الموضوع: فقه النوازل
عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 14-11-2021, 12:44 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,303
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فقه النوازل

الاجتهاد في فقه النوازل في الوقت الحاضر، في الوقت الحاضر تنزل بالمسلمين نوازل، وتستجد مسائل لم تكن معروفة من قبل، بل إننا ربما نقول: إن العصر الذي نعيش فيه هو عصر النوازل، وذلك بسبب ما يشهده العالم اليوم من ما يسمى بالتقدم التكنولوجي والثورة الصناعية الكبيرة في جميع مجالات الحياة، مما أوجد مسائل جديدة، وحوادث، ومستجدات لم تكن معروفة من قبل، ويتعين على فقهاء الأمة بيان الحكم الشرعي فيها.
والواقع أن أكبر إشكالية تواجه كثيرا من العلماء في الوقت الحاضر في مثل هذه النوازل والمسائل صعوبة تصور تلك المسائل تصورا دقيقا، فقد يكون العالم غزيرا في علمه الشرعي، ولكن ينقصه التصور الصحيح لواقع تلك النازلة، ومن هنا تبرز أهمية الاجتهاد الجماعي في تلك النوازل، إذ أنه في الاجتهاد الجماعي يستعان بأهل الاختصاص في النازلة، يستعان بأهل الاختصاص في النازلة المراد بحثها، فإن كانت النازلة طبية يستعان بالأطباء في تصوير هذه النازلة، إذا كانت متعلقة بالاقتصاد استعانوا بالاقتصاديين، إذا كانت متعلقة بالفلك يستعان بالفلكيين، إذا كانت متعلقة بأمور قانونية يستعان بالقانونيين، وهكذا.
هذا الاجتهاد الجماعي نحن قلنا إن أصله كان موجودا عند السلف كما مر معنا في قصة عمر في رجوعه من الشام لما وقع الطاعون، وكان عمر -رضي الله عنه- من منهجه أنه كلما نزلت نازلة جمع فقهاء الصحابة واستشارهم، الاجتهاد الجماعي في الوقت الحاضر يتمثل في المجامع الفقهية، والهيئات العلمية، ونشير إلى أبرز هذه المجامع والهيئات، المجامع الفقهية، هناك عدة مجامع، منها: مجمع الفقه الإسلامي برابطة العالم الإسلامي، ومجمع الفقه الإسلامي الدولي، منظمة المؤتمر الإسلامي، هناك مجمع الفقه الإسلامي في الهند، مجمع الفقه الإسلامي في السودان، مجمع الفقه الإسلامي في أوروبا.
لكن أبرز هذه المجامع مجمعان:
الأول: المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي، وهذا المجمع نفع الله - تعالى -به نفعا كثيرا، وينتقى له نخبة من فقهاء الأمة، وقد عقد دورة قبل نحو شهرين قد شاركت في أعمال هذه الدورة، ورأيت كيف ينظر للنوازل والمسائل، ولعلي يعني أفصل حول هذا المجمع نظرا لأنني قد يعني عايشت جلسات هذا المجمع وكيفية إبداء الرأي في النوازل والمسائل المستجدة، والمسائل التي يبحثها ويدرسها هذا المجمع.
جاء في نظام المجمع أن أبرز أهدافه بيان الأحكام الشرعية فيما يواجه المسلمين في أنحاء العالم من مشكلات ونوازل وقضايا مستجدة استنادا إلى مصادر التشريع المعتبرة، وقد كانت بداية تأسيسه أن أوصت به الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي في نظامها الصادر عام 1383 للهجرة، وفي عام 1384 قرر المؤتمر الثاني للأمانة تأسيس المجمع الفقهي الإسلامي، وفي عام 1385 قرر المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي تشكيل هيئة علمية من أعضاء المجلس التأسيسي للرابطة، لدراسة مشروع المجمع الفقهي الإسلامي، وكان ذلك برئاسة سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ - رحمه الله - يعني كانت بداية فكرة المجمع وقت الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - وكان على رأس الهيئة العلمية لدراسة مشروع المجمع.
