وتحدَّث ابن جني عن منفعة الاشتقاق قائلاً:"منفعة الاشتقاق لصاحبه أن يسمع الرجل اللفظة فيشكُّ فيها، فإذا رأى الاشتقاق قابلاً لها أنس بها وزال استيحاشه منها "[47].
والاشتقاق والتَّوليد أمرٌ يهمُّ البنيويون التوليديون لا البنيويون التقليديون (الوصفيون).
سادسًا: دراسة الضَّمائر: من المعروف أنَّ الضميرَ هو اسمٌ مُختصرٌ، والبنية السَّطحية المنطوقة للضمير يكمن تحتها بنية عميقة، كما أنَّ جانبًا كبيرًا من هذه الضمائر لا يظهر في البنية السطحية للكلام؛ أي: يستتر جوازًا أو وجوبًا، ودراسة الضمير جلية في الخصائص؛ ومن ذلك قول ابن جني:"المُضمر المُتصل وإن كان أضعف من الضمير المُنفصل، فإنَّه أكثر وأسير في الاستعمال منه"[48]، وقوله " فأفرد الضمير مع قدرته على جمعه، وهذا يدلُّك على قوة اعتقادهم أحوال المواضع"[49]. ودراسة ابن جني والنحاة العرب للضمائر ظاهرة جلية في تراثهم اللغوي. ويدرك ابن جني جني أهمية الضمير، ومن ذلك قوله:"ألا ترى أنَّك إذا قلت: « قام » وأخليته من ضمير، فإنَّه لا يتمُّ معناه الذي وضع في الكلام عليه وله؛ لأنَّه إنَّما وُضع على أن يُفاد معناه مُقترِنا بما يُسند إليه من الفاعل، و« قام » هذه نفسها قول، وهي ناقصة مُحتاجة إلى الفاعل، كاحتياج الاعتقاد إلى العبارة عنه"[50].
وقد اهتمَّ البنيوين التوليديون أيضًا بدراسة الضمائر؛ لأهمية الضَّمائر في تحقيق التَّماسك الشَّكلي والدِّلالي. فتشكيل المعنى و إبرازه يعتمد على وضع الضمائر داخل النص، وأكَّد علماء النَّصِّ أنَّ للضمير أهمية في كونه:" يحيل إلى عناصر سبق ذكرها في النص... وأنَّ الضمير له ميزتان، الأولى: الغياب عن الدائرة الخطابية، والثانية: القدرة على إسناد أشياء معينة، وتجعل هاتان الميزتان من هذا الضمير موضوعًا على قدرٍ كبيرٍ من الأهمية في دراسة تماسك النصوص"[51]. وعليه فإنَّ دراسة ابن جني للضمير تشبه دراسات الباحثين المحدثين لعناصر التَّماسك النصِّي، وعلم لغة النصِّ.
سابعًا: دراسة التَّرخيم: التَّرخيم: التَّليين، وقيل: الحذف، ومنه ترخيم الاسم في النداء؛ وهو أن يحذف من آخره حرف أو أكثر، كقولك إذا ناديت حارثًا: يا حارُ، ومالكًا: يا مالُ؛ سمي ترخيمًا لتليين المنادي صوته بحذف الحرف"[52]، ومن ذلك قول ابن جني:" وعليه قولهم في المثل: « أطرق كرا » إنَّما هو عندنا ترخيم (كروان) على قولهم: « يا حارُ »... " [53]. وقوله:" ومثله ترخيم (برثن ومنصور) فيمن قال: « يا حار » إذا قلت: « يا برث ويا منص »..."[54]. كما تحدَّث ابن جني عن بعض مسائل التَّرخيم؛ ومن ذلك قوله:" يضعف تحقير التَّرخيم؛ لأنَّ فيه حذفًا "[55].
