
22-11-2021, 11:28 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,370
الدولة :
|
|
رد: مشاعل الفتوحات الإسلامية في العراق - تقرير
معركة دومة الجندل
في هذا الوقت كان عياض بن غنم ما زال في موقف صعب ويصل إليه مدد أبي بكر الصديق، وعلى رأس المدد الوليد بن عقبة. وكان في جيش خالد بن الوليد، وأرسله خالد إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنهم جميعاً بالغنائم من موقعة (المذار)، ويعيده أبو بكر مدداً إلى عياض بن غنم.
وعندما يصل إلى عياض بن غنم ويرى الموقف على هذا الوضع: المسلمون يحاصرون دومة الجندل، والمشركون في داخل الحصن، والعرب والفرس يحاصرون أجزاء من جيش المسلمين من حصن آخر، وكلا الفريقين أصابه التعب والإرهاق.
فيشير الوليد بن عقبة على عياض بن غنم أن يستعين بخالد بن الوليد، ويوافق عياض، ويرسل رسالة إلى خالد بن الوليد في (عين التمر)، وتصل الرسالة (ودومة الجندل هذه على بعد 500 كيلو متر من الحيرة وتقع في عمق الصحراء)، وبمجرد الانتهاء من الأنبار في 4 من رجب 12هـ، وعين التمر في 11 من رجب، تصل رسالة عياض بن غنم إلى خالد، يرد عليه برسالة قصيرة من كلمتين فقط: "إياك أريد".
وأرسل الرسول بالرسالة، وتبعه بالجيش على الفور، وقطع هذه المسافة 500 كيلو مترٍ، وهي مسافة طويلة جدًّاً، خاصة بعد أن خاض هذا الجيش الكثير من المعارك.
كان على رأس دومة الجندل اثنان من العرب أحدهما أكيدر بن عبد الملك، والآخر يُسمَّى الجودي بن ربيعة.
ويتقدم خالد بن الوليد بجيشه فيقول أكيدر: والله لا يرى قومي وجه خالد إلا هُزِمُوا، قلُّوا أو كثروا، فالرأي أن نصالحهم. ولكن الجودي بن ربيعة يتجبر ويتكبر ويقول: كيف نصالحهم؟!، لا بُدَّ أن نقاتلهم.
ولكن أكيدر بن عبد الملك يعلم حجمه أمام خالد، ويأخذ بعض جيشه وينسحب هاربًاً من دومة الجندل ويتوجه إلى شمال العراق، حتى يفلت من جيش خالد بن الوليد، ولكن مخابرات خالد بن الوليد كانت في منتهى الدقة، فقد علموا - وهم ما زالوا في الطريق إلى دومة الجندل - أن أكيدر بن عبد الملك قد هرب من طريق في شمال دومة الجندل متجهًاً إلى العراق، فيرسل خالد كتيبة بقيادة الصحابي الجليل الأقرع بن حابس، وكان على مقدمة جيش خالد بن الوليد في موقع المثنى بن حارثة الذي استخلفه خالد على أقرب نقطة من المدائن.
وتخرج هذه الكتيبة وتأسر أكيدر بن عبد الملك ويأتون به، فيقول لخالد بن الوليد: والله ما خرجت إلا لِتَلَقِّي الأمير ولا يقبل منه خالد بل يقطع رقبته.
ثم توجه خالد بعد ذلك إلى دومة الجندل، وكان بها حصن منيع، ولكنه لا يكفي لأعداد الفرس والعرب النصارى، فيتوجهون لقتال خالد، ويرسل خالد لعياض بن غنم أن يبقى كما هو في الجنوب ولا ينضم لجيش خالد، ويتجه خالد من شمال دومة الجندل حتى يفتحا المدينة، ويشتتا جيش الفرس والعرب الموجودين في هذا المكان بين الشمال والجنوب، واستطاع المسلمون أن ينفذوا هذه الخطة، ويقاتل خالدٌ الجيش الأول بقيادة الجودي بن ربيعة، ويقتله بنفسه، وينتصر أيضاً جيش عياض بن غنم على الجزء الذي يقابله من جيش الفرس والنصارى، وبهذا يتم النصر للمسلمين في دومة الجندل وتُفتح في 24 من رجب 12هـ، أي بعد (عين التمر) بثلاثة عشر يوماً.