وفي عام 1393 رفعت الأمانة العامة للرابطة ما توصلت إليه الهيئة المذكورة في دراستها لمشروع المجمع إلى المجلس التأسيسي للرابطة، فاتخذ المجلس قرارا جديدا بتأليف مجلس المجمع من عشرة أعضاء، وفي شهر محرم عام 1396 أصدرت الأمانة العامة للرابطة قرارها بتأسيس إدارة خاصة باسم المجمع الفقهي الإسلامي، في عام 1397 أقر المجلس التأسيسي للرابطة نظام المجمع، وتوفي ثلاثة من أعضاء المجمع العشرة قبل انعقاد الدورة الأولى، ثم زيد في عدد أعضاء المجلس إلى اثنين وعشرين عضوا من ثنتي عشرة دولة إسلامية، وعقد المجلس أول دورة، وبدأ نشاطه في شهر شعبان عام 1398.
لاحظ الآن كم بين فكرة تأسيسه وبين انعقاد أول دورة يعني كانت فكرة التأسيس 1383، انعقاد أول دورة 1397 كم بينهما من سنة، خمسة عشرة سنة تقريبا، ولكن يعني رغم أن هذه البداية أخذت وقتا إلا أنه لما انعقدت الدورة الأولى انتظمت دورات المجمع إلى وقتنا هذا، لكن بداية الأمر أخذت وقتا طويلا، حتى تبلورت الفكرة، وحتى تأسس هذا المجمع، فبدأت الدورة الأولى عام 1398 وكان رئيس المجمع الفقهي الشيخ عبد الله بن حميد - رحمه الله - وبقي رئيسا له إلى أن توفي عام 1402 للهجرة.
ثم رأسه سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - إلى أن توفي عام 1420 للهجرة، ويرأسه الآن سماحة مفتي عام المملكة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ - حفظه الله -، وفي عام 1422 زيد في عدد أعضائه إلى ثلاثين عضوا، وقد عقد المجمع ثماني عشرة دورة، كانت الدورة الثامنة عشرة قبل شهرين تقريبا، وناقش فيها الكثير من القضايا والنوازل وأصدر بشأنها مائة قرار، أصدر بشأن هذه النوازل والقضايا إلى نهاية الدورة الثامنة عشرة مائة قرار، وكان يعني هي مائة وواحد لكن هذا القرار الزائد على المائة أرجئ كان عن حول اختيار جنس الجنين، وأرجئ إلى الدورة القادمة، فكانت القرارات التي أصدرها المجمع إلى هذا الوقت مائة قرار.
ويستكتب المجمع عددا من الباحثين والمختصين، ويستعين بعدد من الخبراء في النوازل المراد دراستها وبحثها، وفي الدورة الأخيرة رأيت أن المجمع استعان بعدد من الاقتصاديين وعدد من الأطباء، فكان مثلا بالنسبة للمسألة التي أشرت إليها مسألة اختيار جنس الجنين استعان بعدد من الأطباء الذين كتبوا بحوثا، ثم أتوا وأدلوا بدلوهم في المناقشات التي دارت حول هذا الموضوع وهذه النازلة.
ومن هنا يتبين أهمية هذه المجامع والهيئات العلمية، لأنه يؤتى بالمختصين في النوازل المراد دراستها وبحثها ويستمع لهم، وتحصل مناقشات ومداولات حتى تتضح المسألة للفقيه ويتصورها تصورا كاملا، ثم يبدأ النقاش بين الفقهاء في التكييف الفقهي لتلك النازلة، ثم يصدر في هذه النازلة قرار إن كان هناك خلاف يكون هناك تصويت بالأغلبية، ثم يصدر قرار في تلك النازلة، وتنعقد دورات المجمع كل سنتين.
