أجيب عنه من وجهين:
أحدهما:أن هذا مخالف لقول ابن عمر رضي الله عنهمانفسه: «فَرَدَّهَا عَلَيَّ، وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا»[57].
الآخر:لم يقل فيه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حسبها تطليقة، ولا أنه صلى الله عليه وسلم هوالذي قال له: اعتدَّ بها طلقة، إنما هو إخبار عن نفسه، ولا حجة في فعله،ولا فعل أحد دون رسول اللهصلى الله عليه وسلم[58].
4-عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، «أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَأَتَى عُمَرُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَجَعَلَهَا وَاحِدَةً»[59].
وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم حسبها طلقة، وهذا نص في موضعالخلاف، فيجب المصير إليه[60].
أجيب بأن هذه اللفظة لو كانت من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قدَّمنا عليها شيئا، ولصرنا إليها بأول وهلة، ولكن لا ندري أقالها ابن وهب من عنده، أم ابن أبي ذئب، أم نافع؟ فلا يجوز أن يضاف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا يُتيقن أنه من كلامه، ويشهد به عليه، وترتب عليه الأحكام، والظاهر أنها من قول من دون ابن عمر رضي الله عنهما، ومراده بها أن ابن عمر إنماطلقها طلقة واحدة، ولم يكن ذلك منه ثلاثا[61].
نُوقِشَ بأنها من كلام النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن ابن وهب تابعه الطيالسي، وتابع ابن أبي ذئب ابن جريج، وتابع نافعا الشعبي، ولو فتحنا باب دفع الأدلةبمثل هذا ما سلم لنا حديث[62].
5-عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه, قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ, قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُاللهِ صلى الله عليه وسلم: «يَا مُعَاذُ مَنْ طَلَّقَ فِي بِدْعَةٍ أَلْزَمْنَاهُ بِدْعَتَهُ»[63].
وجه الدلالة: فيه أن الطلاق البدعي واقع لازم[64].
أجيب عنه من وجهين:
أحدهما: أنه موضوع لم يروه أحد من أصحاب حماد بن زيد الثقات إنما هو من طريق إسماعيل بن أمية، فإن كان القرشي الصغير البصري، فهو ضعيف متروك، وإن كان غيره، فهو مجهول لا يعرف من هو؟[65].
الآخر: على فرض صحته يكون معناه: ألزمناه إثم بدعته كما قال تعالى: ﴿ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا ﴾[الإسراء:13]،وليس فيه أنه يحكم عليه بإمضاء حكم بدعته[66].
ثالثا: الإجماع:
قد حكى الإجماع على أن الطلاق في الحيض يقع جمع من أهلالعلم منهم: شريح[67]، وأبو عبيد[68]، وابن المنذر[69]، والخطابي[70]، وابن بطال[71]، وابن عبد البر[72]، والقاضي عياض[73]، والعمراني[74]، وابن قدامة[75].
أجيب بأن الخلاف في وقوع الطلاق المحرَّم في الحيض وغيره لم يزل ثابتا بين السلف والخلف، وقد وهم من ادعى الإجماع على وقوعه، وقال بمبلغ علمه،وخفي عليه من الخلاف ما اطلع عليه غيره[76].
وقد قال الإمام أحمد: من ادعى الإجماع فهو كاذب، وما يدريه لعل الناس اختلفوا[77].
رابعا: المعقول:
1-لأنه طلاق من مكلَّف في محل الطلاق فوقع، كطلاقالحامل[78].
أجيب بأنه قياس مع الفارق؛ لأن الحامل يجوز طلاقها بخلافالحائض.
2-لأنه ليس بقُربه، فيعتبر لوقوعه موافقة السنة، بل هو إزالة عصمة، وقطع مِلك، فإيقاعه في زمن البدعة أولى؛ تغليظا عليه، وعقوبةله[79].
أجيب بأنه ثبت في السنة عدم وقوعه كما سيأتي فيما استدل به أصحاب القول الثاني.
3-الطلاق نفسه مشروع، وإنما الحظر والحرمة في غيره كالوقوع في الزنا، والسَّفه، وتطويل العدة، وإذا كان مشروعا في نفسه جاز أن يكونمعتبرا، وإن مُنِع عنه لغيره، كالبيع وقت أذان الجمعة،والصلاة في الأرض المغصوبة، ونحو ذلك[80].
أجيب بأن وصف العقد المحرم بالصحة مع كونه منشئا للمفسدةومشتملا على الوصف المقتضي لتحريمه وفساده جمع بين النقيضين، فإن الصحة إنما تنشأ عن المصلحة، والعقد المحرم لا مصلحة فيه بل هو منشألمفسدة خالصة، أو راجحة[81].
4-إن الفروج يحتاط لها، والاحتياط يقتضي وقوع الطلاق، وتجديدالرجعة والعقد[82].
أجيب بأن قولكم: إن الفروج يحتاط لها، نسلِّم به، وقد قلنا به؛ فإنا احتطنا وأبقينا الزوجين على يقين النكاح حتى يأتي ما يزيله بيقين، فإذا أخطأنا فخطؤنا في جهة واحدة، وإن أصبنا فصوابنا في جهتين: جهة الزوج الأول، وجهة الثاني، وأنتم ترتكبون أمرين: تحريم الفرج على من كان حلالا له بيقين، وإحلاله لغيره، فإن كان خطأ، فهو خطأ منجهتين، فتبين أنَّا أولى بالاحتياط منكم[83].
