
منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية
أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحنبلي الدمشقي
المجلد الاول
الحلقة (67)
صـ 466 إلى صـ 472
ما هو أضعف منه، ولا يوجد للشيعة (1) قول قوي إلا وفي أهل السنة من يقوله ويقول ما هو أقوى منه، ولا يتصور أن (2) يوجد للشيعة قول قوي لم يقله [أحد من] (3) أهل السنة. فثبت أن أهل السنة أولى بكل خير منهم، كما أن المسلمين أولى بكل خير من اليهود والنصارى.[فصل الرد على قول الرافضي إنهم يقولون إن المطيع لا يستحق ثوابا والعاصي لا يستحق عقابا]
فصل.
وأما قوله: إنهم يقولون:
" إن المطيع لا يستحق ثوابا، والعاصي لا يستحق عقابا، بل قد يعذب المطيع طول عمره المبالغ في امتثال أوامره كالنبي، ويثيب العاصي طول عمره بأنواع المعاصي وأبلغها كإبليس وفرعون (4) ".
فهذا (5) فرية على أهل السنة، ليس فيهم من يقول: إن الله يعذب نبيا ولا مطيعا، ولا من يقول: إن الله يثيب إبليس وفرعون (6) [بل] (7) ولا يثيب عاصيا على معصيته؛ لكن يقولون: إنه يجوز أن يعفو عن
(1) ن، م: في الشيعة.
(2) عبارة " يتصور أن ": ساقطة من (أ) ، (ب) .
(3) أحد من: ساقطة من (ن) ، (م) .
(4) انظر ما سبق ص [0 - 9] 25 - 126.
(5) أ، ب: فهذه.
(6) ن: فرعون وإبليس.
(7) بل: زيادة في (أ) ، (ب) .
******************************
المذنب (1) من المؤمنين، وأنه يخرج أهل الكبائر من النار فلا يخلد فيها أحدا من (2) أهل التوحيد، ويخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان. والإمامية توافقهم (3) على ذلك.
وأما الاستحقاق فهم يقولون: إن العبد لا يستحق بنفسه على الله شيئا وليس له أن يوجب على ربه شيئا لا لنفسه ولا لغيره؛ ويقولون: إنه لا بد أن يثيب المطيعين كما وعد، فإنه صادق في وعده لا يخلف الميعاد، فنحن نعلم أن الثواب يقع لإخباره (4) لنا بذلك. وأما إيجابه ذلك على نفسه، وإمكان معرفة ذلك بالعقل، فهذا فيه نزاع بين أهل السنة كما تقدم [التنبيه عليه] (5) .
فقول القائل: إنهم يقولون: إن [المطيع] لا يستحق (6) ثوابا: إن أراد أنه هو لا يوجب بنفسه على ربه ثوابا (7) ولا أوجبه (8) غيره من المخلوقين، فهكذا (9) تقول أهل السنة. وإن أراد أن هذا الثواب ليس أمرا ثابتا معلوما وحقا واقعا، فقد أخطأ. وإن أراد أنه هو سبحانه وتعالى لا يحقه
(1) ن، م: الذنب.
(2) أ، ب: فلا يخلد فيها أحد.
(3) أ: يوافقوهم؛ ب: يوافقونهم.
(4) ن: بإخباره؛ م: باختياره، وهو تحريف.
(5) التنبيه عليه: زيادة في (أ) ، (ب) .
(6) ن، م: إنه لا يستحق.
(7) ثوابا: ساقطة من (أ) ، (ب) .
(8) ن: ثوابا وجنة؛ م: ثوابا أوجبه.
(9) ن، م: فهذا يقول.
**************************
بخبره (1) فقد أخطأ على أهل السنة. وإن أراد أنه لم يحقه (2) بمعنى أنه لم (3) يوجبه على نفسه، ويجعله حقا على نفسه كتبه على نفسه، فهذا فيه نزاع [قد] (4) تقدم.
وهو بعد أن وعد بالثواب، أو أوجب مع ذلك على نفسه الثواب، يمتنع منه خلاف خبره، وخلاف حكمه الذي كتبه على نفسه، وخلاف موجب أسمائه الحسنى وصفاته العلى.
ولكن لو قدر أنه عذب من يشاء لم يكن لأحد منعه، كما قال تعالى {قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا} [سورة المائدة: 17] .
وهو سبحانه لو ناقش من ناقشه من خلقه يعذبه، كما ثبت في الصحيح عن عائشة - رضي الله عنها - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " من نوقش الحساب عذب " قالت: قلت: يا رسول الله أليس الله يقول: {فأما من أوتي كتابه بيمينه - فسوف يحاسب حسابا يسيرا} [سورة الانشقاق: 7، 8] فقال (5) : " ذلك العرض ومن نوقش الحساب عذب» (6) .