ثم بعد أن تمكن له الوضع في دومة الجندل؛ طهَّر هذه المنطقة وترك عليها حامية، وعزم على العودة بجيشه إلى عين التمر.
نظرة تحليلية لعمليات خالد في العراق
كان فتح خالد بن الوليد للعراق بمنزلة مفاجأة من الطراز الأول من الناحية الإستراتيجية، فقد فعل ما لا يتوقعه العدو، وذلك في أكثر من جانب. ومن هذه الجوانب بحسب الدكتور راغب السرجاني:
1- غزو العراق من الجنوب
تقدم خالد لفتح العراق من منطقة كاظمة ثم صعد إلى الحيرة، وذلك بناء على خطة أبي بكر الصديق بأن يفتح خالد العراق من الجنوب وعياض بن غنم من الشمال، ثم التقاء الجيشين في فارس.
فهذه هي المرة الأولى في التاريخ التي يُفتح فيها العراقُ من الجنوب، فمن المعروف أن منطقة جنوب العراق كلها منطقة مستنقعات من المياه، وبها أنهار فرعية كثيرة، وبها موانع طبيعية كثيرة، وكان يستعصي على أي جيش أن يجتاز هذه المنطقة نظراً للصعوبة البالغة في ذلك، وكانت هذه المنطقة تمتلئ بالأشجار والغابات، وكانت تُسمى السواد، وكانت الأنهار تفيض كثيراً، ولم يكن بها سدود تمنع الماء، فكانت الفيضانات تغمر هذه الأراضي، هذا فضلاً عن الأشجار الكثيفة التي تغطي المنطقة بكاملها.
ومن ثَمَّ كان من الصعوبة بمكان أن يدخل أي جيش هذه المنطقة، أو يمرَّ منها ليصل إلى بلاد فارس العظيمة، أو إلى أي مكان من خلالها.
وفي التاريخ مرَّت كثير من الجيوش من الشرق إلى الغرب، ومن الغرب إلى الشرق، وكلها كانت تتجنب الدخول أو الاقتراب من هذه المنطقة؛ نظراً للصعوبة البالغة والمشقة الكبيرة المترتبة على هذا الأمر.
ولم يكن أهل فارس يتوقعون أن يأتيهم جيش من هذه المنطقة، ومن هنا كانت حصون فارس في هذه المنطقة ضعيفة، وليست كالحصون التي شيدوها في الشمال وفي الداخل. وقد تعود أهل فارس في هذه المنطقة في حالة حروبهم أن يتحصنوا داخل حصونهم القوية المنيعة، ولديهم من الطعام والشراب ما يكفيهم مدة كبيرة؛ حتى يملَّ الجيش المهاجم فيرحل عنهم.
ولكنهم لم يكونوا يعتقدون أن أحداً سيأتيهم من هذه المنطقة التي يصعب اجتيازها على أقوى الجيوش، فكانت حصونهم فيها ضعيفة، وكان أقواها حصن الحيرة وحصن الأبلَّة وحصن المرأة وحصن الرجل وحصن الأنبار وحصن عين التمر وحصن دومة الجندل، وكانت كل هذه الحصون متفرقة، ولم يكن يربط بينها أسوار كما في داخل فارس، ولم يكن هناك خنادق إلا خندق سابور من كاظمة حتى الشمال، ولكنه كان مهجوراً لندرة الحاجة إليه، وخندق آخر كان محفوراً حول الأنبار، فكانت هذه المنطقة من المناطق الضعيفة.. ومن ثَمَّ كان فتح المسلمين للعراق من الجنوب مفاجأة إستراتيجية لفارس.
