عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 24-11-2021, 05:14 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,744
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مظاهر اهتمام ابن جني بالبنية العميقة والسطحية في الخصائص

مظاهر اهتمام ابن جني بالبنية العميقة والسطحية في الخصائص (2)
أ. د. عبدالله أحمد جاد الكريم حسن




عاشرًا: دراسة القلب والإدغام: وهما من الظَّواهر الصَّرفية المشهورة في اللغة العربية، وقد اعتنى ابن جني بدراستهما، ومن أمثلة ذلك ما يأتي:
(1) القلب المكاني: هو: تقديم بعض الحروف أو تأخيرها داخل الكلمة الواحدة؛ نحو: أشياء، يقولون: أصلها: شيئاء، وجاه، أصلها: وجه،.. إلخ. ويرى النُّحاةُ العربُ أنَّ القلب "يعرف بأصله؛ كناء يناء مع النأي، كالجاه و الحادي والقسي، وبصحته؛ كأيس، وبقلة استعماله؛ كآرام و آدر، وبأداء تركه إلى همزتين عند الخليل نحو: جاء أو إلى منع الصرف بغير علة على الأصحِّ؛ نحو: أشياء؛ فإنها لفعاء، و قال الكسائي: أفعال، وقال الفراء: أفعاء، وأصلها أفعلاء".[1] ومن ذلك قوله:" الأول: وهو ما لا بُدَّ للطَّبع منه قلب الألف واوًا للضمة قبلها، وياءً للكسرة قبلها، أمَّا الواو فنحو قولك في سائر (سويئر)، وفي ضارب (ضويرب)، وأمَّا الياء فنحو قولك في نحو تحقير قرطاس وتكسيره (قريطيس) و(قراطيس)، فهذا ونحوه ممَّا لا بُدَّ منه، من قِبَل أنَّه ليس في القُوة ولا احتمال الطبيعة وقوع الألف المدة الساكنة بعد الكسرة ولا الضمة، فقلب الألف على هذا الحد علته الكسرة والضمة قبلها، فهذه علةٌ برهانيَّةٌ، ولا لبس فيها، ولا توقُّف للنَّفس عنها، وليس كذلك قلب واو (عصفور) ونحوه ياء إذا انكسر ما قبلها؛ نحو (عصيفير وعصافير)، ألا ترى أنَّه قد يمكنك تَحمُّل المشقَّة في تصحيح هذه الواو بعد الكسرة".[2]


وذكر ابن جني أغراض القلب وأهدافه؛ حيث يقول:" الغرض في هذا القلب إنَّما هو طلبٌ للخِفَّةِ، فمتى وجدوا طريقًا أو شُبهةً في الإقامةِ عليها، والتَّعلُّلِ بخفَّتها سلكوها واهتبلوها".[3] كما أكَّد أنَّ القلب له شروطه وضوابطه، فلا يكون القلب على إطلاقه، ومن ذلك قوله:" متى وجدت مندوحة عن القلب لم ترتكبه".[4]
وهذا أيضًا من المسائل التي لا يأبه بها البنيويون التقليديون (الوصفيون).

(2) الإدغام: وهو إدخال حرف في حرف آخر من جنسه؛ بحيث يكونان حرفًا واحدًا مُشدِّدًا، ولقد خصَّص ابن جني له فصلاً في الخصائص، ومن ذلك قوله:" الإدغام المألوف المعتاد إنَّما هو تقريبُ صوتٍ من صوتٍ، وهو في الكلام على ضربين:
أحدهما: أن يلتقى المثلان على الأحكام التي يكون عنها الادغام، فيُدغم الأول في الآخر، والأول من الحرفين في ذلك على ضربين: ساكنٌ ومُتحرِّكٌ، فالمُدغمُ السَّاكن الأصل؛ كطاء (قطَّع)، وكاف (سكَّر) الأوليين، والمُتحرك نحو دال (شدَّ) ولام (معتلّ).

