فقه النوازل (3)
التنظيف بالبخار
سعد بن تركي الخثلان
التنظيف بالبخار
وننتقل بعد ذلك إلى النازلة الثانية، وهي التنظيف بالبخار، أو ما يسمى بالتنظيف الجاف، التنظيف الجاف، نقول: إن بعض الملابس كملابس الصوف، والمشالح، وأنواع من الملابس يفسدها غسلها بالماء، وتغسل بالبخار، فلو افترضنا أن هذه الملابس وقع عليها نجاسة، هذا المشلح مثلا، أو هذا اللباس من الصوف ونحو ذلك وقع عليها نجاسة فغسلت بالبخار، ومعلوم أنه عند الغسل بالبخار لا تغسل بالماء، وإنما تغسل بالبخار فقط، فهل غسلها بالبخار كاف في إزالة النجاسة الواقعة عليها؟ نقول أولا:
التنظيف بالبخار، أو ما يسمى بالتنظيف الجاف حقيقته: أنه عبارة عن إزالة النجاسة والأوساخ بمزيل سائل غير الماء، ثم استعمال بخار الماء، عند الغسل بالبخار يستخدم مزيل سائل غير الماء، ثم يستخدم بعد ذلك بخار الماء.
وذلك كيفية ذلك توضع بعض المركبات الكيميائية على الثوب المراد غسله، لإزالة ما علق به من أوساخ أو نجاسة، وبعد وضع هذه المادة تغسل ببخار الماء غسلا لا يصل إلى حد تقاطر الماء، وإنما بالبخار فقط، وفي هذه الطريقة نلاحظ أنه ليس هناك غسل بالماء بالمعنى المعروف، وإنما يعني ليس هناك غسل بالماء بالمعنى الذي يصل إلى حد تقاطر الماء، وإنما توضع هذه المادة، ثم من بعدها يغسل بالبخار، فهل هذا يكفي في إزالة النجاسة؟
هذه المسألة في الحقيقة يمكن تفريعها على المسألة السابقة التي فرعنا عليها النازلة الأولى، وهي هل يتعين الماء لإزالة النجاسة، أو لا يتعين؟ سبق أن ذكرنا خلاف الفقهاء في هذه المسألة وأن القول الصحيح عند عامة المحققين من أهل العلم أنه لا يتعين الماء لإزالة النجاسة، وأن النجاسة عين خبيثة طارئة، متى زالت بأي مزيل فإنها يحصل بها إزالة النجاسة وتحصل بها الطهارة التي هي الأصل في الأشياء.
وحينئذ نقول: إنه في هذه المسألة يحصل بهذا التنظيف بالبخار يحصل إزالة النجاسة، والتنظيف بهذه الطريقة يطهرها من النجاسة وتزول عين النجاسة بهذه الطريقة، ولو لم يحصل هناك غسل بالماء فيكون الغسل بالبخار كاف في إزالة النجاسة الواقعة على اللباس. وممن أفتى بهذا من العلماء المعاصرين الشيخ محمد بن عثيمين - رحمه الله - فقد أفتى بأن الغسل بالبخار كاف في إزالة النجاسة التي توجد على بعض الملابس.
هناك مسألة أخرى متفرعة عن هذه المسألة وهي الأشياء التي وقعت عليها نجاسة لكنه يضر غسلها بالماء، يحصل الضرر من غسلها بالماء، ونمثل لذلك مثلا بالأوراق النقدية معك في جيبك خمسمائة ريال وقعت عليها نجاسة، نفترض مثلا أنها وقعت منك في دورة المياه وأصابتها نجاسة ماذا تعمل؟ لو غسلتها لو غسلت هذه الخمسمائة ريال بالماء فلربما تلفت وتركها إضاعة للمال، فنحن بين أمرين: إما أن تتركها فيكون هذا إضاعة للمال، وإما أن تغسلها فتتلفها بهذا الغسل.
ومثل ذلك أيضا الأوراق المهمة لو كان معك مثلا صك أو ورقة مهمة وقع عليها نجاسة سقطت منك مثلا في دورة المياه، وتيقنت أنها قد وقعت عليها نجاسة فكيف تزيل هذه النجاسة؟ لو غسلتها لأتلفتها، فكيف تزال هذه النجاسة؟
نقول: هذه المسألة، يمكن ردها إلى قاعدة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - وهي أن الأشياء التي تتضرر باستعمال الماء يكفي فيها المسح، هذه القاعدة قررها شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله - أن الأشياء التي تتضرر باستعمال الماء يكفي فيها المسح ولا يلزم غسلها.
وبناء على ذلك نقول في مسألتنا: هذه الأوراق النقدية أو غيرها من الأوراق المهمة، إذا وقع عليها نجاسة وكان غسلها بالماء يتلفها، وحينئذ يكفي فيها المسح، يكفي مسحها، ومسحها كاف في إزالة النجاسة الواقعة عليها، وهذا المسح في الواقع تزول به عين النجاسة.
هذا حاصل كلام أهل العلم في هذه المسألة، نحن فرعنا هذه المسألة على القاعدة التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله - ونقول: إن المسح يكفي في إزالة النجاسة في هذه الحال نعم.
ودليله ما ذكرنا أن النجاسة إذا زالت بأي مزيل كان فإنها تزول، يقول: إن النجاسة هنا يمكن إزالتها عن طريق المسح.