ثامنًا: دراسة الكلمات المركبة: من فرط اهتمام النحاة العرب بالبنية العميقة أو أصل الكلمة أو الكلام اهتمامهم بأصل الكلمات المنطوقة (السطحية) ومعرفة بنيتها العميقة (الأصلية)؛ ولذلك نجد عندهم الحديث عن التَّركيب الذي ينتج لنا كلمة مكونة من كلمتين (التركيب المزجي - الإسنادي - الإضافي)، فالمزجي مثل: حضر موت، فأصلها (حضر) و(موت)، والإسنادي مثل: (جاد الحقُّ) فأصلها (جاد) و (الحقُّ)، والإضافي: مثل: (عبد الله) فأصلها (عبد) و(الله)..الخ. وكذلك تحليلهم للكلمات مثل (مهما، كأنما، كذا، كأين، هذا، ها هنا، كذالك وهنالك، ربما، ممَّا،..الخ)، فمثل هذه الكلمات لها بنية عميقة أصلية غير المنطوقة السطحية بيد أنَّ التَّشابه بين البنيتين جلي. ومن ذلك قول ابن جني:" ومنها (هلمَّ) وهو اسم ائت وتعال، قال الخليل: هي مركبة، وأصلها عنده (ها) للتنبيه، ثم قال: لم؛ أي: لم بنا، ثم كثر استعمالها، فحذفت الألف تخفيفًا، ولأنَّ اللام بعدها؛ وإن كانت متحركة فإنها في حكم السكون"[56]. ومنه قوله:" (لولا) فاشتقُّوا الفعل من الحرف المركب من (لو) و(لا) "[57].
تاسعًا: دراسة الإعلال والإبدال: وهي ظاهرتان لغويتان صرفيتان درسهما علماء العربية، ومنهم ابن جني، وهما بلا شك تسهمان بدور مباشر أو غير مباشر في التَّحويل من البنية العميقة إلى البنية السَّطحية، أو تسهم في تفسير البنية السَّطحية، ويُشير ابن جني إشارة عامة إلى شرط وقوع مثل هذه الظَّواهر اللُّغوية في العربية بقوله:"ولا تقدمنَّ على أمر من التَّغيير إلا لعذرٍ فيه وتأتٍ له ما استطعت، فإنْ لم تجنِ على الأقوى كانت جنايتك على الأضعف"[58]. وأسوق هنا أمثلة من أقوال ابن جني حول هذه الظواهر، وذلك على النحو الآتي:
(1) الإعلال: هو تغيير حرف العلة للتَّخفيف، وذلك بقلبه أو إسكانه أو حذفه، وقد درسه ابن جني في الخصائص، ومن ذلك قوله: "الحذف ضرب من الإعلال، والإعلال إلى السواكن لضعفها أسبق منه إلى المتحركات لقوتها"[59]. وقوله:" وأمَّا أبو بكر فذهب في إعلال ثيرة إلى أنَّ ذلك لأنَّها منقوصة من ثيارة، فتركوا الإعلال في العين أمارة لما نووه من الألف"[60]. ويقول أيضًا: "وكذلك باب أقام وأطال واستعاذ واستزاد ممَّا يسكن ما قبل عينه في الأصل ألا ترى أنَّ أصل أَقَامَ أَقْوَمَ، وأصل استعاذ استعوذ، فلو أخلينا وهذا اللفظ لاقتضت الصورة تصحيح العين لسكون ما قبلها، غير أنَّه لمَّا كان منقولاً ومخرجًا من معتل هو قام وعاذ أجرى أيضًا في الإعلال عليه"[61]. ويقول: "باب الفعل إذا كانت عينه أحد الحرفين أن يجئ معتلا إلا ما يستثنى من ذلك؛ نحو: طاول وبايع وحول وعور واجتوروا واعتونوا"[62]. ومن ذلك قوله:" الإعلال بالزَّائد أولى منه بالأصل"[63]. ومن ذلك قوله:"تراهم يُعلُّون المصدر لإعلال فعله"[64].
(2) الإبدال: هو التَّغيير الذي يلحق أي حرف هجائي؛ سواءً أكان (صحيحًا أم معتلاً) بحيث يتحول إلى حرف صحيح آخر سوى الهمزة، وموضع الإبدال صيغة (افتعل) ومشتقاتها. وقد تعرَّض ابن جني لدراسة الإبدال في الخصائص، ومن ذلك قوله:"وكذلك استغنوا بـ (أينق) عن أن يأتوا به والعين في موضعها، فألزموه القلب أو الإبدال، فلم يقولوا (أنوق) إلا في شىءٍ شاذٍّ حكاه الفراء، وكذلك استغنوا بـ (قسى) عن (قووس) فلم يأتِ إلا مقلوبًا"[65]. وقوله:"وهم قد أبدلوا الحييان إلى الحيوان"[66]. وقوله:" ومن ذلك قولهم «عمبر» أبدلوا النون ميمًا في اللَّفظ؛ وإن كانت الميم أثقل من النون فخففت الكلمة، ولو قيل «عنبر» بتصحيح النون لكان أثقل"[67].