والآخر: أن يلتقى المُتقاربان على الأحكام التي يُسوَّغُ معها الادغامُ، فتقلب أحدهما إلى لفظ صاحبه فتُدغمه فيه، وذلك مثل (ودَّ) في اللُّغة التَّميمية و(امَّحى، وامَّاز، واصَّبر، واثَّاقل عنه)، والمعنى الجامع لهذا كله تقريبُ الصَّوتِ من الصَّوتِ".[5] ومنه قوله:" ومن الأمر الطبيعي الذي لا بُدَّ منه، ولا وعى عنه؛ أن يلتقى الحرفان الصحيحان، فيُسكَّن الأول منهما في الإدراج؛ فلا يكون حينئذٍ بُدٌّ من الإدغام".[6] وقولـه:" قالوا: إنَّ علة (شدَّ، ومدَّ) ونحـو ذلك فـي الإدغام إنَّما هـي اجتماع حرفين مُتحركين من جنسٍ واحدٍ ".[7]
وهذا أيضًا من المسائل التي لا يأبه بها البنيويون التقليديون (الوصفيون).

حادي عشر: بناء الفعل للمجهول (للمفعول): من الأبواب المشهورة، ويُعدُّ مظهرًا من مظاهر اهتمام النُّحاة العرب بالبنية العميقة؛ لدراستهم بناء الفعل للمفعول (للمجهول) ودراستهم للتغيرات التي تحدث لبنية الفعل وكذلك بنية الجملة؛ فالماضي يُضم أوله ويُكسر ما قبل الآخر، والمضارع يُضم أوله ويُفتح ما قبل الآخر، وقد تحدث بعض التغيرات الخاصة لبعض الأفعال كالفعل الأجوف؛ نحوقال) تصبح (قيل)..الخ، فجملةكُسِرَ الزُّجَاجُ) بنية سطحية، وبنيتها العميقة (كَسَرَ الولدُ الزجاجَ)، وجملة (يُصَامُ رمضانُ) بنيتها العميقة (يصوم المسلمون رمضانَ). وفي هذا الشَّأن يقول ابن جني:" إنَّ العرب لمَّا قوى في أنفسها أمر المفعول حتى كاد يلحق عندها برتبة الفاعل وحتى قال سيبويه فيهما: « وإن كانا جميعًا يهمانهم ويعنيانهم »[8] خصُّوا المفعول إذا أسند الفعل إليه بضربين من الصنعة:
أحدهما: تغيير صورة المثال مُسندًا إلى المفعول عن صورته مُسندًا إلى الفاعل، والعُدَّةُ واحدةٌ؛ وذلك نحو: ضَرَبَ زيدٌ وضُرِبَ، وقَتَلَ وقُتِلَ، وأَكْرَمَ وأُكْرِمَ، ودَحْرَجَ ودُحْرِجَ.

والآخر: أنَّهم لم يرضوا ولم يقنعوا بهذا القدر من التَّغيير حتى تجاوزوه، إلى أن غيَّروا عدة الحروف مع ضم أوله، كما غيَّروا في الأول الصُّورة والصِّيغة وحدها، وذلك نحو قولهم: أحببته وحُبَّ، وأزكمه الله وزُكِمَ، وأضأده الله وضُئِدَ، وأملاه الله ومُلِئَ. قال أبو علي: فهذا يدلُّك على تمكُّن المفعول عندهم وتقدُّم حاله في أنفسهم إذ أفردوه بأن صاغوا الفعل له صيغة مخالفة لصيغته وهو للفاعل، وهذا ضرب من تدريج اللغة عندهم".[9]


وقد عرف البنيويون التحويليون بناء الجملة للمجهول، فهو أمرٌ مشهورٌ في اللغة الإنجليزية مثلاً، ويرى بعض العلماء ـ كما سنرى ـ أنَّ مبدأ (التحويل) أخذه تشومسكي من النحو العربي والعبري من أجل تطوير نمطه التوليدي الذي يعجز عن تفسير جملة المبني للمجهول، نحو: ضربُ زيد. فهل زيد ضارب أو مضروب؟ هذا بالنسبة لبناء الجملة، أمَّا بناء الفعل وما يلحقه من تغييرات فلا يدخل معهم نظرًا لاختلاف اللُّغات.

