
04-12-2021, 05:35 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,643
الدولة :
|
|
رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد الثانى
الحلقة (134)
سُورَةُ الرَّعْدِ(1)
صـ 221 إلى صـ 225
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الرَّعْدِ
قوله تعالى : الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش .
ظاهر هذه الآية الكريمة قد يفهم منه أن السماء مرفوعة على عمد ، ولكننا لا نراها ، ونظير هذه الآية قوله أيضا في أول سورة " لقمان " : خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم [ 31 \ 10 ] .
واختلف العلماء في قوله : ترونها على قولين :
أحدهما أن لها عمدا ولكننا لا نراها ، كما يشير إليه ظاهر الآية ، وممن روي عنه هذا القول ابن عباس ، ومجاهد ، والحسن ، وقتادة ، وغير واحد ، كما قاله ابن كثير .
وروي عن قتادة أيضا أن المعنى أنها مرفوعة بلا عمد أصلا ، وهو قول إياس بن معاوية ، وهذا القول يدل عليه تصريحه تعالى في سورة " الحج " أنه هو الذي يمسكها أن تقع على الأرض في قوله : ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه [ 22 \ 65 ] .
قال ابن كثير : فعلى هذا يكون قوله : ترونها تأكيدا لنفي ذلك ، أي هي مرفوعة بغير عمد كما ترونها كذلك ، وهذا هو الأكمل في القدرة اهـ .
قال مقيده عفا الله عنه : الظاهر أن هذا القول من قبيل السالبة لا تقتضي وجود الموضوع ، والمراد أن المقصود نفي اتصاف المحكوم عليه بالمحكوم به ، وذلك صادق بصورتين :
الأولى : أن يكون المحكوم عليه موجودا ، ولكن المحكوم به منتف عنه ، كقولك ليس الإنسان بحجر ، فالإنسان موجود والحجرية منتفية عنه .
الثانية : أن يكون المحكوم عليه غير موجود فيعلم منه انتفاء الحكم عليه بذلك الأمر الموجودي ، وهذا النوع من أساليب اللغة العربية ، كما أوضحناه في كتابنا " دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب " ، ومثاله في اللغة قول امرئ القيس :
على لاحب لا يهتدي بمناره إذا سافه العود النباطي جرجرا [ ص: 222 ] أي لا منار له أصلا حتى يهتدي به ، وقوله :
لا تفزع الأرنب أهوالها ولا ترى الضب بها ينجحر
يعني : لا أرانب فيها ولا ضباب .
وعلى هذا فقوله : بغير عمد ترونها ، أي : لا عمد لها حتى تروها ، والعمد : جمع عمود على غير قياس ، ومنه قول نابغة ذبيان :
وخيس الجن إني قد أذنت لهم يبنون تدمر بالصفاح والعمد
والصفاح بالضم والتشديد : الحجر العريض .
قوله تعالى : ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات الآية .
المراد بالسيئة هنا : العقوبة وإنزال العذاب قبل الحسنة أي : قبل العافية ، وقبل الإيمان ، وقد بين تعالى في هذه الآية أن الكفار يطلبون منه صلى الله عليه وسلم أن يعجل لهم العذاب الذي يخوفهم به إن تمادوا على الكفر ، وقد بين هذا المعنى في آيات كثيرة ، كقوله : ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده [ 22 \ 47 ] ، وكقوله : ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون [ 29 \ 53 ] ، وكقوله : يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين [ 29 \ 54 ] ، وقوله : سأل سائل بعذاب واقع للكافرين [ 70 \ 1 ، 2 ] ، وقوله : وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء الآية [ 8 \ 32 ] .
وقوله : يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق [ 42 \ 18 ] ، وقوله : وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب [ 38 \ 16 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .
وسبب طلبهم لتعجيل العذاب هو العناد ، وزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كاذب فيما يخوفهم به من بأس الله وعقابه ، كما قال تعالى : ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه [ 11 \ 8 ] ، وكقوله : فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا ياصالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين [ 7 \ 77 ] ، وقوله : قالوا يانوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين [ 11 \ 32 ] ، كما تقدمت الإشارة إلى هذا .
والمثلاث : العقوبات ، واحدتها مثلة .
[ ص: 223 ] والمعنى : أنهم يطلبون تعجيل العذاب تمردا وطغيانا ، ولم يتعظوا بما أوقع الله بالأمم السالفة من المثلاث - أي العقوبات - كما فعل بقوم نوح ، وقوم هود ، وقوم صالح ، وقوم لوط ، وقوم شعيب ، وفرعون وقومه وغيرهم .
قوله تعالى : وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب .
بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه ذو مغفرة للناس على ظلمهم ، وأنه شديد العقاب ، فجمع بين الوعد والوعيد ليعظم رجاء الناس في فضله ، ويشتد خوفهم من عقابه وعذابه الشديد ; لأن مطامع العقلاء محصورة في جلب النفع ودفع الضر ، فاجتماع الخوف والطمع أدعى للطاعة وقد بين هذا المعنى في آيات كثيرة ، كقوله تعالى : فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين [ 6 \ 147 ] ، وقوله : إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم [ 6 \ 156 و 7 \ 167 ] ، وقوله جل وعلا : نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم [ 15 \ 49 ، 50 ] ، وقوله : غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول ، إلى غير ذلك من الآيات .
قوله تعالى : إنما أنت منذر ، أي : إنما عليك البلاغ والإنذار ، أما هداهم وتوفيقهم فهو بيد الله تعالى ، كما أن حسابهم عليه جل وعلا .