2- سرعة التحرك
قام خالد أيضاً بمفاجأة تكتيكية في أسلوب القتال، فكان مما فاجأ به الفارسيين مفاجأة الزمان، فقد كانت كل معاركه تتسم بالسرعة في الحركة، ولم يكن أهل فارس يعهدون هذه السرعة، فقد كانوا على تَعَوّد أن يستعدوا للجيوش التي تقدم عليهم، ويكون لديهم من الوقت - بعد علمهم بأمر هذه الجيوش - ما يكفيهم للاستعداد لها، لكنّ خالداً كان يمتلك من سرعة الحركة ما أدهش الجيوش الفارسية، فكل حروبه في العراق تتسم بسرعة الوقت، وكان يسبق الخبر.
3- اختيار المكان الأنسب للقتال
كان خالد بن الوليد يحسن اختيار المكان الذي يقاتل فيه، ونذكر هنا موقعة كاظمة، فقد كان في نية خالد التقدم إلى الحفير، وهي منطقة تقع في غرب كاظمة، ولكن لما علم بذلك هرمز أمير الأبلّة وكاظمة توجه بجيشه إلى الحفير، فعلم بذلك خالد بن الوليد فغيّر مكان القتال، وعلى الفور انتقل إلى كاظمة واختار مكان القتال، وجاء الجيش الفارسي دون أن يكون مستعدّاً لقتال جيش خالد بن الوليد.
واختار خالد أيضاً منطقة الولجة مكاناً للقتال، ولما علم بتقدم جيش بهمن جاذويه من المدائن إلى المذار في شرق نهر دجلة، وعلم بتقدم جيش الأندرزغر من المدائن إلى الولجة حتى يحيطه من الجنوب، فخشي أن تحيطه الجيوش الفارسية من الشمال ومن الجنوب، فانسحب بجيوشه من المذار إلى الولجة، واختار هو مكان المعركة الولجة، وتمَّ له النصر على جيش الأندرزغر، وتم له أيضاً النصر بعد ذلك في موقعة أُلَّيْس على بهمن جاذويه.
4- سلاح الكمائن
لم يكن الفرس يعرفون الكمائن أو يسمعون عنها، وفي معركة الولجة خبّأ خالد جيشين كاملين لم يشتركا في القتال، أحدهما بقيادة بُسر بن أبي رهم، والآخر بقيادة سعيد بن مرّة. وعندما اشتد القتال وحمي الوطيس وكاد صبر الفريقين أن ينفد، أشار خالد إلى الجيوش المختبئة فالتفَّت حول الجيوش الفارسية في دائرة واحدة، وباغتتها من ظهرها؛ حيث كانوا ينتظرون أن يمدّهم بهمن جاذويه بمدد، وكان انتصاراً كبيراً للمسلمين.
5- الحيلة في الوصول إلى الأعداء
كان لخالد أيضاً في فتح الأنبار مفاجأةٌ في الأسلوب الحربي الذي اتبعه، فقد كان حول الأنبار خندق عميق لا تستطيع الخيول أن تقفز من فوقه، ويقف هذا الخندق عائقاً أمام الجيش المسلم، لكن خالداً بعد أن فُقِئَت من عيون أهل الأنبار ألف عين، قرر أن يجتاز هذا الخندق، فأمر بأن تُنْحَر ضعافُ الإبل وتوضع في الخندق وتمر عليها الخيول، ثم تقدم الجيش المسلم واقتلع باب الحصن، فاستسلم أهل الحصن والجيش الفارسي على الفور.
6- الحرب الليلية
كانت الحروب في هذه الفترة وقبلها نهاراً فقط، وعندما يأتي الليل تنفصل الجيوش بشكل تلقائي عن بعضها، حتى يأتي فجر جديد فيبدأ القتال، ولم يكن قتال الليل محبذاً طيلة هذه العصور وحتى بعد عصر خالد بمئات السنين؛ لأن الجيوش لم تكن تستطيع معرفة الأماكن الآمنة وأماكن الجند، إلى أن جاء القرن التاسع عشر عندما اختُرِعَ (اللاسلكي).