ثاني عشر: دراسة الإلحاق والتَّعويض: لقد اهتمُّ النحاة العرب بدراسة ظاهرة الإلحاق وظاهرة التعويض اهتمامًا بالغًا؛ وذلك حرصًا منهم على معرفة البنية العميقة وتقديرها، وذلك " لأنَّهم قصدوا التَّعويض رعاية للأصل"[10], "ولأنَّ الغرض من التَّعويض تكميل الكلمة، وأين كملت حصل غرض التَّعويض"[11], "وهذا التَّعويض نوعان: تعويض جواز وتعويض وجوب"[12]. ومن أمثلة دراسة ابن جني لهاتين الظاهرتين ما يأتي:
(1) الإلحاق: لقد درس ابن جني الإلحاق في خصائصه، ومن ذلك قوله:" الإلحاق إنَّما هو صناعة لفظية"[13]، وقوله:" صنعة اللفظ وهي الإلحاق"[14]، ويقول:" كان الإلحاق طريقًا صناعيًّا لفظيًا"[15]. ويقول:"وقال أبو عثمان في الإلحاق المُطَّرد: إنَّ موضعه من جهة اللام؛ نحـوقعدد، ورمدد، وشملل، وصعرر)، وجعل الإلحاق بغير اللام شاذًّا لا يقاس عليه"[16]. ومن ذلك قوله:" فلمَّا كانت هذه الزوائد في هذه المثل إنَّما جىء بها للمعاني؛ خشوا إن هم جعلوها ملحقة بذوات الأربعة أن يقدَّر أنَّ غرضهم فيها إنَّما هو إلحاق اللفظ باللفظ؛ نحوشملل، وجهور، وبيطر) فتنكبوا إلحاقها بها؛ صونًا للمعنى، وذبًّا عنه أن يستهلك ويسقط حكمه، فأخلوا بالإلحاق لما كان صناعة لفظية ووقَّروا المعنى"[17]. ومن ذلك قوله:" إنَّهم لا يلحقون الزَّائد من أول الكلمة إلا أن يكون معه زائدٌ آخرٌ، فلذلك جاز الإلحاق بالهمزة والياء في (ألندد، ويلندد) لما انضم إلى الهمزة والياء النون"[18]. ومن ذلك قوله:"ومن ذلك أيضًا أنَّهم لا يُلحقون الكلمة من أولها إلا أن يكون مع الحرف الأول غيره"[19].
واللَّواحق والزوائد أمرٌ يعرفه معظم اللغات أيضًا، ومع ذلك لا يدخل ذلك الأمر في دراسات الوصفيين.

(2) التَّعويض: درس ابن جني كثيرًا من مسائله في الخصائص، ومن ذلك قوله:" ومثله في التَّعويض لا الفرق قولهم: تقى وتقواء، ومضى على مضوائه، وهذا أمرٌ ممضوٌّ عليه، ونحوه في الإغراب قولهم: عَوَى الكلبُ عوَّةً، وقياسه عيَّه"[20]. وقوله:" ومثله الضّواة والحواة، فأمَّا (آية وغاية) وبابهما فشاذٌّ، وكأنَّ فيه ضربًا من التَّعويض؛ لكثرة اعتلال اللام مع صحة العين إذا كانت أحد الحرفين"[21]. ومن ذلك قوله:"وعلى ذلك أيضًا عوَّضوا في المصدر ما حذفوه في الفعل، فقالوا: أكرم يكرم، فلمَّا حذفوا الهمزة في المضارع أثبتوها في المصدر فقالوا: الإكرام"[22]. ومنه قوله:" ألا تراهم لمَّا حذفوا ياء (فرازين) عوَّضوا منها الهاء في نفس المثال، فقالوا: فرازنة، وكذلك لمَّا حذفوا فاء (عِدَّة) عوَّضوا منها نفسها التاء، وكذلك (أينق) في أحد قولى سيبويه فيها، لمَّا حذفوا عينها عوَّضوا منها الياء "[23].
وهذا أيضًا من المسائل التي لا يأبه بها البنيويون التقليديون (الوصفيون).