المجمع الثاني: مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق من منظمة المؤتمر الإسلامي، والدولي هذه أضيفت مؤخرا كان يطلق عليه في السابق مجمع الفقه الإسلامي لمنظمة المؤتمر الإسلامي، لكن في الآونة الأخيرة أضيفت كلمة الدولي، وبدأ تأسيسه بقرار من مؤتمر القمة الإسلامي الثالث، المنعقد في مكة المكرمة في التاسع عشر إلى الثاني والعشرين من ربيع الأول عام 1401 للهجرة، وكان من توصيات المؤتمر تأسيس مجمع فقهي إسلامي، وانعقد المؤتمر التأسيسي للمجمع في السادس والعشرين من شهر شعبان عام 1403 للهجرة وانتخب الشيخ محمد بن جبير - رحمه الله - رئيسا له، والمقر الرسمي للمجمع هو جدة، ولكن تنعقد دورات المجمع في عدد من الدول، تتنقل دورات المجمع وتنعقد في عدد من الدول، لكن المقر الرئيسي له هو مدينة جدة، وهو كمجمع الرابطة يستعين بعدد من الخبراء والمختصين.
ثم انعقدت الدورة الثانية عام 1406 ورأس المجمع الشيخ بكر أبو زيد - رحمه الله -، وسوف ينتخب في الدورة التي ستعقد قريبا، سينتخب رئيسٌ جديدٌ للمجمع، هذا المجمع أصدر عددا من القرارات، وله مجلة ضخمة تقع في أكثر من أربعين مجلدا تباع في المكتبات، ودون في هذه المجلة جميع مناقشات الأعضاء، وجميع البحوث المطروحة في المجمع، ويمكن أن يستفيد منها طالب العلم.
أبرز الهيئات العلمية المعنية بفقه النوازل:
هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، وقد صدر الأمر الملكي بإنشائها في الثامن من شهر رجب عام 1391 للهجرة، ويتفرع عنها لجنة دائمة يختار أعضائها من أعضاء هيئة كبار العلماء، وينعقد مجلس هيئة كبار العلماء كل ستة أشهر، ويبحث النوازل والمسائل والقضايا المستجدة، وقد نشرت بعض بحوث الهيئة وقراراتها. ونكتفي بهذا القدر بالنسبة للهيئات والمجامع العلمية، لكن ما ذكرت هو أبرز الهيئات والمجامع التي تعنى بدراسة فقه النوازل.
أنتقل بعد ذلك إلى المناهج المعاصرة في النظر في النوازل، هناك ثلاثة مناهج في النظر في النوازل والمسائل المستجدة:
المنهج الأول: منهج التضييق والتشديد، وهذا المنهج منهجٌ غير سديد، ولا يتوافق مع هذه الشريعة السمحة التي رفع الله - تعالى -فيها الحرج عن المكلفين "وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا" ولكن تجد بعض المفتين يسلك هذا المسلك، فعندما يسأل عن مسألة من المسائل المعاصرة والمستجدة يفتي بالتحريم في أكثر أجوبته، وكما يقول سفيان: التشديد كلٌّ يحسنه، وإنما العلم الرخص عن الثقات، من السهل على الإنسان أن يقول هذا حرام، ولكن إذا قال هذا حرام أو هذا حلال هذا قول على الله - تعالى -: "وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ".
فهذا المنهج إذا منهجٌ غير سليم، يقابله
المنهج الثاني، وهو منهج التساهل، منهج التساهل والانحلال كما يعبر عن ذلك الشاطبي التساهل والانحلال، والتوسع الزائد. وهذا نلحظه مع الأسف في بعض المفتين، تجد بعض المفتين يتساهل تساهلا كبيرا في كثير من المسائل وأمور الفتيا.
حتى إنه في بعض البنوك يمارس الربا باسم الهيئات الشرعية، ويسمون الربا بغير اسمه، يسمى الربا بدل غرامة تأخير، إذا ماطل المدين يحسبون عليه غرامة يسمونها غرامة تأخير، يقولون هذا بدل عن غرامة التأخير عن مماطلة المدين، وهذا هو ربا الجاهلية بعينه، هذا هو ربا الجاهلية بعينه، فإن ربا الجاهلية عندما يحل الدين يأتي الدائن المدين ويقول: إما أن تقضي وإما أن تربي، فإن قضى وإلا أخره نظير الزيادة عليه، وهذا يمارس في بعض البنوك باسم بعض الهيئات الشرعية، ويعتبرونه بدلا عن ضرر المماطلة، ولكنه في الحقيقة هو من الربا.
