق، بخلاف أبي سلمة بن عبد الرحمن، الذي مر في الإسناد الذي قبل هذا، فهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال، أما سعيد بن المسيب، فهو أحد السبعة باتفاق بدون خلاف، وحديث سعيد بن المسيب أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[وأبو هريرة].
مر ذكره بالإسناد الذي قبل هذا.
شرح حديث معاوية بن الحكم في تشميته العاطس في الصلاة وقول النبي له في ذلك
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن منصور حدثنا محمد بن يوسف حدثنا الأوزاعي حدثنا يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة حدثني عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي قال: (قلت: يا رسول الله! إنا حديث عهد بجاهلية فجاء الله بالإسلام، وإن رجالاً منا يتطيرون، قال: ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم، ورجال منا يأتون الكهان، قال: فلا تأتوهم، قال: يا رسول الله! ورجال منا يخطون، قال: كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك، قال: وبينا أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة إذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله، فحدقني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه، ما لكم تنظرون إلي؟! قال: فضرب القوم بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يسكتوني لكني سكت، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاني بأبي وأمي هو، ما ضربني ولا كهرني ولا سبني، ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، قال: إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وتلاوة القرآن، قال: ثم اطلعت إلى غنيمة لي ترعاها جارية لي في قبل أحد والجوانية، وأني اطلعت فوجدت الذئب قد ذهب منها بشاة، وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون، فصككتها صكة، ثم انصرفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فعظم ذلك علي، فقلت: يا رسول الله! أفلا أعتقها؟ قال: ادعها، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين الله عز وجل؟ قالت: في السماء، قال: فمن أنا؟ قالت: أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: إنها مؤمنة فأعتقها)].أورد النسائي حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله تعالى عنه: أنه جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وسأله أسئلة منها ما يتعلق بالموضوع الذي ترجم له النسائي، وهو الكلام في الصلاة، ومنها ما يتعلق بأسئلة أخرى، تتعلق بالتطير، وتتعلق بالكهانة، والإتيان إلى الكهان، وكذلك الخط في الرمل، سأله هذه الأسئلة، وأجابه رسول الله عليه الصلاة والسلام على هذه الأسئلة التي سألها.
ثم إنه وهو يصلي معه، عطس رجل من القوم فشمته، ومن المعلوم أن التشميت، كلام من كلام الناس، يخاطب شخصاً، إذا قال: يرحمك الله يخاطب شخصاً، فهو يعتبر من كلام الناس بعضهم مع بعض، فحدقه الناس بأبصارهم، يعني: ينظرون إليه، فلما رآهم ينظرون إليه قال: (وا ثكل أمياه، مالكم تنظرون إليه؟!) يعني: فزاد، فلما رآهم جعلوا يضربون على أفخاذهم يسكتونه؛ لأنهم لا يتكلمون في الصلاة، وإنما يريدون منه أن يسكت فسكت، ثم لما فرغ رسول الله عليه الصلاة والسلام من الصلاة دعاه، وقال: (إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح، والتهليل، وقراءة القرآن)، يعني: هذا هو الذي يكون في الصلاة، تسبيح، وتهليل، وذكر، ودعاء، وقراءة قرآن، هذا هو الذي يصلح من الكلام في الصلاة، أما كلام الناس بعضهم مع بعض، وتحدث بعضهم مع بعض، وسؤال بعضهم إلى بعض، وخطاب بعضهم لبعض، فهذا لا يسوغ، وكما سيأتي، كان هذا سائغاً في أول الأمر، يعني: الرجل يحدث صاحبه حتى نزل قول الله عز وجل: ( حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ )[البقرة:238]، قال: أمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام، يعني: الذي يكون فيما بينهم.
فحديث معاوية بن الحكم السلمي واضح الدلالة على ما ترجم له النسائي، وهو الكلام في الصلاة، أي: أن ذلك لا يسوغ ولا يجوز.
والمراد بالكلام: هو كلام الناس فيما بينهم، ولو كان من قبيل التشميت، تشميت العاطس بأن يقول: يرحمك الله، العاطس له أن يحمد الله إذا عطس وهو في الصلاة؛ لأن الصلاة موطن التحميد، والذكر، والدعاء، وقراءة القرآن، فإذا عطس، له أن يحمد الله، لكن لا يرفع صوته، ولكن ليس لأحد أن يشمته؛ لأن التشميت هو كلام مع الغير، والكلام مع الغير مما هو ممنوع في الصلاة.