لكن خالداً استخدم أسلوباً جديداً على الفرس، لم يعهدوه، وهو أنه هاجمهم ليلاً - في موقعة المصيخ - ومن ثلاث جهات، وانتصر جيش المسلمين، ولكن هرب منها بعض الفرس وبعض العرب ومنهم الهزيل بن عمران. وكرر خالد هذه التجربة في الثني - وكان قد استفاد بعد المصيخ - ولم يفلت من الثني أحد، وكان تحقيق النصر بنسبة 100 %.
وانتقل إلى منطقة الزُّمَيل في الليلة نفسها قبل طلوع الفجر، ولم يفلت منهم أحد.
7- مفاجآت التحركات الغريبة
فقد تحرك من عين التمر إلى دومة الجندل، والتي تبعد 500 كم من الحيرة، فكيف يُتَصَوَّر أن جيشاً يفتح كل هذه البلاد ويترك فيها الحاميات، ويتركها في مواجهة المدائن أقوى حصون فارس على مَرِّ التاريخ، والجيش الفارسي على مقربة منهم، ولكنه يترك كل هذا ويتوجه بجيشه بسرعة عجيبة ويساعد جيش عياض بن غنم في دومة الجندل، ثم يعود مرة أخرى إلى عين التمر، وهو مطمئن تماماً على الحاميات القليلة الموجودة في هذه المنطقة، ويعدّ ما فعله خالد حدثاً مفاجئاً لا يتوقعه على الإطلاق الفرس الموجودون في دومة الجندل، والذين كانوا يحاربون عياضاً.
ومن التحركات غير المنطقية أيضاً موقعة المذار، حيث كان خالد يتقدم من موقعة الأُبلَّة، ثم عبر شط العرب إلى المذار ببعض السفن التي كانت معه، وتقابل مع جيش الفرس الذي كان بقيادة قارن، ولم يكن قارن هذا يتوقع مطلقاً - عندما وصل إلى المذار - أن يجد فيها جيش خالد بن الوليد، ولأنه قادم من شمال المدائن كان يتوقع أن يصل إلى شط العرب، ويعبر هو إلى خالد بن الوليد، ولكنه فوجئ بأن خالداً هو الذي عبر إلى منطقة المذار.
أيضاً من التحركات التي تبدو غير منطقية التوجه إلى الثني والزميل في أقصى شمال العراق، فكيف لجيش يسيطر على هذه المنطقة بكاملها أن يتوجه من الحيرة مسافة 800 كم إلى الرباط، وهو ما لم يتوقعه الجيش الفارسي على الإطلاق، وباغتهم خالد في أماكنهم.
8- المهارة القتالية
ومن ذلك تمكنه من قتل هرمز الذي كان أحد عظماء الفرس في القتال، فقد بارزه خالد في موقعة كاظمة في بداية المعركة، وقام هرمز بخيانة حيث جمع بعض حاميته لتحاصر خالداً، ولم يكن هذا من عهد الجيوش في القتال، بل كان السائد أن يبارز رجل رجلاً، ثم تبدأ الحرب بعد ذلك، ولكن خالداً قتل هرمز رغم أنه كان محاطًا بحامية كاملة من الجيش الفارسي، وكان خالد الوحيد في جيشه ومعه الزبير بن العوام اللذان يستطيعان القتال بسيفين معاً.
وكانت المهارة القتالية أيضاً عندما قابل خالدٌ عُقَّة بن أبي عُقَّة، وطلب عُقّة المبارزة فخرج إليه خالد وأطاح بالسيف من يده وحمله من على فرسه، وأتى به إلى جيش المسلمين، وكان هذا أيضاً من الأمور العجيبة، فقد كان عُقة هو أشجع جيشه وأقواهم؛ ومن ثَمَّ خرج يطلب المبارزة، ولكن خالداً أسره ببساطة، وكان هذا الأمر من مهاراته القتالية.