أو ما يمارس أيضا في بعض البنوك باسم رسوم إدارية، وهي في الحقيقة فوائد ربوية، يسمونها رسوما إدارية، وهي في الحقيقة فوائد ربوية، كالرسوم الشهرية التي تؤخذ على بعض البطاقات، رسوم كبيرة يأخذون من العميل مائة وخمسين ريالا، أو مائتي ريال كل شهر، ويسمونها رسوما إدارية.
وهذه في الحقيقة من الربا الصريح، وإن سمي رسوما إدارية، ولكن يعني مع الأسف يمارس هذا باسم الهيئات الشرعية، هذا مثال للتساهل في الفتيا، وهذا أيضا منهجٌ غير سديد، كما أن التشدد في الفتيا التشدد والتضييق منهجٌ غير سديد، فكذلك أيضا التساهل في الفتيا منهجٌ غير سديد.
المنهج الثالث: الاعتدال فلا تشديد ولا تساهل، الاعتدال فلا تشديد ولا تساهل، مع النظر في الأصول والقواعد الشرعية، والنظر كذلك في مقاصد الشريعة، قال الشاطبي - رحمه الله - المفتي البالغ ذروة الاجتهاد هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور، فلا يذهب بهم مذهب الشدة، ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال، قال: والدليل على صحة هذا أن هذا هو الصراط المستقيم، فإن الصراط المستقيم وسط بين طرفين، فإن هذا هو الصراط المستقيم الذي جاءت به الشريعة.
فإن مقصد الشارع من المكلف الحمل على التوسط من غير إفراط ولا تفريط، قال: أما طرف التشديد فإنه مهلكة، وأما طرف الانحلال فكذلك، لأن المستفتي إذا ذهب به مذهب العنت والحرج بغض إليه الدين، وأدى إلى الانقطاع عن سلوك طريق الآخرة وهو مشاهد، وأما إذا ذهب به مذهب الانحلال كان مظنة للمشي على الهوى والشهوة، والشرع إنما جاء بالنهي عن الهوى واتباع الهوى مهلك إلى آخر ما قال.
فالشاطبي - رحمه الله - ينصر هذا المنهج، يقول: إنه هو الطريق المستقيم، الاعتدال، فلا تشدد ولا تساهل، ولكن هذا المنهج هو وإن كان هو المنهج السديد إلا أن العلماء أجازوا للمفتي أن يتشدد في الفتيا على سبيل السياسة، على سبيل السياسة لمن هو مقدم على المعاصي متساهل فيها، فإذا رأى المفتي شخصا متساهلا في هذه المعاصي فهنا يسلك معه مسلك التشديد، وكذلك أن يبحث عن التيسير والتسهيل على ما تقتضيه الأدلة لمن هو مشدد على نفسه أو على غيره، ليكون مآل الفتوى أن يعود المستفتي إلى الطريق الوسط.
إذا عرفنا أن المنهج السديد في دراسة النوازل هو أن يسلك طالب العلم مسلك الاعتدال، فلا تشديد ولا تساهل وانحلال، هذا هو المنهج السديد في دراسة النوازل، وأحسب أن هذا المنهج هو الذي تسلكه المجامع الفقهية والهيئات العلمية، فإنها تضم نخبة من الفقهاء، وهم يسلكون هذا المسلك مسلك الاعتدال فلا تشديد على الناس، ولا أيضا تساهل وانحلال في الفتيا.