فوائد في العقيدة من حديث معاوية بن الحكم في تشميته العاطس في الصلاة
وهذا الحديث حديث عظيم مشتمل على مسائل عديدة، منها ما يتعلق بالعقيدة، ومنها ما يتعلق بالفقه وأحكام الصلاة، ففي أول الحديث قال: [(إنا حديث عهد بجاهلية فجاء الله بالإسلام)].إنا حديث عهد بجاهلية وجاءنا الله بالإسلام، يعني: هذا تمهيد للكلام، وتمهيد للأسئلة التي كان سيسأل عنها، يعني: أنهم كانوا يفعلون هذه الأفعال في الجاهلية، ويريد أن يسأله عن حكمها في الإسلام، وهو يدلنا على ما كان عليه أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، من الحرص على التفقه في الدين، ومعرفة أحكام الشريعة، ومعرفة ما يسوغ وما لا يسوغ، فإن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال: (إنا كنا حديث عهد بجاهلية)، يعني: أسلموا حديثاً، وعهدهم بالجاهلية قريب، ومن الأفعال التي كانوا يفعلونها بالجاهلية هذه الأمور التي يريد أن يسأل عنها.
قال: [(وإن رجالاً منا يتطيرون)].
(وإن رجالاً منا يتطيرون)، يعني: في الجاهلية، ويتطيرون معناه: أنهم عندما تطير الطيور، وتذهب يميناً، أو شمالاً، يتشاءمون ويتفاءلون، ويحصل منهم الإقدام، والإحجام، بناء على كون الطيور طارت يميناً، أو شمالاً، فكانوا يتطيرون، يعني: يعملون بما يحصل من الطيور، من كونها تتضاءل أو تتشاءم، فيحصل منهم الإقدام، ويحصل منهم الإحجام، هذا هو المراد بكونهم يتطيرون، فالرسول عليه الصلاة والسلام قال: (ذلك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنكم)، يعني: عما تريدون، كون الطير يطير عن جهة الشمال، ولا يطير إلى جهة اليمين، لا يصد الإنسان عن السفر، الذي يريد أن يسافر، كونه أراد أن يسافر، ورأى طيراً ذهب جهة الشمال لا يمنعه، يعني: هذا تطير قد يقع في النفس، شيء يعرفونه في الجاهلية، لكن لا يجوز للمسلم، أن يمنعه ويحجم عن الشيء الذي هو يريده بسبب التطير، فكانوا في الجاهلية يحجمون ولا يقدمون على ما يريدون أن يقدموا عليه إذا حصل ذهابها إلى جهة الشمال، أو إلى جهة اليسار، فالرسول عليه الصلاة والسلام قال: (فلا يصدنكم)، يعني: ذلك، لا يصدنكم عما تريدون، بل امضوا لما تريدون، قال: فالطيرة: ما أمضاك أو ردك.
وقوله: (إن رجالاً منا يتطيرون)، لا يعني أن هذا من أفعال الرجال خاصة، وإنما يحصل من الرجال والنساء، لكن الغالب أن الكلام مع الرجال، كونه قال: (إن رجالاً)، فلا يعني ذلك أن النساء ما يحصل منهن ذلك، فيحصل من النساء والرجال، لكن إطلاق الرجال؛ لأن الغالب الكلام معهم، والحديث معهم، ولهذا يأتي في السنة ذكر الرجل، وليس له مفهوم، حيث أن المرأة لا تختلف عن الرجل فيه، ومن ذلك: (لا تتقدموا رمضان بيوم أو يومين إلا رجلاً كان يصوم صوماً فليصمه)، فقوله عليه الصلاة والسلام: (إلا رجلاً)، ليس معنى ذلك أن المرأة تختلف، وأن المرأة التي كانت معتادة أن تصوم يوم الاثنين، ووافق يوم ثلاثين، ليس لها ذلك، وأن ذلك حكم خاص بالرجال، لا، بل حكم الرجل والمرأة سواء في ذلك، لكن ذكر الرجل، لأن الغالب أن الكلام مع الرجال، فجاء ذكر الرجل، والرجل لا مفهوم له، أو يأتي ذكر الرجال ولا مفهوم لذكرهم، بمعنى أن النساء تخالفهم في الحكم: (إن رجالاً منا يتطيرون)، يعني: أن الغالب أن الكلام مع الرجال وفي الرجال، وليس معنا ذلك أن النساء ما تتطير.
قال: [(ورجال منا يأتون الكهان)].
