• ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ وهذا تعليل لمضمون ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ “أي إنما كان أكرمكم أتقاكم؛ لأن الله عليم بالكرامة الحق التي هي التقوى، خبير بمقدار حظوظ الناس من التقوى… وهو كناية عن الأمر بتزكية نواياهم في معاملاتهم، وما يريدون من التقوى، بأن الله يعلم ما في نفوسهم ويحاسبهم عليه”([64]).
ثامنًا: عدم تزكية النفس؛ وبعد وضع الميزان العدل للتنافس والتفاضل بين الناس في الآية السابقة، جاءت الآية التي بعدها لتنهى عن تزكية النفس وادعاء ما ليس حقًا ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الحجرات: 14). “فهؤلاء الأعراب لما جاءوا مظهرين الإسلام وكانت قلوبهم غير مطمئنة لعقائد الإيمان لأنهم حديثو عهد به كذّبهم الله في قولهم {آمنَّا} ليعلموا أنهم لم يخف باطنهم على الله، وأنه لا يُعتدّ بالإسلام إلا إذا قارنه الإيمان، فلا يغني أحدهما بدون الآخر، فالإيمان بدون إسلام عناد، والإسلام بدون إيمان نفاق، ويجمعهما طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم”([65]). وقوله تعالى ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ “مبيّنٌ لمعنى نفي الإيمان عنهم في قوله ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ بأنه ليس انتفاء وجود تصديق باللسان، ولكن انتفاء رسوخه وعقد القلب عليه، إذ كان فيهم بقية من ارتياب، كما أشعر به مقابلته بقوله ]في الآية التي تليها[ ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (الحجرات: 15)” ([66]). وتدل “لمّا” على “أن النفي بها متصل بزمان التكلم… وهذه الدلالة على استمرار النفي إلى زمن التكلم تؤذن غالبًا، بأن المنفي بها متوقع الوقوع”([67]).
وما في هذه الآية من النهي عن تزكية النفس، جاء تأكيده في الآية “32” من سورة النجم ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ “أي هو أعلم بمراتبكم في التقوى، أي التي هي التزكية الحق”([68]). والرسول صلى الله عليه وسلم قال ((المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور)) (رواه البخاري ومسلم)، أي المتكثر بما ليس فيه، كمن يظهر للناس أنه متصف بالزهد والورع ويظهر من التزهد والتورع أكثر مما في قلبه غاشًا لهم، أو يريد أن يُحمد بما لم يَفعل، فهذا كلابس ثوبي زور، كمن يلبس ثوبين لغيره ويوهم أنهما له([69]).
تاسعًا: إرجاع المنّة بالإيمان – وهو كبرى المنن – لله؛ في ختام سورة الحجرات، تأتي الحقيقة الضخمة بأن الإيمان هو كبرى المنن من الله على المؤمنين([70]) ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ غَيۡبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱللَّهُ بَصِيرُ بِمَا تَعۡمَلُونَ ﴾ (الحجرات: 17-18)، فالإيمان “أكبر من منّة الوجود الذي يمنحه الله ابتداء لهذا العبد، وسائر ما يتعلق بالوجود… إنها المنّة التي تجعل للوجود الإنساني حقيقة مميزة، وتجعل له في نظام الكون دورًا أصيلًا عظيمًا… وأول ما يصنعه الإيمان في الكائن البشري، حين تستقر حقيقته في قلبه، هو سعة تصوره لهذا الوجود… فمن سعة تصوره أن يخرج من نطاق ذاته المحدودة إلى محيط هذا الوجود كله… فهو، بالقياس إلى جنسه، فرد من إنسانية، ترجع إلى أصل واحد… وهو، بالقياس إلى الفئة التي ينتسب إليها، فرد من الأمة المؤمنة. الأمة الواحدة السائرة في موكب كريم، يقوده نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وإخوانهم من النبيين، صلوات الله عليهم أجمعين… ومن هذا التصور الواسع الرحيب يستمد موازين جديدة حقيقية للأشياء والأحداث والأشخاص والقيم والاهتمامات والغايات، ويرى دوره الحقيقي في هذا الوجود… ومن هذه المعرفة يستمد الطمأنينة والسكينة والارتياح لما يجري حوله، ولما يقع له… وهذا كسب ضخم في عالم الشعور وعالم التفكير، كما أنه كسب ضخم في عالم الجسد والأعصاب، فوق ما هو كسب ضخم في جمال العمل والنشاط والتأثر والتأثير… والإيمان – بعد – قوة دافعة وطاقة مجمّعة…”([71])، وكل هذا الكسب الضخم منّة من الله الكريم وحده ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾.