وهناك أمر مهم ينبغي التنبه له عند دراسة النوازل، وهو النظر إلى مقاصد الشريعة، وهو ملحظ مهم جدا، لا بد من النظر إلى مقاصد الشريعة، فعندما تكون النازلة مثلا متعلقة بأمرٍ متعلق بالربا، فننظر إلى مقصد الشريعة، نجد أن الشريعة فيما يتعلق بالربا شددت فيه تشديدا عظيما، حتى إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لعن آكل الربا ومؤكله، وكاتبه وشاهديه، وقد أذن الله - تعالى -آكل الربا بالحرب حتى إن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن بيع الرطب بالتمر، كما في حديث سعد بن أبي وقاص عند أصحاب السنن، سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال - عليه الصلاة والسلام -: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم، قال: فلا إذن يعني إذا أردت أن تبيع كيلو تمر بكيلو رطب مع التقابض لا يجوز، لماذا؟ لأن هذا الرطب سوف ينقص إذا يبس مع أن الفارق يسير جدا، ومع ذلك منع منه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وحرم النبي - صلى الله عليه وسلم - بيع العينة لأنه ذريعة للربا، وسدت الذرائع الموصلة للربا، فنجد أنه في باب الربا شددت الشريعة فيه، فننظر إلى هذا المقصد ونشدد فيما كان متعلقا بأمر الربا.
لكن لو مثلا يعني نظرنا إلى المسائل التي يلحق الناس فيها حرج ومشقة مثل مسائل مثلا الرمي في الحج يلحق الناس حرج كبير ومشقة، وهنا يسلك مسلك التيسير على الناس، لأن هذا مقصد شرعي، وما سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن شيء قدم ولا أخر يوم النحر إلا قال: افعل ولا حرج، ولهذا أجاز العلماء في الوقت الحاضر الرمي بالليل، ومع أن هذا لم يكن موجودا من قبل، لكن اعتبروا أن هذه نازلة، لما كثر الناس وكثر الحجاج، وأصبحوا بالملايين، يعني فاقوا المليون، وهنا نظر الفقهاء في هذا، ونظروا إلى المقاصد الشرعية، وأفتى عامة العلماء في الوقت الحاضر بجواز الرمي ليلا، فإذا لا بد من العناية بالنظر إلى مقاصد الشريعة فيما يتعلق بدراسة النوازل.
مدارك الحكم على النوازل
قال ابن القيم - رحمه الله - لا يتمكن المفتي ولا الحاكم بالحق إلا بنوعين من الفهم، لا يتمكن المفتي ولا الحاكم بالحق إلا بنوعين من الفهم، الأول: فهم الواقع والفقه فيه، الثاني: فهم حكم الله ورسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر، نعم قال ابن القيم: إنه لا يتمكن المفتي ولا الحاكم بالحق إلا بنوعين من الفهم، الأول: فهم الواقع والفقه فيه، الثاني: فهم حكم الله ورسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر.
فلا بد إذا من هذين الفهمين، فلا بد عند النظر للنوازل:
أولا: التصور الصحيح والدقيق للمسألة، وهذا له أثر في الحكم على تلك النازلة، وكما ذكرت إن هذا التصور ربما يكون يشكل على بعض العلماء المعاصرين بسبب تعقد بعض المسائل وتشابكها وتداخلها، ومن هنا فنحن نحتاج إلى الاجتهاد الجماعي عند دراسة النوازل، وذلك حتى يستعان بالمختصين في تلك المسائل وفي تلك النوازل، وحتى لو لم يعني يكن هناك اجتهاد جماعي في بعض المسائل، فلا بد أن يسأل الدارس لتلك النازلة يسأل المختصين عنها حتى يتصورها تصورا صحيحا، وهذا إن شاء الله - تعالى -سيأتي له أمثلة عند دراسة بعض النوازل.
الأمر الثاني: التكييف الفقهي للنازلة، وذلك بأن تصنف النازلة وترد إلى أصل من الأصول الشرعية، تصنف النازلة وترد إلى أصل من الأصول الشرعية، فيعرف ما هو التكييف الفقهي لها، يعني على سبيل المثال ودائع البنوك ما التكييف الفقهي لها؟! هل هي فعلا وديعة كما تسمى؟ فعندما ننظر إلى هذه الوديعة ننظر أنها في التكييف الفقهي لها في قول أكثر العلماء المعاصرين أنها قرض وليست وديعة، لأن الإنسان عندما يعطي البنك هذا المبلغ يتصرف المصرف أو البنك في هذا المبلغ، ويضمنه بكل حال حتى لو تلف من غير تعد ولا تفريط، وهذا من شأن القرض وليس من شأن الوديعة، ولهذا فإن ما يسمى بودائع البنوك عندما تكيف تكييفا فقهيا فإنها قرض وليست وديعة، والعلاقة بين العميل والبنك هي علاقة مقرض بمقترض.
