
16-11-2021, 11:34 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,209
الدولة :
|
|
رد: الانشطارات في الخلافة العباسية - تقرير
نجاة إدريس بن عبد الله
وكان ممن نجا من قادة الثائرين في هذه المعركة إدريس بن عبد الله بن الحسن، الذي اتجه إلى مصر ومعه خادمه راشد، وظل أمرهما مجهولاً حتى بلغا مصر مستخفيْن في موكب الحجيج، ولم يكن اختفاؤهما أمرًا سهلاً؛ فعيون الخلافة العباسية تتبعهما وتقتفي أثرهما، ولم تكن لتهدأ وتطمئن قبل أن تعثر على إدريس بن عبد الله حياً أو ميتاً، لكنهما نجحا في التحرك والتخفي؛ لا لمهارتهما في ذلك، ولكن لحب الناس آل البيت، وتقديم يد العون والمساعدة لهما.
ومن مصر خرج إدريس وخادمه إلى بلاد المغرب، ويقال: إن هذا الخادم كان بربريَّ الأصل، وساعدهما على الخروج من مصر عامل البريد بها؛ فقد كان متشيعاً لآل البيت، فلما علم بوجودهما في مصر قدم إليهما في الموضع الذي يستخفيان به، وحملهما على البريد المتجه إلى المغرب.
وتذهب روايات تاريخية إلى أن الذي أعان إدريس على الفرار من مصر هو علي بن سليمان الهاشمي والي مصر. وأياً ما كان الأمر فإن إدريس لقي دعماً ومساعدة لتمكينه من الخروج من مصر، سواءً كان ذلك بعون من والي مصر أو من عامل البريد.
وبعد أن وصل إدريس بن عبد الله إلى برقة تخفى في زي خشن، يظهر فيه بمظهر غلام يخدم سيده راشد، ثم سلكا طريقاً بعيداً عن طريق إفريقيا إمعاناً في التخفِّي، وخوفاً من أن يلتقي بهما أحد من عيون الدولة العباسية التي اشتدت في طلبهما. حتى وصلا إلى تلمسان سنة (170هـ - 786م)، وأقاما بها عدة أيام طلباً للراحة، ثم استأنفا سيرهما نحو الغرب، فعبرا وادي ملوية، ودخلا بلاد السوس الأدنى، حيث أقاما بعض الوقت في طنجة التي كانت يومئذ أعظم مدن المغرب الأقصى، ثم واصلا سيرهما إلى مدينة وليلي، وهي بالقرب من مدينة مكناس المغربية، واستقرا بها بعد رحلة شاقة استغرقت حوالي عامين.
وبعد أن استقر إدريس في وليلي (قصر فرعون حالياً) اتصل بإسحاق بن محمد بن عبد الحميد زعيم قبيلة (أوربة) البربرية، صاحبة النفوذ والسيطرة في وليلي، فلمَّا اطمأنَّ إليه إدريس عرَّفه بنسبه، وأعلمه بفراره من موطنه نجاةً بنفسه من بطش العباسيين. وقد رحَّب إسحاق بضيفه الكبير، وأنزله معه داره، وتولَّى خدمته والقيام بشأنه شهوراً عديدة، حتى إذا حلَّ شهر رمضان من السنة نفسها جمع إسحاق بن محمد إخوته وزعماء قبيلة أوربة، وعرَّفهم بنسب إدريس وبفضله وقرابته من النبي - صلى الله عليه وسلم - وكرمه وأخلاقه وعلمه؛ فرحبوا جميعاً به، وأعربوا عن تقديرهم له، وبايعوه بالخلافة في (14 من رمضان 172هـ -15 من فبراير 788م)، وبعد ذلك خلع إسحاق بن عبد الحميد طاعة بني العباس حيث كان من ولاتهم، وتنازل لإدريس عن الحكم.
وتبع ذلك الدعوة لإدريس بين القبائل المحيطة؛ فدخلت في دعوته قبائل: زناتة، وزواغة، وزوارة، ولماية، وسراته، وغياشة، ومكناسة، وغمارة، وبايعته على السمع والطاعة، واعترفت بسلطانه، وقصده الناس من كل مكان.
