
26-11-2021, 04:49 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,609
الدولة :
|
|
رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد الثانى
الحلقة (129)
سُورَةُ هُودٍ (7)
صـ 196 إلى صـ 201
قال مقيده عفا الله عنه : وهذا الأخير غير ظاهر ; لأن قوم لوط لم يكن عقابهم على اللواط وحده ، بل عليه وعلى الكفر ، وتكذيب نبيهم صلى الله عليه وسلم ، فهم قد جمعوا إلى اللواط [ ص: 196 ] ما هو أعظم من اللواط ، وهو الكفر بالله ، وإيذاء رسوله صلى الله عليه وسلم .
القول الثاني : هو أن اللواط زنى فيجلد مرتكبه مائة إن كان بكرا ويغرب سنة ، ويرجم إن كان محصنا . وهذا القول هو أحد قولي الشافعي .
وذكر البيهقي عن الربيع بن سليمان : أن الشافعي رجع إلى أن اللواط زنى ، فيجري عليه حكم الزنى ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد رحمهم الله تعالى .
ورواه البيهقي ، عن عطاء ، وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما ، وهو قول أبي يوسف ، ومحمد ، وسعيد بن المسيب ، والحسن ، وقتادة ، والنخعي ، والثوري ، والأوزاعي ، وغيرهم .
واحتج أهل هذا القول بما رواه البيهقي ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن خالد الحذاء ، عن ابن سيرين ، عن أبي موسى ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان ، وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان " أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، ثنا أبو العباس بن يعقوب ، ثنا يحيى بن أبي طالب ، ثنا أبو بدر ، ثنا محمد بن عبد الرحمن فذكره . قال الشيخ : ومحمد بن عبد الرحمن هذا لا أعرفه ، وهو منكر بهذا الإسناد . انتهى منه بلفظه .
وقال الشوكاني - رحمه الله - في " نيل الأوطار " في هذا الحديث : وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن ، كذبه أبو حاتم .
وقال البيهقي : لا أعرفه ، والحديث منكر بهذا الإسناد ، ورواه أبو الفتح الأزدي في الضعفاء ، والطبراني في الكبير من وجه آخر عن أبي موسى ، وفيه بشر بن المفضل البجلي وهو مجهول .
وقد أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده عنه . اهـ منه .
واستدل القائلون بهذا القول أيضا بقياس اللواط على الزنى بجامع أن الكل إيلاج فرج في فرج محرم شرعا ، مشتهى طبعا .
ورد بأن القياس لا يكون في الحدود ; لأنها تدرأ بالشبهات . والأكثرون على جواز القياس في الحدود ، وعليه درج في " مراقي السعود " بقوله :
والحد والكفارة التقدير جوازه فيها هو المشهور
إلا أن قياس اللائط على الزاني يقدح فيه بالقادح المسمى : " فساد الاعتبار " ; لمخالفته لحديث ابن عباس المتقدم : أن الفاعل والمفعول به يقتلان مطلقا ، أحصنا أو لم يحصنا ، ولا شك أن صاحب الفطرة السليمة لا يشتهي اللواط ، بل ينفر منه غاية النفور [ ص: 197 ] بطبعه كما لا يخفى .
القول الثالث : أن اللائط لا يقتل ولا يحد حد الزنى ، وإنما يعزر بالضرب والسجن ونحو ذلك . وهذا قولأبي حنيفة .
واحتج أهل هذا القول بأن الصحابة اختلفوا فيه ، واختلافهم فيه يدل على أنه ليس فيه نص صحيح ، وأنه من مسائل الاجتهاد ، والحدود تدرأ بالشبهات ، قالوا : ولا يتناوله اسم الزنى ; لأن لكل منهما اسما خاصا به ، كما قال الشاعر :
من كف ذات حر في زي ذي ذكر لها محبان لوطي وزناء
قالوا : ولا يصح إلحاقه بالزنى لوجود الفارق بينهما ; لأن الداعي في الزنى من الجانبين بخلاف اللواط ، ولأن الزنى يفضي إلى الاشتباه في النسب وإفساد الفراش بخلاف اللواط ، قال في " مراقي السعود " : والفرق بين الأصل والفرع قدح إبداء مختص بالأصل قد صلح أو مانع في الفرع . . . إلخ . . . . . . واستدل أهل هذا القول أيضا بقوله تعالى : واللذان يأتيانها منكم فآذوهما الآية [ 4 \ 16 ] .