الأمر الثالث: تطبيق الحكم على النازلة، تطبيق الحكم على النازلة التطبيق الصحيح، التطبيق الصحيح، وهذا أمر في غاية الأهمية، أضرب لهذا مثالا ما يسمى بالشركات المساهمة المختلطة، اختلف فيها العلماء على قولين: سبق أن تكلمنا في الدورة الماضية عن تفاصيل هذا الخلاف، وأقوال العلماء، وأدلتهم فيها، لكن أشير هنا باختصار أقول: إن من أجاز الدخول في الشركات المختلطة، أو بعض من أجاز الدخول في الشركات المختلطة استدلوا بقواعد فقهية صحيحة، لكنها لا تنطبق على هذه المسألة.
ومن ذلك مثلا قالوا: إذا اختلط المال الحلال بالحرام غلب جانب الحلال، هذه قاعدة صحيحة، لكنها لا تنطبق على هذه المسألة، لأن من يدخل في الشركات المختلطة ويساهم فيها هو في الحقيقة يملك جزءا من هذه الشركة فتنسب له أعمال الشركة، ومنها التعاملات المحرمة، فهذه قواعد صحيحة يستدلون بها، وهي قواعد فقهية صحيحة، ومقررة عند العلماء، لكنها لا تنطبق على هذه المسألة، فلا بد أيضا عند دراسة النوازل تطبيق الحكم على النازلة التطبيق الصحيح.
تختلف الفتوى في مسألة معينة عن القواعد التي تكون، أو تراعى عند دراسة النوازل، الفتوى في مسألة معينة يراعى فيها حال المستفتي، وحال الزمان، وحال المكان، فلو أتى مثلا مستفتٍ عنده شيء من الوسوسة في الطهارة، أو في أمر معين، فينبغي أن يراعي المفتي حال هذا الإنسان، ولا يفتي هذا الإنسان الذي عنده وسوسة كغيره، وكذلك لو أتى إنسان عنده شيء من التساهل فيراعي حاله، ولكن عندما يقرر حكم شرعي في نازلة فإنها تراعى القواعد التي ذكرها العلماء في دراسة النوازل.
من المزالق عند دراسة النوازل:
أولا: تقسيم النازلة إلى أجزائها، تفكيك النازلة وتقسيمها إلى أجزاء، ومن ذلك على سبيل المثال، التورق المنظم الذي يجري في البنوك، فصورة التورق المنظم أن يأتي الإنسان إلى البنك يريد منه سيولة، فيقول البنك: أنا عندي حديد أو معادن أو غير ذلك من السلع، وأبيعها عليك بالتقسيط، ثم توكلني في بيعها على طرف ثالث، وبعد ساعة أو أقل أو أكثر ينزل في رصيدك ما تريد من السيولة النقدية.
هذه الصورة بعض العلماء أجازها؛ لأنه نظر إلى هذه الصورة، وهذه المسألة مفككة نظر للتورق قال: التورق جائز، التوكيل البنكي التوكيل جائز، فهذه وكالة وتورق، وقال بالجواز، لكن لا يصح هذا النظر بهذه الطريقة، بل لا بد أن ننظر إلى صورة المسألة كلية، فننظر إلى أن هذه في الحقيقة هي حيلة على الربا، فالتورق القول الصحيح أنه يجوز، لكن التورق الذي يمارس بهذه الطريقة لا يجوز؛ لأن ترتيب المسألة بهذه الطريقة أخرجها من دائرة الجواز إلى دائرة الحظر، فأصبحت المسألة ما هي إلا حيلة على الربا مجرد أن هذا العميل يعبأ له أوراق، ينزل في رصيده ما أراد من السيولة النقدية، فيعطيه البنك ما أراد من السيولة النقدية، ويثبت في ذمته مبلغا أكثر منه بإجراءات بسيطة بمجرد تعبئة هذه الأوراق ويتولى البنك، كما أنه يبيع عليه هذه السلعة يتولى بيعها على طرف ثالث، هذه النظرة غير صحيحة، وغير مستقيمة، تفكيك المسألة بهذه الطريقة غير مستقيم، فهذا من المزالق في دراسة النوازل.