ثالث عشر: دراسة العدل والإهمال: وهما ظاهرتان مشهورتان في الدرس اللغوي العربي، وقد درسهما ابن جني في الخصائص، ومن أمثلة ذلك ما يأتي:
(1) العَـدْلُ: هو: هو تحويل الاسم من حالة إلى حالة أخرى مع بقاء المعنى الأصلي، أو خروج الاسم عن صيغته الأصلية إلى صيغة أخرى.[24] وهو تحويل اللَّفظ من هيئةٍ إلى أخرى لغير قلب أو تخفيف أو إلحاق.[25] وقيل: ومعنى العَدْلِ أن يشتق من الاسم النكرة الشائع اسمٌ ويغير بناؤه، إمَّا لإِزالة معنى إلى معنى، وإمَّا لأن يُسمى به.[26] وقيل: معنى العدل أن تلفظ ببناء وأنت تريد بناء آخر؛ نحو: عمر وأنت تريد عامرًا، وزفر وأنت تريد زافرًا[27] , والعدل إنَّما هو أن تلفظ ببناءٍ وتريد الآخر[28]. قال الرضى:" العدل إخراج الاسم عن صيغته الأصلية بغير القلب، لا للتخفيف، ولا للالحاق، ولا لمعنى، فقولنابغير القلب)، ليخرج نحو: أيس، في يئس، وقولنالا للتخفيف) احتزار عن مقام، ومقول، وفخذ، وعنق، وقولنا (ولا للإلحاق)، ليخرج؛ نحو: كوثر، وقولنا: (ولا لمعنى) ليخرج نحو: رجيل ورجال... ويقال: اسم معدول؛ أي: مصروف عن بنيته، والعـدول: الانصراف والخروج". [29]


وقد درس ابن جني ظاهرة العدل في اللغة العربية في الخصائص، ومن ذلك قوله:" فإن قلت: إنَّ العدلَ ضربٌ من التَّصرُّف، وفيه إخراجٌ للأصل عن بابه إلى الفرع، وما كانت هذه حالة أقنع منه البعض، ولم يجب أن يشيع في الكُلِّ"[30]. ومن ذلك قوله:" قد يؤلّـف العدل؛ نحو: أُحاد وثُناء وثُلاث ورُباع، وكذلك إلى عُشار"[31]. ومن ذلك قوله:" وذلك أنَّه كثيرًا ما يُعدَل عن أصول كلامهم؛ نحو: عُمِر، وزُفَر، وجُشَم، وقُثَم، وثُعَل، وزُحَل" [32]. وهذه المسألة يسيطر على دراستها المنهج التاريخي والتأويل، وهذا يتناقض مع أسس البنويين التقليديين (الوصفيين).

(2) الإهمال: هو ضد الاستعمال، وقد يكون الإهمال مقصودًا به عدم استعمال اللفظ، وقد يُقصد به إهمال عمل بعض العوامل، وهو ظاهرة كبيرة في الدرس اللغوي العربي، وقد درسها ابن جني في خصائصه، ومن ذلك قوله:" فإن قلت: فقد نجد في اللغة أشياء كثيرة غير محصاةٍ ولا محصلةٍ؛ لا نعرف لها سببًا، ولا نجد إلى الإحاطة بعللها مذهبًا، فمن ذلك إهمال ما أهمل، وليس في القياس ما يدعو إلى إهماله، وهذا أوسعُ من أن يحوج إلى ذكر طرف منه..."[33]. ومن ذلك قوله:" أمَّا إهمال ما أهمل ممَّا تحتمله قسمة التَّركيب في بعض الأصول المُتصوَّرة أو المُستعملة، فأكثرُه متروكٌ للاستثقال، وبقيته ملحقةٌ به، ومقفَّاةٌ على إِثْرِهِ، فمن ذلك ما رُفض استعماله لتقارُب حروفه؛ نحوسص، وطس، وظث، وثظ، وضش، وشض) وهذا حديث واضحٌ؛ لنفور الحِسِّ عنه، والمشقَّة على النفس لتكلُّفـه"[34].