وقد بين هذا المعنى في آيات كثيرة ، كقوله : ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء [ 2 \ 272 ] ، وقوله : فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب [ 13 \ 40 ] ، ونحو ذلك من الآيات .
قوله تعالى : ولكل قوم هاد .
أظهر الأقوال في هذه الآية الكريمة أن المراد بالقوم الأمة ، والمراد بالهادي الرسول ، كما يدل له قوله تعالى : ولكل أمة رسول الآية [ 10 \ 47 ] ، وقوله : وإن من أمة إلا خلا فيها نذير [ 35 \ 24 ] ، وقوله : ولقد بعثنا في كل أمة رسولا الآية [ 16 \ 36 ] ، وقد أوضحنا أقوال العلماء وأدلتها في هذه الآية الكريمة في كتابنا " دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب " .
قوله تعالى : الله يعلم ما تحمل كل أنثى .
لفظة " ما " في هذه الآية يحتمل أن تكون موصولة والعائد محذوف ، أي يعلم الذي تحمله كل أنثى . وعلى هذا فالمعنى : يعلم ما تحمله من الولد على أي حال هو من ذكورة ، وأنوثة ، وخداج ، وحسن ، وقبح ، [ ص: 224 ] وطول ، وقصر ، وسعادة ، وشقاوة إلى غير ذلك من الأحوال .
وقد دلت على هذا المعنى آيات من كتاب الله ، كقوله : ويعلم ما في الأرحام [ 31 \ 34 ] ; لأن " ما " فيه موصولة بلا نزاع ، وكقوله : هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم [ 53 \ 32 ] ، وقوله : هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء الآية [ 3 \ 6 ] .
ويحتمل أيضا : أن تكون لفظة " ما " في الآية الكريمة مصدرية ، أي يعلم حمل كل أنثى بالمعنى المصدري ، وقد جاءت آيات تدل أيضا على هذا المعنى ، كقوله : وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب [ 35 \ 11 ] ، وقوله : إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه الآية [ 41 \ 47 ] .
وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية قد يكون لها وجهان كلاهما حق ، وكلاهما يشهد له قرآن ، فنذكر الجميع .
وأما احتمال كون لفظة " ما " في هذه الآية استفهامية ، فهو بعيد فيما يظهر لي ، وإن قال به بعض أهل العلم ، وقد دلت السنة الصحيحة على أن علم ما في الأرحام المنصوص عليه في الآيات المذكورة ، مما استأثر الله به دون خلقه ، وذلك هو ما ثبت في صحيح البخاري من أن المراد بمفاتح الغيب في قوله تعالى : وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو [ 6 \ 59 ] الخمس المذكورة في قوله تعالى : إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت [ 31 \ 34 ] ، والاحتمالان المذكوران في لفظة " ما " من قوله : يعلم ما تحمل الآية [ 13 \ 8 ] جاريان أيضا في قوله : وما تغيض الأرحام وما تزداد [ 13 \ 8 ] فعلى كونها موصولة فيهما ، فالمعنى يعلم الذي تنقصه وتزيده ، وعلى كونها مصدرية ، فالمعنى يعلم نقصها وزيادتها .
واختلف العلماء في المراد بقوله : وما تغيض الأرحام وما تزداد [ 13 \ 8 ] ، وهذه أقوالهم في الآية بواسطة نقل " صاحب الدر المنثور في التفسير بالمأثور " : أخرج ابن جرير ، عن الضحاك في قوله وما تغيض الأرحام وما تزداد ، قال : " هي المرأة ترى الدم في حملها " .
[ ص: 225 ] وأخرج ابن أبي شيبة ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وأبو الشيخ ، عن مجاهد في قوله : وما تغيض الأرحام ، قال : " خروج الدم " وما تزداد ، قال : " استمساكه " .
وأخرج ابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : وما تغيض الأرحام ، قال : " أن ترى الدم في حملها " وما تزداد ، قال : " في التسعة الأشهر " .
وأخرج ابن أبي حاتم ، من طريق الضحاك ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : وما تغيض الأرحام وما تزداد ، قال : " ما تزداد على التسعة وما تنقص من التسعة " .
وأخرج ابن المنذر ، وأبو الشيخ ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : وما تغيض الأرحام ، قال : " ما دون تسعة أشهر وما تزداد فوق التسعة " .
وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله : وما تغيض الأرحام ، يعني : " السقط " ، وما تزداد ، يقول : " ما زادت في الحمل على ما غاضت حتى ولدته تماما ، وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر ، ومنهن من تحمل تسعة أشهر ، ومنهن من تزيد في الحمل ، ومنهن من تنقص ، فذلك الغيض ، والزيادة التي ذكر الله تعالى ، وكل ذلك بعلمه تعالى " .
وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، عن الضحاك رضي الله عنه ، قال : " ما دون التسعة أشهر فهو غيض وما فوقها فهو زيادة " .
وأخرج ابن أبي شيبة ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، عن عكرمة - رضي الله عنه - قال : " ما غاض الرحم بالدم يوما إلا زاد في الحمل يوما حتى تكمل تسعة أشهر طاهرا " .
وأخرج ابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن الحسن - رضي الله عنه - في قوله : وما تغيض الأرحام ، قال : " السقط " وأخرج ابن أبي شيبة ، وابن المنذر ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في الآية ، قال : " إذا رأت الدم هش الولد وإذا لم تر الدم عظم الولد " اهـ . من " الدر المنثور في التفسير بالمأثور " .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|