(ورجال منا يأتون الكهان)، قال: (فلا تأتوهم)، يعني: في الجاهلية، والرجال يعني: الرجال والنساء، ليس الأمر خاصاً بالرجال، بل النساء كذلك تذهب إلى الكهان، وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: لا (تأتوهم)، يعني: لا تذهبوا إلى الكهان، لا يجوز الذهاب إلى الكهان، هذا العمل من أعمال الجاهلية، لا يجوز أن يفعله المسلم، هذه الأعمال تعمل في الجاهلية، ويعملها أهل الجاهلية، من الذهاب إلى الكهان، لا يجوز أن يفعل في الإسلام، وإذا وجد، فهو ارتكاب محرم، ووقوع في محذور، جاءت الشريعة في منعه، وقد جاءت الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: (من أتى كاهناً لم تقبل له صلاة أربعين يوماً)، (من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم)، فالذهاب إلى الكهان محرم لا يجوز، والكهان هم أناس من شياطين الإنس، رجال أو نساء، يتعاون معهم بعض شياطين الجن، فيحصل منهم الوقوع، أو عمل هذه الأشياء التي يكون منها: إخبار عن مغيبات، أو اطلاع على مغيبات، وما إلى ذلك، ومن المعلوم: أن الشياطين من الجن، عندهم حركة وانتقال فيطلعون على الشيء الذي يمكنهم الاطلاع عليه، ويأتون إلى إخوانهم من شياطين الإنس الذين هم الكهان، فيخبرونهم بالشيء الذي يخبرونهم به.
ومن المعلوم: أن علم المغيبات هي من خصائص الله عز وجل، والجن لا يطلعون على كل مغيب، وإنما الشيء الذي يمكنهم أن يطلعوا عليه، ويشاء الله أن يطلعوا عليه، يطلعون عليه بسرعة حركتهم وانتقالهم، لكن قد لا يتمكنون من الوصول إلى ذلك المغيب، ومن المعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما بعث، الجن حصل لهم أن منعوا من استراق السمع فصاروا يبحثون، وأرسلوا وفوداً يميناً وشمالاً يبحثون ماذا حصل؟ حتى التقى الوفد الذي جاء إلى تهامة بالرسول صلى الله عليه وسلم، وهو في طريقه إلى سوق من أسواق العرب، يدعوهم إلى الإسلام، فقرأ عليهم القرآن كما جاء ذلك في الحديث، وكما جاء في القرآن الكريم، مجيء جماعة من الجن وسماعهم للقرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أنهم رجعوا إلى قومهم منذرين.
ثم أيضاً: ما ذكره الله عز وجل عن الجن الذين سخروا لسليمان بن داود عليه الصلاة والسلام، فإنه لما مات، ما عرفوا موته إلا بعدما أكلت دابة الأرض منسأته، فخر كما قال الله عز وجل: ( فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ )[سبأ:14]، لكن بحركتهم، قد ينتقلون من مكان إلى مكان، ويعرفون الشيء الذي في المكان، فيأتي الشيطان من الجن، إلى الشيطان من الإنس فيخبره.
فهؤلاء هم الكهان الذين يدعون علم المغيبات، ويخبرون بأمور مغيبات عن طريق إخوانهم من شياطين الجن؛ ولهذا لا يجوز الذهاب إليهم، وتجب عقوبتهم ومنعهم من الوقوع في هذا الأمر المحرم، وكذلك أيضاً أخذهم العوض على ذلك حرام، يعني: كونهم يأخذون شيئاً مقابل كهانتهم، هو حرام لا يسوغ ولا يجوز، وقصة أبي بكر رضي الله تعالى عنه، في الغلام الذي قال: إني كنت تكهنت وما أحسن الكهانة، وكان حصل شيئاً، فأكل منه أبو بكر ولم يخبره، فلما علم أدخل يده في فمه، حتى أخرج ما في جوفه رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
قال: [(فلا تأتوهم، قال: يا رسول الله! ورجال منا يخطون، قال: كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك)].
قال: (ورجال منا يخطون، قال: كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك)، يخطون يعني: في الرمل، وأخبر رسول الله عليه الصلاة والسلام، أن نبياً من الأنبياء كان يخط، وكان هذا سائغاً في زمانه، والله تعالى يطلعه، ويصل إلى ما يريد بهذا العمل الذي شرع له، لكن غيره ليس له أن يقدم على ذلك، والرسول عليه الصلاة والسلام قال: (من وافق خطه فذاك)، لكن كيف يعلم الإنسان أنه وافق خطه؟ يعني: هذا لا يعلم، ولا يمكن أن يوصل إليه، إذاً: فيكون ممنوعاً، وغير سائغ أن الإنسان يخط في الأرض، ويتوصل إلى أشياء عن طريق الخط في الأرض، وهذا من أعمال الجاهلية التي جاء الإسلام بمنعها، جاء بمنع التطير والكهانة والخط في الرمل.

يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 48.27 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 47.64 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.30%)]