ويقول:" إنَّهم لمَّا أمسُّوا الرباعي طرفًا صالحًا من إهمال أصوله، وإعدام حال التمكن في تصرُّفه؛ تخطوا بذلك إلى إهمال بعض الثُّلاثي، لا من أجل جفاء تركبه بتقاربه؛ نحو (سص، وصس) ولكن مِنْ قِبَلِ أنَّهم حذوه على الرُّباعي، كما حذوا الرُّباعي على الخُماسي، ألا ترى أنَّ (لجع) لم يترك استعماله لثقلـه من حيث كانت اللام أخت الراء والنون... "[35]. ومنه قولـه:" سبب إهمال ما أهمل إنَّما هو لضربٍ من ضروبِ الاستخفاف، لكن كيف، ومن أين، فقد تراه على ما أوضحناه، فهذا الجواب عن إهمالهم ما أهملوه من مُحتمل القسمة لوجوه التَّراكيب، فاعرفه ولا تستطله، فإنَّ هذا الكتاب ليس مبنيًّا على حديث وجوه الإعراب، وإنَّما هـو مقام القول على أوائل أصول هـذا الكلام، وكيف بدئ وإلام نحى... "[36]. وكلام ابن جني السابق يتعارض تمامًا مع البنيويين الوصفيين.

ويناقش ابن جني مسائل عدة ذات صلة بظاهرة الإهمال حيث يقول:" فإنَّ أحدًا لم يتكلَّف الكلام على علة إهمال ما أهمل واستعمال ما استعمل. وجماع أمر القول فيه والاستعانة على إصابة غروره ومطاويه لزومك محجة القول بالاستثقال والاستخفاف، ولكن كيف، وعلام، ومن أين، فإنَّه باب يحتاج منك إلى تأنٍ وفضل بيانٍ وتأتٍ، وقد دقَّقت لك بابه بل خرقت بك حجابه، ولا تستطل كلامى في هذا الفصل أو ترينَّ أنَّ المُقنع فيه كان دون هذا القدر، فإنَّك إذا راجعته وأنعمت تأمله؛ علمت أنَّه منبهة للحِسِّ مُشجِّعة للنفس"[37].

وبعد، فإنَّنا قد لا نجد صدىً لدى البنيويين التقليديين، والتحويليين (التوليديين)، لكثيرٍ من الظَّواهرِ اللُّغوية السَّابقة، ولم يدرسوها بالمنظور الذي جاء عند ابن جني في الخصائص؛ كدراسة الضمائر، والتَّرخيم، والمركب المزجي، والإعلال، والإبدال، والإلحاق، والإدغام، والقلب، والتعويض، والكلمات المشتقة، والكلمات المنقولة...الخ، وذلك لاختلاف اللغات، فهذا من باب اختلاف الألسنة، فبعض هذه الظَّواهر لا تعرفها اللغات الأعجمية، وقد يكون ذلك دليلاً على سعة العربية، ومرونتها وتنوُّعها، كما تدلُّ دراسـة ابن جني لهذه المسائل والأبواب على تفحُّصه للغة العربية وتراكيبها، وسبره لأغوارها.

رابع عشر: دراسته لأسلوب التَّعجب:
دراسة ابن جني لأسلوب التَّعجب تشي بأنَّ في هذا الأسلوب تحولاً من بنية إلى أخرى، ومن دلالة إلى أخرى، وللإيجاز أسوق بعض عبارات ابن جني في الخصائص التي تدلُّ على ذلك، ومنها قوله:" وكذلك نعتقد نحن أيضًا في الفعل المبنىّ منه فِعْلُ التعجب أنه قد نُقِل عن فَعَل وفَعِل إلى فَعُلَ، حتى صارت له صفةُ التَّمكّن والتَّقدّم، ثم بُنى منه الفعل، فقيل: ما أفعلـه، نحو ما أشعره؛ إنَّما هو من شَعُر ... وكذلك ما أقتله وأكفره: هو عندنا من قَتُل وكَفُر تقديرًا، وإن لم يظهر في اللَّفظ استعمالاً، فلمَّا كان قولهم: كارمنى فكرمته أكرمه، وبابه صائرًا إلى معنى فَعُلت أفعُل أتاه الضمّ من هناك. فاعرِفه " [38].