(1) أ، ب: أنه هو سبحانه وتعالى لم يخلقه بخبره؛ ن، م: أن هو لا محقه بخبره. والصواب ما أثبته ومعناه: أن الله تعالى لم يجعله حقا واجبا على نفسه بمجرد إخباره لنا بذلك.
(2) أ، ب: لم يجعله؛ ن: بحقه. والصواب ما أثبته من (م) .
(3) لم: ساقطة من (ن) ، (م) .
(4) قد: زيادة في (أ) ، (ب) .
(5) ن، م: قال.
(6) الحديث - مع اختلاف في الألفاظ - عن عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة في البخاري 1/28 (كتاب العلم، باب من سمع شيئا راجع حتى يعرفه) 6/167 (كتاب التفسير، سورة (إذا السماء انشقت) ؛ مسلم 4/2204 - 2205 (كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب إثبات الحساب) ؛ المسند (ط. الحلبي) 6/47، 48. وانظر تفسير الطبري 9/244 - 245 (ط. المعارف، بتحقيق الأستاذ محمود محمد شاكر) وقد استوفى الأستاذ المحقق في تعليقه (ت 5 ص [0 - 9] 44 - 245) الكلام على طرق الحديث في صحاح البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي، كما أشار إلى مواضع أخرى ورد فيها في تفسير الطبري وتفسير ابن كثير وفي الدر المنثور للسيوطي.
**************************
وفي الصحيح عنه [صلى الله عليه وسلم] (1) أنه قال: " «لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله ". قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» " (2) وفي الحديث الذي رواه أبو داود وغيره: " «لو أن الله عذب (3) أهل سماواته وأهل (4) أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته لهم خيرا [لهم] (5) من أعمالهم» (6) .
(1) صلى الله عليه وسلم: زيادة في (أ) ، (ب) .
(2) الحديث - مع اختلاف في بعض الألفاظ - عن أبي هريرة وعائشة - رضي الله عنهما - في البخاري 7/121 (كتاب المرضى، باب تمني المريض الموت) ، 8/98 (كتاب الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل) ؛ مسلم 4/2169 - 2171 في أربعة مواضع (كتاب المنافقين، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله) ؛ سنن ابن ماجه 2/1405 (كتاب الزهد، باب التوقي على العمل) ؛ سنن الدارمي 2/305 - 306 (كتاب الرقاق، باب لا ينجي أحدكم عمله) ؛ المسند (ط. المعارف) 12/192.
(3) أ، ب: إن الله لو عذب. .
(4) ن: أو أهل.
(5) ن، م: خير من.
(6) جاء هذا الحديث مرفوعا وموقوفا، وهو في المسند (ط. الحلبي) 5/185 عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - مرفوعا ونصه فيه:. . . عن ابن الديلمي قال: وقع في نفسي شيء من القدر فأتيت زيد بن ثابت فسألته فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته لهم خيرا من أعمالهم، ولو كان لك جبل أحد أو مثل جبل أحد ذهبا أنفقته في سبيل الله ما قبله منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأنك إن مت على غير هذا دخلت النار ". والحديث في سنن أبي داود 4/310 - 311 (كتاب السنة، باب في القدر) ونصه فيه:. . عن ابن الديلمي قال: أتيت أبي بن كعب فقلت له: وقع في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء لعل الله أن يذهبه من قلبي، قال: لو أن الله عذب أهل سماواته. . . . ولو مت على غير هذا لدخلت النار. قال: ثم أتيت عبد الله بن مسعود فقال مثل ذلك، قال: ثم أتيت حذيفة بن اليمان فقال مثل ذلك، قال: ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل ذلك، والحديث في سنن ابن ماجه 1/29 - 30 (المقدمة، باب في القدر) . وصحح الألباني الحديث في صحيح الجامع الصغير 1/57 - 58. "
*******************************
وهذا قد يقال لأجل المناقشة في الحساب والتقصير في [حقيقة] الطاعة (1) ،
وهو قول من يجعل الظلم مقدورا غير واقع، وقد يقال بأن الظلم لا حقيقة له، وأنه مهما قدر من الممكنات لم يكن ظلما. والتحقيق أنه إذا قدر أن الله فعل ذلك فلا يفعله إلا بحق، لا يفعله وهو ظالم، لكن إذا لم يفعله فقد يكون ظلما يتعالى الله عنه.