القول الثاني:طلاق الحائض لا يقع.
القائلون به: طاوس، وعكرمةبن عبد الله، وخلاس بن عمرو، ومحمد بنإسحاق، وحجَّاج بن أَرْطَاة[84]، وابنُ عُلَيَّة، وهشام بن الحكم[85]، والظاهرية[86]، وبعض الحنفية[87]، وبعض المالكية[88]، وبعض الحنابلة[89]، وابن تيمية[90]، ........................................ وابنالقيم[91]، والصنعاني[92]، والشوكاني[93]، وصِدِّيق حسن خان[94].
الأدلة التي استدلوا بها:
أولا: القرآن الكريم:
1-قوله تعالى: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة:229].
وجه الدلالة: معلوم أن الله سبحانه وتعالى إنما أراد الطلاق المأذون فيه، وهو الطلاق للعدة، فدل على أن ما عداه ليس من الطلاق، فإنه حصر الطلاق المشروع المأذون فيه الذي يملك به الرجعة في مرتين، فلا يكون ما عداهطلاقا[95].
2-قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ ۖ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ۚ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا ﴾ [الطلاق:1].
وجه الدلالة: صح عن النبي صلى الله عليه وسلم المبيِّن عن الله مراده من كلامه، أن الطلاق المشروع المأذون فيه هو الطلاق في زمن الطهر الذي لم يجامع فيه، أو بعد استبانة الحمل، وما عداهما فليس بطلاق للعدة في حق المدخولبها، فلا يكون طلاقا، فكيف تحرم المرأة به؟[96].
ثانيا: السنة النبوية:
1-عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ»[97].
وجه الدلالة: هذا صريح أن هذا الطلاق المحرم الذي ليس عليه أمره صلى الله عليه وسلم مردود باطل، فكيف يقال: إنه صحيح لازم نافذ؟ فأين هذا منالحكم برده؟[98].
2-قول ابن عمر رضي الله عنهمابعد أن أمره النبي صلى الله عليه وسلم بإرجاع زوجته: «فَرَدَّهَا عَلَيَّ، وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا»[99].
وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحتسب طلقة ابن عمر رضي الله عنهما تطليقة، وهذانص في أنه لا يقع، ولو وقع لرآه شيئا[100].
أجيب عنه من وجهين:
أحدهما:أنه منكر؛ لتفرد أبي الزبير به، ومخالفة جميع الرواة فيه، وأبو الزبير ليس بحجة فيما خالفه فيه مثله، فكيف بخلاف من هو أثبت منه؟[101].
نُوقِشَ بأنه حديث في غاية الصحة لا يحتمل توجيهات[102]؛ فإن أبا الزبير غير مدفوع عن الحفظ والثقة، وإنما يخشى من تدليسه، فإذا قال: سمعت، أو حدثني، زال محذور التدليس، وزالت العلة المتوهمة، وأكثرأهل الحديث يحتجون به إذا قال: «عن»، ولم يصرح بالسماع، ومسلم يصحح ذلك من حديثه، فأما إذا صرح بالسماع، فقد زال الإشكال، وصح الحديث، وقامت الحجة[103].
الآخر: لو صح، فإنه يحتمل احتمالين:
1-أنه لم يره إثما، ولم يره شيئا لا يقدر على استدراكه؛ لأنه قد بيَّن أنه يُستدرك بالرجعة[104].
2-أنه لم يره شيئا مستقيما؛ لأنه لم يكن طلاقه على سنة الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم[105].
نُوقشَ هذان الاحتمالان بأن ابن عمر رضي الله عنهما فسر قوله: «وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا» بقوله في رجل طلق امرأته وهي حائض: «لا يعتد بذلك»[106].
ثالثا: المعقول:
1-لأن الأدلة المتكاثرة تدل على عدم وقوع الطلاق في الحيض؛ فإن هذا الطلاق لم يشرعه الله تعالى ألبتة، ولا أذن فيه، فليس في شرعه، فكيف يقال بنفوذه،وصحته؟[107].
2-لأنه النكاح المتيقن لا يزول إلا بيقين مثله من كتاب، أو سنة، أو إجماع متيقن، فإذا جئتم بواحد من هذه الثلاثة قلنا بوقوع الطلاق في الحيض، ولا سبيل إلى ذلك[108].
3-لأنه إنما يقع من الطلاق المحرم ما ملَّكه الله تعالى للمطلِّق، ولهذا لا يقع به الرابعة؛ لأنه لم يملِّكْها إياه، ومن المعلوم أنه لم يملِّكه الطلاقالمحرَّم، ولا أذن له فيه، فلا يصح، ولا يقع[109].
4-لأنه لو وكل وكيلا أن يطلق امرأته طلاقا جائزا، فطلق طلاقا محرَّما لم يقع؛ لأنه غير مأذون له فيه، فكيف كان إذن المخلوق معتبرا في صحة إيقاع الطلاق دون إذن الشارع؟ ومن المعلوم أن المكلف إنما يتصرفبالإذن، فما لم يأذن به الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لا يكون محلا للتصرفألبتة[110].
5-لأنهإذا كان النكاح المنهي عنه لا يصح لأجل النهي، فما الفرق بينه، وبين الطلاق؟ وكيف أبطلتم ما نهى الله عنه من النكاح، وصححتم ما حرمه، ونهى عنه من الطلاق؟ والنهي يقتضي البطلان في الموضعين؟[111].
يتبع