وفي (باب في نقض الأوضاع إذا ضامّها طارئ عليها) يقول:" من ذلك لفظ الاستفهام إذا ضامّه معنى التعجّب استحال خبرًا. وذلك قولك: مررتُ برجلٍ أيّ رجلٍ. فأنت الآن مُخبَّرٌ بتناهي الرُّجل في الفضل، ولست مستفهِمًا. وكذلك: مررت برجل أيِّما رجل؛ لأنَّ (ما) زائدة. وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّ أصل الاستفهام الخبر، والتعجّبُ ضربٌ من الخبر. فكأنَّ التعجّب لمّا طرأ على الاستفهام إنَّما أعاده إلى أصله: من الخبريّة "[39].

خامس عشر: دراسة العامل:
العامل من الأمور التي اهتم بدراستها ابن جني مُشاركًا النُّحاة العرب في هذا الشَّأن، ولا داعي لإطالة الحديث عن نظرية العامل، وما يهمنا هنا دراسة ابن جني في هذا الشَّأن، ومن ذلك قوله:" رتبة المعمول أن يكون بعد العامل فيه"[40]. ويقول عبارته الرَّائدة الذَّكية:" فالعملُ من الرفع والنصب والجر والجزم؛ إنَّما هو للمتكلم نفسه لا لشيء غيره، وإنَّما قالوا لفظي ومعنوي؛ لمَّا ظهرت آثار فعل المُتكلِّـم بمُضامَّة اللَّفظ للَّفظ، أو باشتمال المعنى على اللفظ، وهـذا واضحٌ "[41].

ومنه قوله:" ما يُحدثه التَّركيب من الحركة ليس بأقوى ممَّا يُحدثه العامل فيها، ونحن نرى العامل غير مؤثر في المبنى؛ نحو: من أين أقبلت، وإلى أين تذهب، فإذا كان حرف الجر على قوته لا يُؤثِّر في حركة البناء... "[42]. وقوله: "الحرف العامل وإن كان زائدًا فإنَّه لابدَّ عاملٌ"[43]. ومن ذلك قوله:" قولنا في المعطوف: إنَّ العامل فيه غير العامل في المعطوف عليه"[44]. وقوله:" البدل العامل عندك فيه هو غير العامل في المُبدل منه"[45]. وقوله: "العامل في الحال هو غير العامل في صاحب الحال"[46]. وقوله:" وأقوى أحوال حرف العطف أن يكون في قوة العامل قبله، وأن يلى من العمل ما كان الأول يليه"[47]. ومنه قوله:" ومن الاحتياط إعادة العامل في العطف والبدل، فالعطف نحو: « مررت بزيد وبعمرو»، فهذا أوكد معنى من « مررت بزيد وعمرو»، والبدل كقولك: « مررت بقومك بأكثرهم»، فهذا أوكد معنى من قولك: «مرت بقومك أكثرهم»، ووجوه الاحتياط في الكلام كثيرة، وهذا طريقها فتنبَّـه عليها "[48].

وممَّا سبق وغيره نستطيع أن نقول أنَّ أبا الفتح كان يرى أنَّ العوامل ثلاثة: العامل اللفظي، والعامل المعنوي، والعامل الّلفظي المعنوي. ويرى أنَّ العوامل الّلفظية في الحقيقة معنوية، وهي جميعها ترجع إلى المتكلم أولاً وآخرًا، فإّنه العامل الحقيقي. ومن ذلك رأيه في تقديم الأقوى من المتقاربين قال:" وأنا أرى أّنَّهم إنَّما يُقدِّمون الأقوى من المُتقاربين من قبل أن جمع المُتقاربين يثقل على النَّفس، فلمَّا اعتزموا النُّطق بهما قدَّموا أقواهما لأمرين: أحدهما: أنَّ رتبة الأقوى أبدًا أسبق وأعلى، والآخر: أّنَّهم إنَّما يُقدِّمون الأثقل ويؤخرون الأخفَّ، من قِبَلِ أنَّ المتكّلم في أول نُطقه أقوى نفسًا وأظهر نشاطًا، فقـدَّم أثقل الحرفين، وهو على أجمل الحالين، كما رفعوا المبتدأ لتقـدُّمه فأعربوه بأثقل الحركات وهي الضمة، وكما رفعوا الفاعل لتقدُّمه، ونصبوا المفعول لتأخُّره، فإنَّ هذا أحد ما يحتجَّ به المبتدأ أو الفاعل" [49]. ويقول:" وكان العرب أبو الحسن يذهب إلى أنَّ ما غُيِّر لكثرة استعماله إنَّما تصوَّرته العرب قبل وضعه، وعلمت أّنَّه لابد من كثرت استعمالها إياه، فابتدأوا بتغييره، علما بأن لابد من كثرته الداعية إلى تغييره "[50].