9- القدرة على تشتيت العدو
كان خالد - وبتوجيه من أبي بكر الصديق - يفكر دائماً في حصار الفرس وقتالهم من أكثر من جهة، وكان هذا الأمر – أيضاً - من الأشياء الغريبة على أهل فارس، ورأيناه في بداية فتح العراق من حيث إحاطتها من الشمال والجنوب بخالد وبعياض، والالتقاء في الحيرة، وكذلك سقط حصن دومة الجندل تحت تأثير الهجمات الشمالية والجنوبية، وهوجمت كذلك المصيخ والثني والزميل من ثلاث جهات مختلفة؛ جيش خالد بن الوليد، وجيش القعقاع بن عمرو، وجيش أبي ليلى بن فدكي السعدي، وانتصرت الجيوش الإسلامية في المواقع الثلاثة، فلم يكن في ظن الجيش الفارسي أن تأتيه الجيوش من الجهات الثلاث.
10- استخدام عنصر المبادأة
كان خالد بن الوليد يعتمد مبدأ المبادأة في معاركه كلها، وهو أن يبدأ عدوه بالهجوم ولا ينتظر أن يبدأ العدوُّ.
يقول الخبراء العسكريون: إن الذي يمتلك الضربة الأولى يمتلك ما يقرب من 50 % من النصر، وحسبما تكون قوة هذه الضربة تتضاعف نسبة النصر، لكنها لا تقل غالباً عن 50 %.
وهذا ما كان يحدث الهزيمة في صفوف الفارسيين؛ فكان خالد بن الوليد في كل حروبه تقريباً هو الذي يبدأ القتال، وعلى سبيل المثال موقعة المذار وعبوره شط العرب، وموقعة الولجة وانسحابه من المذار كلية إلى الولجة، وموقعة عين التمر، وغيرها من المعارك، فكانت هذه بعض المفاجآت التي حققها المسلمون في حروبهم مع الفرس.
11- الرد السريع
عندما فتح ابنُ آزاذبه الأنهار الفرعية في منطقة المقرّ، وسدَّ نهر الفرات فجنحت سفن خالد بن الوليد في المياه المتجهة من أَمْغِيشيا إلى الحيرة، فتوجه خالد سريعاً إلى منطقة المقرّ ومعه فرقة من جيشه، وقاتل ابن آزاذبه وقتله وانتصر على جيشه، وسفن خالد ما زالت بالنهر، وفتح نهر الفرات وسدَّ الأنهار الفرعية، وتسير السفن الإسلامية مرة أخرى من أَمْغِيشيا إلى الحيرة، فكان لهذا الرد السريع أثره على آزاذبه، فانسحب سريعاً من الحيرة وتركها لأهلها.
أيضاً نرى ردَّ الفعل السريع للقعقاع بن عمرو في حُصَيِّد والخنافس، وكانتا مهددتين بجيشين من الفرس، وكان الجيش الإسلامي بكامله موجوداً في دومة الجندل، فأرسل عروة بن الجعد إلى الخنافس، وأرسل أبا ليلى بن فدكي السعدي إلى حصيد، ولم ينتظر قدوم خالد واستشارته في الأمر، وكان هذا مما أحبط الفكرة الفارسية في الهجوم على الحصيد والخنافس.
12- تأمين الحملات الحربية
كان هذا أيضاً مما يميّز حروب خالد بن الوليد، فكان لكل جيش من جيوشه مقدمة تكتشف الطريق وتحدث الرعب في قلوب الفرس، وكان لهذه المقدمة من القوة والمهارة ما يزلزل الجيوش الفارسية، وكان على رأس هذه المقدمة دائماً المثنى بن حارثة، وكان اختياره من حكمة سيدنا خالد؛ لأن المثنى هو أعلم المسلمين بأرض فارس والعراق.