استقرت الأمور لإدريس بن عبد الله، ورَسُخَت أقدامه بانضمام كل هذه القبائل إلى دعوته، ودانت له معظم قبائل البربر، وبدأ يطمح إلى مدِّ نفوذه وسلطانه إلى القبائل التي تعترف بحكمه، ونشر الإسلام بين القبائل التي لا تزال على المجوسية أو اليهودية أو المسيحية، فأعدَّ جيشاً كبيراً زحف به نحو مدينة شالة قبالة مدينة الرباط، ففتحها، ثم تحول إلى كل بلاد تامسنا فأخضعها، وأتبع ذلك بإخضاع إقليم تاولا، وفتح حصونه وقلاعه.
ودخل كثيرٌ من أهل هذه البلاد الإسلام، ثم عاد إلى وليلي للراحة والاستجمام في (آخر ذي الحجة 172هـ - مايو 789م)، ثم عاود حملته الظافرة عازماً على دعوة من بقي من قبائل البربر إلى الإسلام، ونجح في إخضاع قبائل: قندلاوة ومديونة وبهلولة وغيرها من القبائل البربرية التي كانت متحصنة بالجبال والحصون المنيعة، ثم رجع إلى وليلي في (15 من جمادى الآخرة 173هـ -10 من أكتوبر 789م).
نهاية إدريس
ولم تكد تصل هذه الفتوحات إلى عاصمة الخلافة العباسية حتى فزع الخليفة هارون الرشيد، وشعر بالقلق من النجاح الذي يحققه إدريس بن عبد الله، الذي نجح فيما فشل فيه غيره من أبناء البيت العلوي؛ فلأول مرة ينجحون في إقامة دولة لهم بعد إخفاقات عديدة ومآسٍ دامية.
ثم اشتد خوف الخليفة العباسي حين جاءته الأخبار بعزم إدريس بن عبد الله على غزو إفريقيا (تونس)، ففكَّر في إرسال جيش لمحاربة هذا العلوي، وبينما الرشيد على هذه الحال من القلق والاضطراب تدخَّلت الأقدار، وأراحته مما كان يفكر فيه، فتوفي إدريس بن عبد الله في (سنة 177هـ - 793م) على أرجح الروايات، بعد أن نجح في تحدي الصعوبات، وأقام دولة عُرفت باسمه (دولة الأدارسة) بعيداً عن وطنه، بين قبائل متطاحنة تعتز بعنصريتها، وتتخذ من قوتها وسيلة لفرض سيطرتها على من حولها، وهذه تُحسَب له، وتجعله واحداً من كبار رجال التاريخ. ويضاف إليه أن المغرب مدين له بنشر الإسلام في أماكن لم يكن قد وصل إليها من قبل.
إدريس الثاني (177 – 213 هـ / 793 – 828م)
خلفه ابنه إدريس الثاني الذي كان جنينًا في بطن أمه عندما مات أبوه، وقام بشؤون البربر مولى أبيه (راشد)، فلما قُتِلَ راشد كفل إدريسَ أبو خالد يزيد بن إلياس العبدي - أحد شيوخ البربر - حتى كَبُر إدريس فتولَّى الأمر بوصاية أبي خالد عام 188هـ - 804 م. وفي سنة 192هـ - 808م بدأ إدريس الثاني يحكم مستقلاً بنفسه.
وابتداءً من سنة 197هـ - 812م بدأ إدريس سلسلة حملات ثبَّتت سلطان الدولة من تلمسان إلى ساحل المحيط الأطلسي، ونشط لحرب الخوارج في جبال أطلس، ودارت حروب طويلة بينه وبين البرغواطيين، وفي هذا الدور من تاريخ الأدارسة حمل العبء رجال قبيلتي أوربة وغمارة بشكل خاص.
ثم توفي إدريس الثاني عام 213هـ - 828م بعد أن ثبَّت دعائم الدولة بعد حروب طويلة ومؤمرات خطيرة من جانب منافسيه من بني الأغلب خاصة.
تقسيم بعد انفصال
وبعد وفاته نجد ابنه وخليفته محمد بن إدريس الثاني يتصرف تصرفًا غريباً وغير معقول، فيقوم بناءً على نصيحة جدته (كنزة) بتقسيم الدولة بين إخوته الكثيرين، وكان المعقول أن يقيمهم عمالاً أو ممثلين للدولة، ولكنه أعطاهم نواحي الدولة إقطاعات ينفرد كل منهم بناحية منها؛ فكان هذا سبباً في ضعف الدولة، وهي بعدُ لم يكتمل نموها، ومع أن محمد بن إدريس احتفظ لنفسه بالرياسة واعتبر إخوته أتباعاً له، إلا أن بعض الإخوة اتجه إلى الاستقلال بناحيته، ناسياً أن قوة الدولة الإدريسية تكمن في ترابط رؤسائها من أفراد البيت الإدريسي، الذي كان يتمتع في قلوب الناس بمكانة جليلة.