إذن، فالأمرُ عند ابن جّني يسير. إذ يلجأ إلى الّتمثيل، ويُكثر منه، موضحًا دقة طبع العربي، وخّفة لسانه، وسلامة ذوق، ورهافة حسِّه، وليس أدلّ على هذا الطَّبع المُتأصِّل، ونبذ الّلفظ المستوحش الغريب، من سؤال ابن جّني لأبي عبد الله محمد بن العسَّاف العقيلي الجوثي التَّميمي، فقال له: " يا أبا عبد الله، كيف تقول ضربتُ أخاك؟ فقال: كذاك. فقلت: أتقول: ضربت أخوك؟ فقال: لا أقول (أخوك) أبدًا. فقلت كيف تقول: ضربني أخوك؟ فقال: كذاك. فقلت: ألست زعمت أّنك لا تقول أخوك أبدًا؟ فقال: إيش ذا! اختلفت جهتا الكلام. فهل هذا إّلا أدل شيء على تأملهم مواقع الكلام، وإعطائهم إياه في كل موضع حّقه، وحصته من الإعراب عن مِيزة وعلى بصيرة، وأنَّه ليس استرسالاً ولا ترجيمًا " [51].

ودرس ابن جني تأثير تغيُّر العامل في المعنى، ومن ذلك ما سقناه سلفًا، قوله في الخصائص: "ومن إصلاح اللفظ قولهم: « كأن زيدًا عمرو» اعلم أنَّ أصل هذا الكلام « زيد كعمرو» ثم أرادوا توكيد الخبر فزادوا فيه (إنَّ) فقالوا: « إنَّ زيدًا كعمرو » ثم إنَّهم بالغوا في توكيد التشبيه: فقدَّموا حرفه إلى أول الكلام، عنايةً به، وإعلامًا أنَّ عقد الكلام عليه، فلمَّا تقدَّمت الكاف وهي جارة لم يجز أن تباشر (إنَّ)؛ لأنَّها ينقطع عنها ما قبلها من العوامل، فوجـب لذلك فتحُها، فقالـوا: « كأنَّ زيدًا عمرو»"[52]. بيد أنَّ ابن جني في الخصائص لم يخصص أبوابًا لكثير من العوامل؛ كالأفعال الناسخة، والحروف الناسخة، وغير ذلك، وقد فعل ذلك في باقي كتبه التي تخرج عن نطاق هذه الدراسة.

وبعد فإنَّ العامل عند علماء العربية هو: محور التركيب؛ أي: المهيمن، باعتباره نواة الكلام، زيادة على الأصل ذات وظيفة تركيبية. والعامل سبب الحركة الإعرابية؛ أي: هو سبب الآثار الصوتية التي تعكس الحالات الإعرابية، فهو، إذًا، سبب بناء الكلام، وبدونه لا يكون؛ أي: الكلام، وتنعدم الفائدة. إذًا، هناك علاقة رياضية تحكمه.

أمَّا العامل عند شومسكي فهو تركيبي، ولذلك نجده؛ أي: شومسكي، يركِّز فيه على تحديد وظيفته داخل التركيب؛ أي: بيان العناصر التي يتحكَّم فيها مكونيًّا. ولقد تفطَّن شومسكي إلى لمفهوم العامل النحوي، كما تفطَّن إلى أهميته في المنهج التحويلي على صورة لا تبتعد كثيرًا على تلك التي جاءت في النحو العربي[53]. ففكرة القواعد العامة عند شومسكي اعتمدت في البدء على نظرية العامل والإحكام الربطي (government and binding theory) أو "العامل والرَّبط الإحالي" [54] التي ظهرت أولاً في كتاب محاضرات حول العامل والإحكام الرَّبطي[55] (Lectures on Government and Binding) .

