عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 04-12-2021, 05:35 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,570
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد الثانى
الحلقة (133)

سُورَةُ يُوسُفَ (4)
صـ 216 إلى صـ 220

قوله تعالى : وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم .

يفهم من هذه الآية لزوم الحكم بالقرينة الواضحة الدالة على صدق أحد الخصمين وكذب الآخر ; لأن ذكر الله لهذه القصة في معرض تسليم الاستدلال بتلك القرينة على براءة يوسف يدل على أن الحكم بمثل ذلك حق وصواب ; لأن كون القميص مشقوقا من جهة دبره دليل واضح على أنه هارب عنها ، وهي تنوشه من خلفه ، ولكنه تعالى بين في موضع آخر أن محل العمل بالقرينة ما لم تعارضها [ ص: 216 ] قرينة أقوى منها ، فإن عارضتها قرينة أقوى منها أبطلتها ، وذلك في قوله تعالى : وجاءوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل [ 12 \ 18 ] ; لأن أولاد يعقوب لما جعلوا يوسف في غيابة الجب ، جعلوا على قميصه دم سخلة ; ليكون وجود الدم على قميصه قرينة على صدقهم في دعواهم أنه أكله الذئب . ولا شك أن الدم قرينة على افتراس الذئب له ، ولكن يعقوب أبطل قرينتهم هذه بقرينة أقوى منها ، وهي عدم شق القميص ، فقال : سبحان الله ! متى كان الذئب حليما كيسا يقتل يوسف ولا يشق قميصه ; ولذا صرح بتكذيبه لهم في قوله : بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون [ 12 \ 18 ] .

وهذه الآيات المذكورة أصل في الحكم بالقرائن .

ومن أمثلة الحكم بالقرينة : الرجل يتزوج المرأة من غير أن يراها سابقا ، فتزفها إليه ولائد لا يثبت بشهادتهن أن هذه هي فلانة التي وقع عليها العقد ، فيجوز له جماعها من غير احتياج إلى بينة تشهد على عينها أنها هي التي وقع العقد عليها ، اعتمادا على قرينة النكاح .

وكالرجل ينزل ضيفا عند قوم ، فتأتيه الوليدة أو الغلام بالطعام ، فيجوز له الأكل من غير احتياج إلى ما يثبت إذن مالك الطعام له في الأكل ، اعتمادا على القرينة .

وكقول مالك ومن وافقه : إن من شم في فيه ريح الخمر يحد حد الشارب ، اعتمادا على القرينة ; لأن وجود ريحها في فيه قرينة على أنه شربها ، وكمسائل اللوث وغير ذلك .

وقد قدمنا في سورة المائدة صحة الاحتجاج بمثل هذه القرائن ، وأوضحنا بالأدلة القرآنية ، أن التحقيق أن شرع من قبلنا الثابت بشرعنا شرع لنا ، إلا بدليل على النسخ غاية الإيضاح ، والعلم عند الله تعالى .

وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى : وجاءوا على قميصه بدم كذب . [ 12 \ 18 ]

استدل الفقهاء بهذه الآية في إعمال الأمارات في مسائل من الفقه ، كالقسامة وغيرها ، وأجمعوا على أن يعقوب عليه السلام استدل على كذبهم بصحة القميص .

وهكذا يجب على الناظر أن يلحظ الأمارات والعلامات إذا تعارضت ، فما ترجح منها قضى بجانب الترجيح ، وهي قوة التهمة ، ولا خلاف في الحكم بها ، قاله ابن العربي . اهـ كلام القرطبي .

[ ص: 217 ] واختلف العلماء في الشاهد في قوله : وشهد شاهد من أهلها [ 12 \ 26 ] .

فقال بعض العلماء : هو صبي في المهد ، وممن قال ذلك ابن عباس ، والضحاك ، وسعيد بن جبير .

وعن ابن عباس أيضا أنه رجل ذو لحية ، ونحوه عن الحسن .

وعن زيد بن أسلم أنه ابن عم لها كان حكيما ، ونحوه عن قتادة ، وعكرمة .

وعن مجاهد أنه ليس بإنسي ، ولا جان ، هو خلق من خلق الله .

قال مقيده عفا الله عنه : قول مجاهد هذا يرده قوله تعالى : من أهلها [ 12 \ 26 ] ; لأنه صريح في أنه إنسي من أهل المرأة . وأظهر الأقوال : أنه صبي ، لما رواه أحمد ، وابن جرير ، والبيهقي في الدلائل ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " تكلم أربعة وهم صغار : ابن ماشطة فرعون ، وشاهد يوسف ، وصاحب جريج ، وعيسى ابن مريم " اهـ .
قوله تعالى : إن كيدكن عظيم .

هذه الآية الكريمة إذا ضمت لها آية أخرى حصل بذلك بيان أن كيد النساء أعظم من كيد الشيطان ، والآية المذكورة هي قوله : إن كيد الشيطان كان ضعيفا [ 4 \ 76 ] ; لأن قوله في النساء : إن كيدكن عظيم [ 12 \ 28 ] ، وقوله في الشيطان : إن كيد الشيطان كان ضعيفا [ 4 \ 76 ] ، يدل على أن كيدهن أعظم من كيده .

قال القرطبي : قال مقاتل ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن كيد النساء أعظم من كيد الشيطان " ; لأن الله تعالى يقول : إن كيد الشيطان كان ضعيفا ، وقال : إن كيدكن عظيم ا هـ .

وقال الأديب الحسن بن آية الحسني الشنقيطي :


ما استعظم الإله كيدهنه إلا لأنهن هن هنه
قوله تعالى : وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم .

بين الله تعالى في هذه الآية الكريمة ثناء هؤلاء النسوة على يوسف بهذه الصفات الحميدة فيما بينهن ، ثم بين اعترافهن بذلك عند سؤال الملك لهن أمام الناس في قوله : قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه الآية [ 12 \ 51 ] .
[ ص: 218 ] قوله تعالى : وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون .

لم يبين هنا هذا الذي أجمعوا أمرهم عليه ، ولم يبين هنا أيضا المراد بمكرهم ، ولكنه بين في أول هذه السورة الكريمة أن الذي أجمعوا أمرهم عليه هو جعله في غيابة الجب ، وأن مكرهم هو ما فعلوه بأبيهم يعقوب وأخيهم يوسف ، وذلك في قوله : فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب إلى قوله : والله المستعان على ما تصفون [ 12 \ 18 ] .

وقد أشار تعالى في هذه الآية الكريمة إلى صحة نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم ; لأنه أنزل عليه هذا القرآن ، وفصل له هذه القصة ، مع أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن حاضرا لدى أولاد يعقوب حين أجمعوا أمرهم على المكر به ، وجعله في غيابة الجب ، فلولا أن الله أوحى إليه ذلك ما عرفه من تلقاء نفسه .

والآيات المشيرة لإثبات رسالته ، بدليل إخباره بالقصص الماضية التي لا يمكنه علم حقائقها إلا عن طريق الوحي كثيرة ، كقوله : وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم الآية [ 3 \ 44 ] .

وقوله : وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر الآية [ 28 \ 44 ] .

وقوله : وما كنت ثاويا في أهل مدين [ 28 \ 45 ] .

وقوله : وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك الآية [ 28 \ 46 ] .

وقوله : ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين [ 38 \ 69 ، 70 ] .

وقوله : تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا الآية [ 11 \ 49 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .

فهذه الآيات من أوضح الأدلة على أنه صلى الله عليه وسلم رسول كريم ، وإن كانت المعجزات الباهرة الدالة على ذلك أكثر من الحصر .
قوله تعالى : وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون .

قال ابن عباس ، والحسن ، ومجاهد ، وعامر الشعبي ، وأكثر المفسرين : إن معنى هذه الآية أن أكثر الناس ، وهم الكفار ما كانوا يؤمنون بالله بتوحيدهم له في ربوبيته إلا وهم مشركون به غيره في عبادته .

فالمراد بإيمانهم اعترافهم بأنه ربهم الذي هو خالقهم ، ومدبر شئونهم ، والمراد بشركهم عبادتهم غيره معه ، والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة جدا ، كقوله : قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون [ ص: 219 ] [ 10 \ 31 ] ، وكقوله : ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون [ 43 \ 87 ] ، وقوله : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم [ 43 \ 9 ] ، وقوله : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون [ 29 \ 61 ] ، وقوله : ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون [ 29 \ 63 ] ، وقوله : قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون [ 23 \ 84 - 88 ] إلى غير ذلك من الآيات .

ومع هذا فإنهم قالوا : أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب [ 38 \ 5 ] .

وهذه الآيات القرآنية تدل على أن توحيد الربوبية لا ينقذ من الكفر إلا إذا كان معه توحيد العبادة ، أي عبادة الله وحده لا شريك له ، ويدل لذلك قوله تعالى : وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون [ 12 \ 106 ] .

وفي هذه الآية الكريمة إشكال : وهو أن المقرر في علم البلاغة أن الحال قيد لعاملها وصف لصاحبها ، وعليه فإن عامل هذه الجملة الحالية الذي هو " يؤمن " مقيد بها ، فيصير المعنى تقييد إيمانهم بكونهم مشركين ، وهو مشكل لما بين الإيمان والشرك من المنافاة .

قال مقيده عفا الله عنه : لم أر من شفى الغليل في هذا الإشكال ، والذي يظهر لي والله تعالى أعلم أن هذا الإيمان المقيد بحال الشرك إنما هو إيمان لغوي لا شرعي ; لأن من يعبد مع الله غيره لا يصدق عليه اسم الإيمان البتة شرعا .

أما الإيمان اللغوي فهو يشمل كل تصديق ، فتصديق الكافر بأن الله هو الخالق الرازق يصدق عليه اسم الإيمان لغة مع كفره بالله ، ولا يصدق عليه اسم الإيمان شرعا .

وإذا حققت ذلك علمت أن الإيمان اللغوي يجامع الشرك فلا إشكال في تقييده به ، وكذلك الإسلام الموجود دون الإيمان في قوله تعالى : قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم [ 49 \ 14 ] ، فهو الإسلام اللغوي ; لأن الإسلام الشرعي لا يوجد ممن لم يدخل الإيمان في قلبه ، والعلم عند الله تعالى .

[ ص: 220 ] وقال بعض العلماء : " نزلت آية وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون [ 12 \ 106 ] ، في قول الكفار في تلبيتهم : لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك ، وهو راجع إلى ما ذكرنا .
قوله تعالى : لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب .

ذكر الله جل وعلا في هذه الآية أن في أخبار المرسلين مع أممهم ، وكيف نجى الله المؤمنين وأهلك الكافرين - عبرة لأولي الألباب ، أي عظة لأهل العقول .

وبين هذا المعنى في آيات كثيرة ، كقوله في قوم لوط : وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون [ 37 \ 137 ] ، كما تقدمت الإشارة إليه مرارا ، والعلم عند الله تعالى .





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 28.60 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 27.97 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.20%)]