[فصل الرد على قول الرافضي إنهم يقولون إن الأنبياء غير معصومين]
فصلوأما ما نقله عنهم أنهم يقولون: " إن الأنبياء غير معصومين " (2) فهذا الإطلاق نقل باطل عنهم.فإنهم متفقون على أن الأنبياء معصومون فيما يبلغونه عن الله
(1) ن: في طاعته.
(2) انظر ما سبق، ص 126.
******************************
[تعالى] (1) ، وهذا هو مقصود الرسالة، فإن الرسول هو الذي يبلغ عن الله أمره ونهيه وخبره (2) ، وهم معصومون في تبليغ الرسالة (3) باتفاق المسلمين، بحيث لا يجوز أن يستقر في ذلك شيء من الخطأ.
وتنازعوا هل يجوز أن يسبق على لسانه ما يستدركه الله تعالى ويبينه له بحيث لا يقره على الخطأ. كما نقل أنه ألقي على لسانه [صلى الله عليه وسلم] (4) : تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن (5) لترتجى؛ ثم إن الله تعالى نسخ ما ألقاه الشيطان وأحكم آياته. فمنهم من لم يجوز ذلك ومنهم من جوزه إذ لا محذور فيه؛ فإن الله [تعالى] (6) ينسخ ما يلقي الشيطان ويحكم الله آياته والله عليم حكيم، {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد} [سورة الحج: 53] (7) .
وأما قوله بل (8) قد يقع منهم الخطأ (9) "
(1) تعالى: ليست في (ن) .
(2) ب (فقط) : وغيره، وهو تحريف.
(3) ن (فقط) : في تلك الرسالة.
(4) صلى الله عليه وسلم: زيادة في (أ) ، (ب) .
(5) ن، م، أ: شفاعتها.
(6) تعالى: زيادة في (أ) ، (ب) .
(7) انظر خبر الغرانيق وتفسير الآية في تفسير الطبري 17/131 - 134، ط. بولاق، 1328؛ تفسير ابن كثير 5/438 - 442 (ط. الشعب) ؛ نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق، للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، ط. المكتب الإسلامي، دمشق، 1372/1952.
(8) بل: ساقطة من (أ) ، (ب) .
(9) انظر ما سبق، ص [0 - 9] 24.
**************************
فيقال له: هم متفقون على أنهم لا يقرون [على] (1) خطأ في الدين أصلا ولا على فسوق (2) ولا كذب، ففي الجملة كل ما يقدح في نبوتهم وتبليغهم عن الله فهم متفقون على تنزيههم عنه. وعامة الجمهور الذين يجوزون عليهم الصغائر يقولون: إنهم معصومون من الإقرار عليها، فلا يصدر عنهم ما يضرهم.
كما جاء في الأثر: كان داود بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة، والله يحب التوابين ويحب المتطهرين [سورة البقرة: 222] ، وإن العبد ليفعل السيئة فيدخل بها الجنة.
وأما النسيان والسهو في الصلاة فذلك واقع منهم، وفي وقوعه حكمة استنان المسلمين بهم كما روي في موطأ مالك: " «إنما أنسى أو أنسى لأسن» " (3) . وقد قال - صلى الله عليه وسلم - " «إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني» " أخرجاه في الصحيحين (4) . «ولما صلى
(1) على: ساقطة من (ن) فقط.
(2) أ، ب: فسق.
(3) الحديث في الموطأ 1/100 (كتاب السهو، باب العمل في السهو) ونصه فيه: " وحدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " إني لأنسى أو أنسى لأسن ". قال المحقق: " قال ابن عبد البر: لا أعلم هذا الحديث روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم مسندا ولا مقطوعا من غير هذا الوجه، وهو أحد الأحاديث الأربعة التي في الموطأ التي لا توجد في غيره مسندة ولا مرسلة، ومعناه صحيح في الأصول ".
(4) الحديث عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - في البخاري 1/85 (كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان) وأول الحديث فيه:. . . عن علقمة قال: قال عبد الله: صلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال إبراهيم: لا أدري زاد أم نقص فلما سلم قيل له: يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيء؟ قال: " وما ذاك؟ " قالوا: صليت كذا وكذا، فثنى رجليه واستقبل القبلة وسجد سجدتين ثم سلم، فلما أقبل علينا بوجهه قال: " إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم. . الحديث. وهو في مسلم 1/402 - 403 (كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له) ؛ سنن أبي داود 1/368 (كتاب الصلاة، باب إذا صلى خمسا) ؛ سنن ابن ماجه 1/380 (كتاب إقامة الصلاة، باب السهو في الصلاة) ؛ المسند (ط. المعارف) 5/212، 6/52 - 53، 102.
*****************************