توفي محمد بن إدريس الثاني عام 221هـ - 836 م فخلفه ابنه علي بن محمد، وكان عمره تسع سنوات عندما تولَّى الحكم، ولقب باسم حيدرة، وحيدرة لقب كان يطلق على الإمام علي بن أبي طالب ومعناه الأسد، واستمر في الحكم ثلاث عشرة سنة، ولم يحدث في أيامه ما يستحق الذكر، فقد حكم تحت وصاية أقاربه ورجال الدولة حتى توفي سنة 234هـ - 848 م.
وبعد وفاة علي بن محمد خَلَفَه أخوه يحيى الأول، وفي عهد يحيى هذا بلغت فاس أوجها أيام الأدارسة، فقامت فيها المنشآت الكثيرة وامتدت على سفوح الجبال، وأُنشِئ جامع القرويين.
ولما مات خَلَفَه ابن أخيه يحيى الثاني بن علي بن محمد، وكان سيء السيرة فثارت عليه العامة، فاختفى بعُدوة الأندلس ريثما تخمد الفتنة، ومات من ليلته، واستولى عبد الرحمن بن أبي سهل - الذي تزعم الثورة على يحيى بن علي - على مدينة فاس؛ فأرسلت زوجة يحيى إلى أبيها - والي بلاد الريف - علي بن عمر بن إدريس، وطلبت منه الحضور لإخماد هذه الثورة فجاء وأخمدها، وسيطر على البلاد.
وبذلك انقطع الملك من عقب علي بن محمد بن إدريس الثاني، وأصبح في عقب عمر بن إدريس صاحب الريف تارة، وفي عقب القاسم بن إدريس الزاهد تارة أخرى.
ولم يلبث أن دخل أهل فاس في طاعة علي بن عمر، وخُطِبَ له على منابر المغرب، واستقرت قدمه في هذه البلاد فترة من الزمن.
وكانت إمارة الأدارسة تعيش خلافات شديدة؛ إذ كانت تخضع تارةً لحكم صاحب الريف علي بن عمر بن إدريس، وتارة لحكم أولاد القاسم بن إدريس إضافة إلى ثورة عبد الرازق الفهري أحد زعماء الخوارج الصفرية الذي أجبر علي بن عمر بن إدريس على الفرار إلى قبيلة أوربة، ولكن أهل فاس استدعوا ابن أخيه وهو يحيى الثالث بن القاسم بن إدريس وبايعوه، وبقي طيلة وقته يقاتل الخوارج حتى قتله الربيع بن سليمان عام 292هـ - 905 م.
وعاشت دولة الأدارسة في فوضى واضطراب بسبب القتال بين أبناء إدريس والخوارج الصفرية، وبسبب هذه الحروب ساءت الحالة الاقتصادية والاجتماعية للدولة.
وبعد أن اغتيل يحيى الثالث بن القاسم تولى أمر الأدارسة يحيى الرابع بن إدريس بن عمر بن إدريس وامتد سلطانه على بلاد المغرب الأقصى كلها، وكان عظيم القدر، عادلاً في رعيته، كثير الفضل، بطلاً شجاعاً، ذا بيان وفصاحة، حافظاً للحديث، فقيهاً، صاحب دين وورع.
الدولة في عيون المؤرخين
يقول ابن خلدون عن يحيى الرابع بن إدريس بن عمر صاحب الريف: "وكان أعلى بني إدريس ملكاً وأعظمهم سلطاناً، وكان فقيهاً عارفاً بالحديث، ولم يبلغ أحد من الأدارسة مبلغه في السلطان والدولة، وفي أثناء ذلك كله خلط الملك للشيعة بأفريقية، وتغلبوا على الاسكندرية".
ويقول صاحب جذوة الاقتباس عن دولة الأدارسة: "كانت مدة ملك الأدارسة من يوم بويع إدريس بن عبد الله بمدينة وليلي سنة 172هـ - 788م إلى أن قتل الحسن هذا - يعني الحسن بن القاسم كنون الإدريسي - مائتين وسنتين وخمسة أشهر، وكان عملهم بالمغرب من السوس الأقصى إلى مدينة وهران، وقاعدة ملكهم مدينة فاس ثم البصرة، وكان سلطانهم إذا قوي امتد إلى وهران وتلمسان، وإذا ضعف لا يجاوز البصرة وأصيلا وحجر قلعة النسر، وكان في أيامهم الرخاء بالمغرب متوالياً".