وفي ذلك الختام إشارة تؤكد أن رابطة الإيمان أعرق من كل رابطة والانتساب إلى أمة المؤمنين أشرف من كل نسب. وصدق الشاعر حينما قال:
وابتدأنا كلنا تاريخنا ... "أمة الإسلام" من هذا "النبي"
إنه منســبنا أجمعنا ... حــسـبـنا ذلكـم مــن نـسـب
حيث نلنا ذروة المجد هنا ... وغدًا نبلغ أعلى الـرتـب
لا تُفـاخرْ بتُراثٍ ميِّتٍ ... لمْ يُقمْ بُنْيانُهُ هـدْيَ نَبِي
وافْتَخِرْ بالدينِ لولاهُ لَمـَا ... بلغَ الإنسانُ أقصى مأرَبٍختام وتوصية
إن هذا المنهج القرآني النوراني جدير بأن يكون مشروعًا وطنيًا في كل بلد إسلامي يُجسَّد في المناهج التربوية والبرامج التثقيفية والأعمال الإعلامية والفنية والقوانين التشريعية والقرارات الإدارية؛ ليصبح ثقافة مجتمعية تجعل المجتمع بأسره مجتمعًا سليمًا متعاضدًا قويًا مُنوّرًا يسوده الحب والإخاء والأمان والتعايش السلمي بين جميع مكوناته.
([1]) أشار إلى قريب من ذلك الشيخ ابن عاشور في تفسيره لقول الله تعالى ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (انظر؛ تفسير الآية 191 من سورة البقرة في التحرير والتنوير لابن عاشور).
([2]) تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور، تفسير الآية 6 من سورة الحجرات.
([3]) مجالس النور في تدبر القرآن الكريم وتفسيره بمنهج عملي وتربوي جديد، د. محمد عياش الكبيسي، دار نشر جامعة قطر، ج3، ص: 1511.
([4]) المصدر السابق.
([5]) تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور، تفسير الآية 6 من سورة الحجرات.
([6]) استفدنا هذه الأنواع من الإشاعات ولخصناها بتصرف من البحث النوعي والمفيد جدًا في موضوعه “منهج القرآن في مكافحة الإشاعة”، د. محمد عياش الكبيسي، مجلة الأحمدية، الصادرة عن دار البحوث للدراسات الاسلامية واحياء التراث بدبي، العدد 5، محرم 1421هـ/ إبريل 2000م، ص: 135-170.
([7]) تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور، تفسير الآية 19 من سورة النور.
([8]) مجالس النور في تدبر القرآن الكريم وتفسيره، د. محمد عياش الكبيسي، ج2، ص: 948.
([9]) تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور، تفسير الآية 15 من سورة النور.
([10]) “منهج القرآن في مكافحة الإشاعة”، د. محمد عياش الكبيسي، ص: 152.
([11]) المصدر السابق، ص: 153.
([12]) المصدر السابق.
([13]) المصدر السابق، ص: 152-153.
([14]) “منهج القرآن في مكافحة الإشاعة”، د. محمد عياش الكبيسي، ص: 153.
([15]) تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور، تفسير الآية 9 من سورة الحجرات.
([16]) المصدر السابق، بتصرف قليل.
([17]) المصدر السابق.
([18]) المصدر السابق.
([19]) مجالس النور في تدبر القرآن الكريم وتفسيره، د. محمد عياش الكبيسي، ج3، ص: 1512.
([20]) المصدر السابق.
([21]) المصدر السابق.
([22]) تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور، تفسير الآية 11 من سورة الحجرات.
([23]) المصدر السابق.
([24]) مجالس النور في تدبر القرآن الكريم وتفسيره، د. محمد عياش الكبيسي، ج3، ص: 1512-1513.
([25]) تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور، تفسير الآية 11 من سورة الحجرات..
([26]) المصدر السابق.