وكذلك كان يؤمِّن جيشه، فعندما شعر أن الجناح الأيمن مهدد من قِبَل جيش قارن الذي يأتي من المدائن ناحية المذار قام بعبور شط العرب وتقابل مع جيش قارن في شرق دجلة، فأمَّن بذلك الجناح الأيمن للجيش الإسلامي، وتقدم بعد ذلك إلى الحيرة وهو آمن على جناحه الأيمن.
كذلك كانت المخابرات الإسلامية في منتهى القوة، وكانت بقيادة المثنى بن حارثة، وكانت ترصد بدقة تحركات الفرس في كل المواقع التي رأيناها، ولم تأتِ موقعة فوجئ فيها المسلمون بجيش فارس، وبهذا استطاع المسلمون إعداد أنفسهم بشكل جيد، وأخذ أماكن محددة للمعارك قبل أن يصل الفرس إلى هذه الأماكن.
والأعجب من هذا الأمر أن ما كان يحدث في داخل البلاط الملكي الفارسي يعرفه الجيش الإسلامي، وكان هذا يأتي عن طريق بعض الفرس الذين أسلموا مع بداية المعارك مع الفرس، ولذكاء خالد والمثنى - رضي الله عنهما - وحكمتهما وحسن تصرفهما كانا يرسلان هؤلاء المسلمين - وهم يخفون إسلامهم - إلى فارس، فيأتونهم بالأخبار الدقيقة، وتعرف قيادة الجيش الإسلامي من خلالهم ما يحدث داخل حصون فارس، وفيم يفكرون؟، ومدى رعبهم وفزعهم من جيوش المسلمين، ومَن القادة الذين سوف يرسلونهم على رأس الجيوش، وقد استفاد المسلمون بعد ذلك من هؤلاء المسلمين الموجودين داخل البلاط الفارسي.
ومما يدل على قوة المخابرات ودقتها في الحروب الفارسية القبض على أكيدر بن عبد الملك وكان زعيماً للعرب في موقعة دومة الجندل، وأتى به القعقاع بن عمرو وقتله خالد بن الوليد؛ لأنه كان قد غدر بالمسلمين وحاربهم في دومة الجندل - بعد غزوة تبوك - بعد أن أعطى رسول الله - قبل وفاته - عهداً ألا يقاتل المسلمين. وأدرك خالد بن الوليد – أيضاً - تحركات الفرس إلى الولجة بعد موقعة المذار.
الخلاصة
لقد كان العراق بوابة الفتوحات الإسلامية في بلاد المشرق.. واستطاعت جيوش المسلمين أن تحقق الانتصارات العظيمة والسريعة بفضل الله تعالى وتوفيقه الذي لا يناله إلا من تمسك بدينه الإسلامي وطبقه في شؤون حياته كلها.. ثم العمل بالأسباب المادية، وهذا ما يتضح من العرض السابق.
وبحسب الدكتور السرجاني فقد أخذ الجيش الإسلامي بالأسباب بصورة عظيمة جدّاً في حروبه مع فارس، ولم يترك الأمر إلى الاعتماد على الله فقط دون الأخذ بالأسباب، فكان معتمداً على الله، ولكنه بذل أيضاً من الأسباب الكثير، وتحقق له النصر في تلك المعارك.
وفي تلك الفتوحات دروس وعبر في حرص الصحابة الشديد على نشر نور الإسلام، والتضحية في سبيل ذلك، ونجد كل معاني ومقاصد الدعوة إلى الله.
ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــــ
المصادر
- (البداية والنهاية) – ابن كثير.
- (أبو بكر الصديق) - محمد رضا.
- (أبو بكر الصديق رضي الله عنه.. شخصيته وعصره) – د. علي محمد الصَّلاَّبي.
- موقع (قصة الإسلام) – د. راغب السرجاني.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|