ويقول الدكتور إبراهيم أيوب: "أسهم الأدارسة في خدمة المسلمين عن طريق تثبيت البربر على الإسلام، فكان ظهور دولة الأدارسة مقدمة لظهور دولة المرابطين الذين كملوا ما بدأه الأدارسة في تثبيت إسلام البربر، ونشر الإسلام في غرب أفريقيا في عهدهم".
ويقول الزركلي عن إدريس بن إدريس بن عبد الله ثاني ملوك الأدارسة بالمغرب الأقصى: "وكان جواداً فصيحاً حازماً، أحبته رعيته، واستمال أهل تونس وطرابلس الغرب والأندلس إليه (وكانت في يد العباسيين بالمشرق يحكمها ولاتهم) وغصت مدينة وليلي بالوفود والسكان فاختط مدينة فاس سنة 192 هـ - 808م وانتقل إليها".
ويقول الدكتور حسن إبراهيم حسن: "وقد امتد حكم الأدارسة من السوس الأقصى إلى مدينة وهران، وكانت حاضرة ملكهم مدينة فاس ثم البصرة ببلاد المغرب الأقصى، وقد زال ملكهم بعد أن حكموا قرنين وثلاث سنين (172 - 375هـ / 788م – 985م) لم تتمتع فيها البلاد بشيء من الاستقرار الذي يمكن القائمين بالحكم فيها من توجيه جهودهم إلى نشر العلوم والفنون والأخذ بأسباب الحضارة".
أما الدكتور حسين مؤنس فيقول: "ودولة الأدارسة من الدول الطويلة العمر فقد قامت في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، ولكنها لم تنته تماماً إلا في أواخر القرن الرابع الهجري (1010م). وقد عمرت فوق القرنين ونصف، أي ضعف ما عمرته دولتا الأغالبة والرستميين، وثبتت لمحنة الفاطمية وجيوشها، وخاضت طوال تاريخها حرب بقاء أو موت مع الدولة الأموية الأندلسية حينًا وإلى جانبها حيناً آخر، ولكنها مع ذلك العمر الطويل والحيوية المتجددة، كانت من صغار الدول سواء في سعة مملكتها أو قوة أئمتها، ولكنها كانت من أهمها من الناحية الحضارية، فقد كان لها في تاريخ المغرب أثر حاسم في صياغة مذهب السنة من ناحية، وتعريب البلاد من ناحية أخرى، وقد مرت بفترات احتضار طويلة وانتعشت مرات كثيرة".
شجرة الحكام
1- إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (إدريس الأول) (172 - 177هـ).
2- إدريس الثاني (177 - 213 هـ).
3- محمد بن إدريس الثاني (213 - 221هـ).
4- علي بن محمد بن إدريس (221- 234 هـ).
5- يحيى الأول بن محمد بن إدريس (234 - 250هـ).
6- يحيى الثاني بن علي بن محمد بن إدريس الثاني (250 - 250 هـ).
7- علي الثاني بن عمر بن إدريس الثاني (250 - 265هـ).
8- يحيى الثالث بن القاسم بن إدريس الثاني (265 - 292هـ).
9- يحيى الرابع بن إدريس بن عمر بن إدريس الثاني (292 - 310هـ).
10- الحسن بن محمد بن القاسم بن إدريس الثاني (310 - 312هـ).
الدولةالرستمية
هي دولة إباضية خارجية أسَّسها عبد الرحمن بن رستم من أصل فارسي. وكانت قاعدتها مدينة تاهرت قرب مدينة تياريت الحديثة في مقاطعة وهران غرب الجزائر (المغرب الأوسط سابقاً).
والفرقة الخارجية من أشد الفرق الإسلامية دفاعاً عن مذهبها، وأشدها تهوراً واندفاعاً، وحماسة لآرائها، مستمسكون بألفاظ قد أخذوا بظواهرها، واتخذوها ديناً لا يحيدون عنها. ويتصف الخوارج بحبِّ الفداء والرغبة في الموت، والاستهداف للمخاطر من غير دافع قوي يدفع إلى ذلك.
والإباضية هي إحدى فرق الخوارج، وتنسب إلى عبد الله بن إباض التميمي. ويدعي أصحابها أنهم ليسوا خوارج، وينفون عن أنفسهم هذه النسبة.