قالوا : المراد بذلك : اللواط . والمراد بالإيذاء : السب أو الضرب بالنعال .
وقد أخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عن مجاهد : واللذان يأتيانها منكم ، قال : الرجلان الفاعلان .
وأخرج آدم ، والبيهقي في سننه ، عن مجاهد في قوله : فآذوهما ، يعني سبا ، قاله صاحب " الدر المنثور " .
قوله تعالى : وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه الآية .
ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة عن نبيه شعيب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ، أنه أخبر قومه : أنه إذا نهاهم عن شيء انتهى هو عنه وأن فعله لا يخالف قوله .
ويفهم من هذه الآية الكريمة أن الإنسان يجب عليه أن يكون منتهيا عما ينهى عنه غيره ، مؤتمرا بما يأمر به غيره .
وقد بين تعالى ذلك في مواضع أخر ، كقوله : أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم الآية [ 2 \ 44 ] ، وقوله : كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون [ 61 \ 3 ] .
وفي الصحيحين من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : [ ص: 198 ] " يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه في النار ، فيدور بها كما يدور الحمار برحاه ، فيجتمع عليه أهل النار فيقولون : أي فلان ، ألست كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر ؟ ! فيقول : كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه ، وأنهاكم عن المنكر وآتيه " .
ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم : " فتندلق أقتابه " ، أي : تتدلى أمعاؤه .
وأخرج وكيع ، وابن أبي شيبة ، وأحمد ، وعبد بن حميد ، والبزار ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن حبان ، وأبو نعيم في " الحلية " ، وابن مردويه ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ، وغيرهم ، عن أنس رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رأيت ليلة أسري بي رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار ، كلما قرضت رجعت ، فقلت لجبريل من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء خطباء من أمتك ، كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون " ، قاله صاحب " الدر المنثور " . اهـ . وقد قال الشاعر :
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
وقد أجاد من قال :
وغير تقي يأمر الناس بالتقى طبيب يداوي الناس وهو مريض
ومعلوم أن عمل الإنسان بما ينصح به غيره أدعى لقبول غيره منه ، كما قال الشاعر :
فإنك إذ ما تأت ما أنت آمر به تلف من إياه تأمر آتيا
قوله تعالى : قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز .
بين تعالى في هذه الآية الكريمة : أن نبيه شعيبا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام منعه الله من الكفار ، وأعز جانبه بسبب العواطف العصبية ، والأواصر النسبية من قومه الذين هم كفار .
وهو دليل على أن المتمسك بدينه قد يعينه الله ، ويعزه بنصرة قريبه الكافر ، كما بينه تعالى في مواضع أخر ، كقوله في صالح وقومه : قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله . الآية [ 27 \ 49 ]
ففي الآية دليل على أنهم لا قدرة لهم على أن يفعلوا السوء بصالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام إلا في حال الخفاء ، وأنهم لو فعلوا به ذلك خفاء وسرقة لكانوا يحلفون لأوليائه الذين هم عصبته أنهم ما فعلوا به سوءا ، ولا شهدوا ذلك ولا حضروه خوفا من عصبته . فهو عزيز الجانب بسبب عصبته الكفار ، وقد قال تعالى لنبينا صلى الله عليه وسلم : [ ص: 199 ] ألم يجدك يتيما فآوى [ 93 \ 6 ] ، أي : آواك بأن ضمك إلى عمك أبي طالب .
وذلك بسبب العواطف العصبية ، والأواصر النسبية ، ولا صلة له بالدين البتة ، فكونه جل وعلا يمتن على رسوله صلى الله عليه وسلم بإيواء أبي طالب له دليل على أن الله قد ينعم على المتمسك بدينه بنصرة قريبه الكافر .
ومن ثمرات تلك العصبية النسبية قول أبي طالب :
والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة
أبشر بذاك وقر منه عيونا
وقوله أيضا :
ونمنعه حتى نصرع حوله ونذهل عن أبنائنا والحلائل
ولهذا لما كان نبي الله لوط عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ليس له عصبة في قومه الذين أرسل إليهم ظهر فيه أثر عدم العصبة ، بدليل قوله تعالى عنه : قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد [ 11 \ 80 ] .
وهذه الآيات القرآنية تدل على أن المسلمين قد تنفعهم عصبية إخوانهم الكافرين .