ومن ذلك أيضا التأثر بضغط الواقع، التأثر بضغط الواقع، فيتأثر بعض الناس عندما يدرس نازلة من النوازل بضغط الواقع، فيفتي بالجواز مثلا في هذه المسألة بسبب ضغط الواقع، وهذا منهج غير سديد، بل ينبغي أن يبين حكم الله ورسوله، سواء وافق هوى الناس أو خالف هوى الناس، بل ينبغي أن يخضع واقع الناس لحكم الله ورسوله، ولو كان هذا الحكم فيه شدة، فشرع الله - تعالى -لا يخضع لأهواء الناس، بل ينبغي أن تخضع أهواء الناس لشرع الله - تعالى -.
ولهذا في الشركات المختلطة لما تأثر بعض الناس بضغط الواقع، يمكن كان قبل سنوات لا يكاد يوجد شركة مساهمة تخلو من التعاملات الربوية، فقال بعض الناس كيف نحرم الأمة من هذه الشركات إذا كان هذا هو واقع الشركات في العالم الإسلامي، فكيف نحرم الأمة من هذه الشركات، فتأثروا بضغط الواقع وأفتوا بالجواز، بجواز الدخول في هذه الشركات مع التطهير.
والواقع أننا نقول: إذا كانت هذه الشركات متورطة في الربا، فنقول: الدخول فيها حرام، ولو حرمنا الدخول في جميع الشركات، إذا كانت متورطة في الربا، فالدخول فيها حرام، فلماذا نتأثر بضغط الواقع؟! ينبغي لطالب العلم أن ينظر إلى المسألة بغض النظر عن ضغط الواقع، فلا يؤثر ضغط الواقع عليه لكي يفتي بحكم معين، بل ينبغي أن يجتهد في معرفة حكم الله ورسوله، سواء وافق هوى الناس أو لم يوافق هوى الناس.
وأما المنهج الذي نسير عليه إن شاء الله - تعالى -في هذه السلسلة من الدروس فنذكر النازلة ونصورها أولا تصويرا دقيقا حتى يتضح المقصود بها، ثم نبين آراء العلماء المعاصرين فيها، ونذكر أدلتهم، ونناقش تلك الأدلة، ونبين القول الراجح فيها، وننقل آراء المجامع الفقهية والهيئات العلمية في تلك النازلة إن وجد فيها شيء من ذلك، على أننا لن نذكر إن شاء الله - تعالى -في هذه الدروس نازلة إلا وقد سبق أن تكلم فيها أحد العلماء، أو أنه صدر فيها قرار مجمع فقهي أو من هيئة علمية، فلن أتكلم في مسألة لم أسبق إليها؛ لأنني أرى أيضا أن هذا من المنهج السديد عدم التسرع في الحكم على النوازل، عدم التسرع في الحكم على النوازل، لأن هذه النوازل تحتاج إلى تأنٍ وإلى تقليب النظر، وإلى مناقشة، وحتى يتجلى ويتضح الحكم الشرعي فيها.
وسوف نذكر إن شاء الله - تعالى -أبرز النوازل التي يحتاج إليها الناس في واقعهم سوف نبدأ اعتبارا من الدرس القادم إن شاء الله - تعالى -بذكر النازلة الأولى، ثم نسير على هذا النهج لنكون مع نهاية هذه السلسلة من الدروس، قد ذكرنا عددا من النوازل التي يحتاج إليها الناس في واقعهم، وأسأل الله - عز وجل - أن يرزقنا العلم النافع، ويوفقنا للعمل الصالح، ويوفقنا لما يحبه ويرضاه وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 34.23 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 33.60 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.83%)]