وقد دخل مذهب الإباضية إلى إفريقيا في النصف الأول من القرن الثاني، وانتشر بين البربر حتى أصبح مذهبهم الرسمي.
مؤسس الدولة الرستمية
عبد الرحمن بن رستم بن بهرام - من أصل فارسي - مولى سيدنا عثمان بن عفان، وقد قَدِم رستم إلى مكة تصحبه زوجته وابنه عبد الرحمن لأداء فريضة الحج فمات، فتزوجت أرملته برجلٍ من أهل القيروان، حملها وابنها عبد الرحمن معه عند عودته إلى بلده.
وتربَّى عبد الرحمن بن رستم في القيروان، وأخذ العلم عن فقهائها، ومال إلى تعليم الخوارج الإباضية، كما يقول ابن خلدون: "وأخذ عبد الرحمن بن رستم بدين الخارجيَّة والإباضية منهم، وكان ذلك بتأثير من سلمة بن سعيد داعية الإباضية الذي كان يجتهد آنذاك في نشر المذهب الإباضي في ربوع المغرب"، ثم خرج إلى المغرب الأوسط، واتخذ من مدينة تاهرت مركزًا لنشر دعوته.
الرستميون والدولة الأموية في الأندلس
قامت العلاقات بين الدولة الأموية في الأندلس والرستميين على أسس التحالف المتين والصداقة المتبادلة، وقد بدأت العلاقات بين الطرفين في وقت مبكر، حيث إن مؤسِّس الدولة الأموية بالأندلس - عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك - حين فرَّ من العباسيين لجأ إلى المغرب الأوسط، وأقام بين بني رستم الذين حافظوا عليه، وأجاروه من الأخطار التي كانت تواجهه.
كان من الطبيعي إذن أن يحدث التآلف بين أمراء بني أمية في قُرطبة وبين الأئمة الرستميين في تاهرت، وتقوم العلاقات بين الدولتين على أساس من الصداقة والتحالف والمودة، إذ كان الأمويون في الأندلس محطَّ عداء العباسيين، كما كان العباسيون أيضاً أعداء للإباضيَّة في تاهرت؛ لأنهم كانوا يعتبرون بلاد المغرب كلها ميراثًا شرعيّاً تركه الأمويون لهم، وعلى هذا الأساس نظروا إلى الدولة المستقلة عنهم نظرة عداءٍ باعتبار مؤسِّسيها قاموا باقتطاع أجزاء من ممتلكات العباسيين.
ومما دفع أمراء بني أمية إلى توطيد علاقتهم بالرستميين أنه لم يعد أمامهم من منفذ إلى بلاد المغرب سوى المغرب الأوسط؛ لأنَّ المغرب الأدنى (إفريقيَّا) قامت فيه دولة الأغالبة الموالية للعباسيين، والمغرب الأقصى فيه دولة الأدارسة الشيعيَّة التي كانت علاقتها بالأمويين في الأندلس تتسم بالعداء، وبقيام هاتين الدولتين أوصدت جميع المنافذ والسبل في وجه الإمارة الأموية الفتيَّة. وبذلك أصبحت الدولة الرستمية هي الشريان الحيوي الوحيد الذي بإمكانه تغذية تلك الإمارة بالحياة، والتعاون معها سياسيّاً واقتصاديّاً وحضاريّاً.
الفتن والثورات
ثورة النكار
لقد تعرضت الدولة الرستمية لعددٍ من الفتن والثورات، حيث لم تسلم الدولة منها؛ فمثلما يعمُّ الخير والاستقرار تنتشر الفتن والثورات، ومنها الثورة التي تعرف بثورة النكَّار التي هزت أركان الدولة في عهد الإمام عبد الوهاب ابن الإمام عبد الرحمن الرستميِّ.
والنُّكَّار الذين أشعلوا تلك الفتنة وقاموا بتلك الثورة، قومٌ أنكروا إمامة عبد الوهاب، وطالبوا بتكوين مجلس للشورى يكون أعضاؤه أشخاصاً معروفين.