ولما ناصر بنو المطلب بن عبد مناف بني هاشم ، ولم يناصرهم بنو عبد شمس بن عبد مناف ، وبنو نوفل بن عبد مناف - عرف النبي صلى الله عليه وسلم لبني المطلب تلك المناصرة التي هي عصبية نسبية لا صلة لها بالدين ، فأعطاهم من خمس الغنيمة مع بني هاشم ، وقال : " إنا وبني المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام " ومنع بني عبد شمس ، وبني نوفل من خمس الغنيمة ، مع أن الجميع أولاد عبد مناف بن قصي .
وقال أبو طالب في بني عبد شمس وبني نوفل :
جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا عقوبة شر عاجل غير آجل
بميزان قسط لا يخيس شعيرة له شاهد من نفسه غير عائل
لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا بني خلف قيضا بنا والغياطل
والغياطل " بالغين المعجمة " ، ومراد أبي طالب بهم : بنو سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي " القبيلة المشهورة من قبائل قريش " ، وإنما سموا الغياطل ; لأن قيس بن عدي بن سعد بن سهم الذي هو من سادات قريش العظام ، وهو الذي يعنيه عبد المطلب بقوله يرقص ابنه عبد الله وهو صغير :
كأنه في العز قيس بن عدي في دار سعد ينتدي أهل الندى
[ ص: 200 ] تزوج امرأة من كنانة تسمى " الغيطلة " وهي أم بعض أولاده . فسمي بنو سهم الغياطل ; لأن قيس بن عدي المذكور سيدهم .
فهذه الآيات القرآنية تدل على أن الله قد يعين المؤمن بالكافر لتعصبه له ، وربما كان لذلك أثر حسن على الإسلام والمسلمين ، وقد يكون من منن الله على بعض أنبيائه المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم ، وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر " ، وفي المثل : " اجتن الثمار وألق الخشبة في النار " .
فإذا عرفت دلالة القرآن على أن المسلم قد ينتفع برابطة نسب وعصبية من كافر ، فاعلم أن النداء بالروابط العصبية لا يجوز . لإجماع المسلمين على أن المسلم لا يجوز له الدعاء بـ " يا لبني فلان " ونحوها .
وقد ثبت في " صحيح البخاري " من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في تلك الدعوة : " دعوها فإنها منتنة " ، وقوله صلى الله عليه وسلم : " دعوها " يدل على وجوب تركها ; لأن صيغة " افعل " للوجوب إلا لدليل صارف عنه ، وليس هنا دليل صارف عنه ، ويؤكد ذلك تعليله الأمر بتركها بأنها منتنة ، وما صرح النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر بتركه وأنه منتن لا يجوز لأحد تعاطيه ، وإنما الواجب على المسلمين النداء برابطة الإسلام التي هي من شدة قوتها تجعل المجتمع الإسلامي كله كأنه جسد إنسان واحد ، فهي تربطك بأخيك المسلم كربط أعضائك بعضها ببعض ، قال صلى الله عليه وسلم : " إن مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم كمثل الجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " .
وإذا تأملت قوله تعالى : لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم [ 58 \ 22 ] ، تحققت أن الروابط النسبية تتلاشى مع الروابط الإسلامية ، وقد قال تعالى : إنما المؤمنون إخوة [ 49 \ 10 ] ، وقال : والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض [ 9 \ 71 ] .
ولا يخفى أن أسلافنا معاشر المسلمين إنما فتحوا البلاد ومصروا الأمصار بالرابطة الإسلامية ، لا بروابط عصبية ، ولا بأواصر نسبية .
قوله تعالى : خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك الآية .
قيد تعالى خلود أهل الجنة وأهل النار بالمشيئة ، فقال في كل منهما : إلا ما شاء ربك [ 11 \ 107 ] ، ثم بين عدم الانقطاع في كل منهما ، فقال في خلود أهل الجنة : عطاء غير مجذوذ [ ص: 201 ] [ 11 \ 108 ] .
وقال في خلود أهل النار : كلما خبت زدناهم سعيرا [ 17 \ 97 ] .
ومعلوم أن كلما تقتضي التكرار بتكرر الفعل الذي بعدها .
وقد أوضحنا هذه المسألة إيضاحا تاما في كتابنا " دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب " في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى : قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله [ 6 \ 128 ] وفي سورة النبإ في الكلام على قوله تعالى : لابثين فيها أحقابا [ 78 \ 23 ] .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|