ممَّا يؤكِّـد أنَّ دراسة العامل كانت مَحطُّ اهتمام شومسكي وأتباعه، ولكن يرى كثيرٌ من الباحثين؛ أنَّ تفسير محرك التَّوليد نسخة من نظرية العامل، وتشومسكي صنع نظرية العامل في الثمانينات، وهي النقل الأمين لنظرية العامل عند النحاة العرب، ومنهم ابن جني. وللأسف بدأ اللغويون العرب المُعاصرون ينشرون العاملية (عاملية تشومسكي)، وهي نفسها عاملية سيبويه، ابن جني، وعبد القاهر الجرجاني، وغيرهم، وهم بذلك قد يجهلون حقيقة أنَّ "القواعد التَّحويلية ليست بديلاً عن القواعد التَّقليدية، وإنَّما هي مُكمِّلةٌ لها "[56].

وهناك مبدأٌ لسانيُّ ارتبط وتداخل مع نظرية العامل؛ وهو نمط التَّبعية النَّحوية ـ الذي استغلته اللسانيات الحاسوبية أيّما استغلال[57]، وهو مبنيٌّ على فكرة أساسية، مفادها أنَّ جميع الألفاظ البشرية تابعةٌ لما قبلها أو متبوعة " فهذه النظرية ـ أي: التَّبعية ـ هي أقرب بكثير إلى نمط النُّحاة العرب، وخاصة إلى مفهوم العمل" [58]. فالفعل تابعٌ للفاعل، والصفة للموصوف، والخبر للمبتدأ، وهكذا دواليك. ونظرًا لأهمية هذا المبدأ، فقد أدخله تشومسكي في نظريته الجديدة ـ الرَّبط العاملي ـ من أجل تقديم تفسير صوري رياضي للتَّراكيب اللغوية، واستثمره لأجل تجاوز العقبات التي تظهر مع بعض الجمل المُتداخلة المُركَّبة [59].

وبعد، فالعامل كمفهوم موجودٌ في التُّراث اللساني العربي والغربي، على حدٍّ سواء؛ إلا أنَّه يتمايز فيهما بناء، قانونًا ودلالةً [60]؛ لتمايز البيئة والحضارة ومنهج المعالجة. فللنُّحاةِ الأولين حجتهم وآراؤهم العاملية. وللسانيات الغربية التشومسكية مذهبها. ويتأكَّد لنا أنَّ نظرية تشومسكي تتقاطع مع النظرية اللسانية العربية في منهجها، وهو العمل والربط الإحالي، وفي التَّحويل، وغيرهما من المفاهيم اللِّسانية المحورية [61].

سادس عشر: اللَّفـظ والمعنـى: من المسائل التي شغلت العلماء واللغويين قديمًا وحديثًا، شرقًا وغربًا، يقول عبد العزيز حمودة:"وتكاثفت الجهود في تحديد النِّظام اللُّغوي الذي يحكم نظام العلامات اللغوية، واحتلت ثنائية اللفظ والمعنى مكان الصَّدارة في الدراسة والجدل المُستمر، وهكذا ننطلق إلى دراسة الأركان التي نرى أنَّها أسَّست ما يُمكن أن نُسميه نظرية لغوية عربية "[62]. ودراسة مسألة اللفظ والمعنى ذات صلة مباشرة أو غير مباشرة بدراسة البنية العميقة والبنية السطحية، ولابن جني في مسألة اللفظ والمعنى آراءٌ رائدةٌ، وخاصة بعد انقسام اللغويين العرب القدماء إلى فريقين: فريق يُغلِّب اللفظ على المعنى، وآخر يغلِّب المعنى على اللفظ. وقد غلَّب ابن جني جانب المعنى على اللفظ كما سنرى.
يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 38.81 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 38.18 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.62%)]