لقد دبَّر فريق النكَّار مؤامرة لعزل الإمام عبد الوهاب أو قتله، فقد انتهزوا مناسبة كان الإمام قد غادر فيها عاصمة الدولة لبعض الأمور فأعلنوا الثورة، وانقضوا على تاهرت، فواجههم أهل المدينة، ودافعوا عن أنفسهم ببسالة، ووقع كثير من القتلى من الفريقين. فلما رجع الإمام وجد على باب العاصمة جثثًا مُلقاة ودماء مُراقة، وأخبره الناس بما وقع فأمر بالقتلى فجمعوا، وصلَّى على الجميع اقتداءً بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب في واقعة الجَمَل، ثم أمر بدفن الجميع.
الثورة التي أسقطت الدولة الرستمية:
وكانت الفتنة الأخيرة التي أودت بالدولة الرستمية واقتلعتها من جذورها، فتنةً ليست بين صفوف الرعيَّة، وإنما اشتعلت نيرانها بين أسرة الإمامة نفسها؛ لأن الذين قاموا بها اثنان من أبناء أخي الإمام نفسه، إذ انقضَّ اثنان من أبناء أبي اليقظان - شقيق الإمام - على عمِّهما وقتلاه وولَّيا مكانه والدهما أبا اليقظان.
وعلى الرغم من أن أبا اليقظان كان شخصية متميزة فإن جريمة قتل ولديه لشقيقه الإمام قبَّحت صورته أمام الناس، وكان هذا الغدر إيذانًا بغروب شمس دولة كانت عظيمة؛ فقد أعرض الناس عنهم، وانفضوا من حولهم، واستنكروا فعلتهم، ولم يكد يمضي على هذه الحادثة غير وقت قصير حتى قَدِم عليهم أبو عبد الله الحجاني - مولى الإمام العبيديّ وقائد جيشه - فقتل الوالد والولدين وبقيَّة أفراد الأسرة الرستمية، باستثناء أبي يوسف يعقوب بن أفلح الذي استطاع النجاة؛ وبذلك انتهت الدولة الرستمية الإباضية، وصارت جزءًا من مسيرة الدولة الإباضية يرويها التاريخ.
رأي المؤرخين في الدولة الرستمية
يقول توفيق المدني عن الدولة الرستمية: "إنها كانت أول دولة إسلامية بربرية نشأت في هذه الديار - يعني الجزائر - ازدهرت ونمت ونالت شهرة عالمية واسعة".
وكذلك يقول عثمان الكعاك: "إن الدولة الرستمية كانت قوية عزيزة ذات بأس وسلطان، عاصرت بني الأغلب بإفريقيا (يعني تونس) والأدارسة بالمغرب الأقصى، وكانت الآمرة الناهية في بلاد المغرب الأوسط".
شجرة الحكم
1- عبد الرحمن بن رستم (162- 171هـ).
2- عبد الوهاب (171- 208هـ).
3- أفلح (208- 258هـ).
4- أبو بكر (258- 260هـ).
5- محمد أبو اليقظان (260- 281هـ).
6- يعقوب (282- 286هـ).
7- يوسف أبو حاتم (281- 282 هـ)، (286- 294هـ).
8- يقظان (294- 297هـ).
الخلاصة
لقد كثرت حالات الانفصال في عصر الدولة العباسية حتى أصبحت ظاهرة شائعة من المشرق الإسلامي إلى مغربه.
وأصبح كل اجتمع حوله مريدون يطمح إلى إنشاء دولة له ولعائلته.. وكثيراً ما يحصل ذلك استغلالاً لضعف في الخلافة أو تمرداً عدائياً للعباسيين.
صحيح أن بعض هذه الدويلات خدمت الإسلام وساعدت على نشره، إلا أن عمليات الانفصال ساهمت أيضاً في إضعاف الخلافة العباسية وتمزيق بلاد المسلمين.
فالمحافظة على كيان جامع للمسلمين وتصحيح الأخطاء من الداخل أفضل من التمرد والانقسام والانفصال، خصوصاً إذا كان هناك أعداء يتربصون بهذه الأمة.
وكلما انفصل جزء من الأمة نقص حجمها وقل شأنها وتشجع أعداؤها، وزادت فرص استغلالهم لتلك الأجزاء المبعثرة لعزلها عن أصلها وضربها ببعضها، كما هو حاصل اليوم بأبشع صوره.
ويلاحظ أن الدويلات التي قامت غالباً يكون سقوطها ثمرة للصراع الداخلي، إما داخل بين فئات مجتمعاتها أو داخل السلطة الحاكمة نفسها.
ـــــــــــــــــــــــ
المصادر
- تاريخ ابن خلدون.
- موقع (قصة الإسلام).
- (دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية)، د. عبد الحليم عويس.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|