([27]) مجالس النور في تدبر القرآن الكريم وتفسيره، د. محمد عياش الكبيسي، ج3، ص: 1513.
([28]) من تعليق الأستاذ سيد قطب – رحمه الله – على الآية 11 من سورة الحجرات في ظلال القرآن.
([29]) تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور، تفسير الآية 11 من سورة الحجرات.
([30]) من تعليق الأستاذ سيد قطب – رحمه الله – على الآية 11 من سورة الحجرات في ظلال القرآن.
([31]) المصدر السابق.
([32]) مجالس النور في تدبر القرآن الكريم وتفسيره، د. محمد عياش الكبيسي، ج3، ص: 1513.
([33]) تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور، تفسير الآية 12 من سورة الحجرات..
([34]) المصدر السابق.
([35]) من تعليق الأستاذ سيد قطب – رحمه الله – على الآية 12 من سورة الحجرات في ظلال القرآن.
([36]) المصدر السابق.
([37]) المصدر السابق.
([38]) مجالس النور في تدبر القرآن الكريم وتفسيره، د. محمد عياش الكبيسي، دار نشر جامعة قطر، ج3، ص: 1508.
([39]) المصدر السابق، ص: 1513.
([40]) تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور، تفسير الآية 12 من سورة الحجرات.
([41]) المصدر السابق.
([42]) من تعليق الأستاذ سيد قطب – رحمه الله – على الآية 12 من سورة الحجرات في ظلال القرآن.
([43]) المصدر السابق.
([44]) المصدر السابق.
([45]) مجالس النور في تدبر القرآن الكريم وتفسيره، د. محمد عياش الكبيسي، ج3، ص: 1514.
([46]) انظر؛ تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور، تفسير الآية 12 من سورة الحجرات، ومجالس النور، ص: 1514.
([47]) تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور، تفسير الآية 12 من سورة الحجرات.
([48]) تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور، تفسير الآية 148 من سورة النساء.
([49]) المصدر السابق.
([50]) المصدر السابق، تفسير الآية 12 من سورة الحجرات.
([51]) المصدر السابق، تفسير الآية 13 من سورة الحجرات.
([52]) المصدر السابق.
([53]) مجالس النور في تدبر القرآن الكريم وتفسيره، د. محمد عياش الكبيسي، ج3، ص: 1514.
([54]) تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور، تفسير الآية 13 من سورة الحجرات. ويقول ابن عاشور موضحًا: “فالأمة العربية – على سبيل المثال – “تنقسم إلى شعوب كثيرة، فمُضر شَعب، وربيعة شَعب، وأنمار شَعب، وإياد شَعب، وتجمعها الأمة العربية المستعربة، وهي عدنان من ولد إسماعيل عليه السلام. وحمير وسبأ، والأزدُ شعوب من أمة قحطان”. وسمي الشعب شعبًا لأن القبائل تشعبت منه. فكل شًعب يتكون من مجموعة من القبائل، “فكنانة وقيس وتميم قبائل من شَعب مُضر، ومَذْحج، وَكِنْدَة قبيلتان من شَعب سَبأ، والأوسُ والخزرج قبيلتان من شَعب الأزد…”
([55]) المصدر السابق.
([56]) المصدر السابق.
([57]) المصدر السابق.
([58]) المصدر السابق.
([59]) المصدر السابق.
([60]) المصدر السابق.
([61]) مجالس النور في تدبر القرآن الكريم وتفسيره، د. محمد عياش الكبيسي، ج3، ص: 1504.
([62]) تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور، تفسير الآية 13 من سورة الحجرات.
([63]) مجالس النور في تدبر القرآن الكريم وتفسيره، د. محمد عياش الكبيسي، ج3، ص: 1508.
([64]) تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور، تفسير الآية 13 من سورة الحجرات.
([65]) المصدر السابق، تفسير الآية 14 من سورة الحجرات.
([66]) المصدر السابق.
([67]) المصدر السابق.
([68]) المصدر السابق.
([69]) انظر شرح الحديث للنووي في شرح مسلم.
([70]) انظر تعليق الأستاذ سيد قطب – رحمه الله – على الآية 17 من سورة الحجرات في ظلال القرآن.
([71]) المصدر السابق.