وهذا أيضًا من المسائل التي لا يأبه بها البنيويون التقليديون (الوصفيون).
[1] الخصائص 1 /317.
[2] المرجع السابق 1 / 168.
[3] المرجع السابق 3 /80.
[4] الخصائص 2 /164. وينظر: الكتاب 2 /103.
[5] الخصائص 2 /92.
[6] المرجع السابق 3 /242.
[7] المرجع السابق 2 /134.
[8] المرجع السابق 1 /12.
[9] المرجع السابق 2 /66.
[10] المرجع السابق 2 /459.
[11] المرجع السابق 2 /472.
[12] عبده الراجحي، النحو العربي والدرس الحديث ص144.
[13] ينظر: محمد الخولي، دراسات لغوية، الرياض، ط دار العلوم، 1982م، ص52.
[14] ينظر: السيوطي، همع الهوامع، القاهرة، مطبعة السعادة، 2 /4.
[15] ينظر: الخصائص 2 /368، ورضي الدين الاستراباذي، شرح الكافية 1 /207 2 /451 3 /90.
[16] الخصائص 2 /253.
[17] المرجع السابق 1 /104.
[18] المرجع السابق 1 /185.
[19] المرجع السابق 1 /196.
[20] المرجع السابق 1 /197.
[21] المرجع السابق 2 /379.
[22] المرجع السابق 3 /268.
[23] ينظر: جون ليونز، نظرية تشومسكي اللغوية ص32.
[24] المرجع السابق 2 /411.
[25] المرجع السابق 2 /423.
[26] المرجع السابق 2 /435.
[27] المرجع السابق 1 /237.
[28] المرجع السابق 1 /251.
[29] المرجع السابق 3 /314.
[30] المرجع السابق 2 /157.
[31] المرجع السابق 1 /110.
[32] المرجع السابق 1 /284.
[33] ينظر في ذلك: محمد حماسة عبد اللطيف، النحو والدلالة،مرجع سابق، وعبد الله جاد الكريم، المعنى والنحو، ط1، القاهرة، مكتبة الآداب، 2002م.
[34] ينظر: المبحث الثالث من الفصل الأول شومسكي والبنيوية التحويلية.
[35] الخصائص 1 /312.
[36] المرجع السابق 1 /317.
[37] المرجع السابق 1 /321.
[38] قمشها: القَمْش جمع الشيء من ههنا وههنا. ابن منظور، لسان العرب، 6 / 338، مادة قمش، والرازي، مختار الصحاح، 1 /560 قمش.
[39] محطوبة: حطب: يَبْس. ابن منظور، لسان العرب، 6 / 261، مادة يبس.
[40] هرجة: الهِرْجُ: الضعيف من كل شيء. ابن منظور، لسان العرب، 2 / 389، مادة هرج.
[41] الخصائص 2 /125.
[42] المرجع السابق 1 /12.
[43] المرجع السابق 1 /248.
[44] المرجع السابق 2 /133 - 134 بتصرف.
[45] المرجع السابق 3 /242.
[46] المرجع السابق 2 /34.
[47] المرجع السابق 1 /369.
[48] المرجع السابق 2 /192.
[49] المرجع السابق 2 /419.
[50] المرجع السابق 2 /419.
[51] ينظر: محمد حماسة عبد اللطيف، الإبداع الموازي - التحليل النصي للشعر، القاهرة، دار غريب للطباعة و النشر والتوزيع، 2001م، ص 34.
[52] ينظر: ابن منظور، لسان العرب 12 /234، والرازي، مختار الصحاح، تحقيق: محمود خاطر، بيروت، لبنان، ط مكتبة، 1995م 1 /101، وابن هشام، شرح قطر الندى 1 /213.
[53] الخصائص 3 /118.
[54] المرجع السابق 3 /137.
[55] المرجع السابق 1 /271.
[56] المرجع السابق 3 /35.
[57] المرجع السابق 2 /37.
[58] المرجع السابق 2 /472
[59] المرجع السابق 1 /89.
[60] المرجع السابق 1 /112.
[61] المرجع السابق 1 /118.
[62] المرجع السابق 1 /119.
[63] المرجع السابق 2 /65.
[64] المرجع السابق 1 /113.
[65] المرجع السابق 1 /267.
[66] المرجع السابق 3 /19.
[67] المرجع السابق 3 /20.