عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 26-10-2021, 05:27 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,168
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح نصيحة المعلمي لأهل العلم

شرح نصيحة المعلمي لأهل العلم (2)


بوعلام محمد بجاوي



1/ النية: نية إصابة الحق علمًا ثم اعتقادًا ثم امتثالًا:


فمَن كانت نيتُه إصابة الحق، وحرَص على ذلك ليعبُدَ الله وَفْق ما شرع - وفَّقه الله لإصابة الحق، ومن كانت نيته موافقة الحق لهواه فيدَع المحكَم ويتمسك بالمتشابه؛ كما قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [آل عمران: 7] - فلن يزيدَه اللهُ إلا ضلالًا.
قال تعالى: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ﴾ [الرعد: 27].
وقال: ﴿ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ﴾ [الشورى: 13].
وقال: ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ ﴾[غافر: 13].
وقال: ﴿ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا ﴾ [مريم: 76].
وقال: ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾ [محمد: 17].

وقال: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 258].
وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾[البقرة: 264].
وقال: ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [المائدة: 108].
وقال: ﴿ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ﴾ [الزمر: 3].
وقال: ﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ﴾ [غافر: 28].

قال المعلمي: فبيَّن الله - تعالى - لهم في عدة آيات أنه ليس على الرسول إلا البلاغ، وأن الهدايةَ بيدِ الله، وأن ما أوتيَه من الآيات كافٍ لأن يؤمن مَن في قلبه خير، وأن الله لو شاء لهدى الناس جميعًا، لكن حكمته إنما اقتضت أن يهديَ مَن أناب بأن كان يحب الهدى، ويؤثِره على الهوى، فأما مَن كره الحق واستسلم للهوى، فإنما يستحق أن يزيدَه اللهُ تعالى ضلالًا؛ اهـ[14].
وقال: فتلخَّص أن حكمة الحق في الخَلْق اقتضت أن تكون هناك بيناتٌ وشُبهات، وألا تكون البينات قاهرة، ولا الشبهات غالبة، فمَن جرى مع فطرته مِن حب الحق وربَّاها ونمَّاها وآثَر مقتضاها، وتفقد مسالك الهوى إلى نفسه فاحترس منها - لم تزَلْ تتجلى له البينات، وتتضاءل عنده الشُّبهات، حتى يتجلى له الحق يقينًا فيما يطلب فيه اليقين، ورجحانًا فيما يكفي فيه الرجحان، وبذلك يثبُتُ له الهدى، ويستحق الفوز، والحمد والكمال على ما يليق بالمخلوق، ومَن اتبع الهوى وآثر الحياة الدنيا، تبرقعت دونه البينات، واستهوَتْه الشبهات، فذهبت به إلى "حيث ألقت رَحْلها أمُّ قشعم"؛ اهـ[15].

2/ اتباع المحكَم وترك المتشابِه:
وهذا مِن ثمرات الأول "النية الصادقة"، بل هو امتثال الجوارح للقلب، فمَن كانت نيتُه عبادةَ الله أخذ بالمحكَم، ولم يراوِغْ بالمتشابه، وجمع "المعلمي" في كلامه السابق بين "اتباع المحكَم" و"النية".
وقال: يسعى في التمييز بين معدن الحُجَج ومعدن الشُّبهات، فإنه إذا تم له ذلك هان عليه الخَطْب؛ فإنه لا يأتيه مِن معدن الحق إلا الحق، إن كان راغبًا في الحق، قانعًا به إلى الإعراض عن شيء جاء مِن معدن الحق، ولا إلى أن يتعرض لشيء جاء من معدن الشبهات، لكن أهل الأهواء قد حاوَلوا التشبيه والتمويه؛ فالواجبُ على الراغب في الحق ألا ينظُرَ إلى ما يجيئه من معدن الحق من وراء زجاجاتهم الملونة، بل ينظر إليه كما كان ينظر إليه أهل الحق، والله الموفِّق؛ اهـ[16].

وذلك أن الدِّين يقوم على ركنين:
الأول: الإخلاص.
الآخر: الاستسلام.
قال ابن تيمية أبو العباس أحمد بن عبدالحليم (ت: 728): و"الإسلام": يجمع معنيين: أحدهما: الاستسلام والانقياد، فلا يكون متكبرًا.

والثاني: الإخلاص، مِن قوله تعالى: ﴿ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ ﴾ [الزمر: 29] فلا يكون مشتركًا، وهو أن يسلِمَ العبدُ لله رب العالمين؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [البقرة: 130 - 132]، وقال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام: 161 - 163]؛ اهـ[17].


وقال: وكل واحدٍ مِن المستكبرين والمشركين ليسوا مسلمين، بل "الإسلام" هو: الاستسلام لله وحده، ولفظ "الإسلام": يتضمَّنُ الاستسلام، ويتضمن إخلاصَه لله.
وقد ذكر ذلك غيرُ واحد، حتى أهل العربية؛ كـ "أبي بكر [محمد بن القاسم] ابن الأنباري (ت: 328)"، وغيره.
ومِن المفسِّرين مَن يجعلهما قولين، كما يذكر طائفة - منهم: البغوي [أبو محمد الحسين بن مسعود (ت: 516)] - أن المسلم هو: المستسلم لله، وقيل: هو المخلِص.


والتحقيق: أن المسلِم يجمع هذا وهذا، فمَن لم يستسلم له، لم يكن مسلمًا، ومَن استسلم لغيره كما يستسلم له لم يكن مسلمًا، ومَن استسلم له وحده، فهو المسلِم؛ كما في القرآن: ﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: 112]، وقال: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ﴾ [النساء: 125].
و"الاستسلام" له يتضمَّن: الاستسلامَ لقضائه، وأمره، ونهيه، فيتناول فعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: 90]؛ اهـ[18].

3/ يستحضر نسبة سخط الله ونعيم الدنيا إلى رضوان الله ونعيم الآخرة.
وبعبارة أخرى: "يستحضر شرفَ الحق، وضَعَةَ الباطل".
فكيف يؤثِر سخَطَ الله وعذابَ الآخرة على رضوان الله ونعيم الآخرة؛ بتعصُّبه للباطل أو تمسُّكه به؛ خوفًا على زوال مصالحَ دنيويةٍ، أو تضييق.

قال المعلمي: هذه أمورٌ ينبغي لإنسان أن يقدِّمَ التفكير فيها، ويجعلها نُصبَ عينيه:
التفكير في شرف الحق وضَعَةِ الباطل: وذلك بأن يفكر في عظمة الله عز وجل، وأنه رب العالمين، وأنه سبحانه يحب الحق ويكرَه الباطل، وأن مَن اتبع الحق استحق رضوانَ رب العالمين، فكان سبحانه وليَّه في الدنيا والآخرة، بأن يختار له كل ما يعلَمُه خيرًا له وأفضل وأنفع وأكمل وأشرف وأرفع حتى يتوفاه راضيًا مَرضيًّا، فيرفعه إليه ويقربه لديه، ويحله في جوار ربه مكرمًا منعمًا في النعيم المقيم، والشرف الخالد الذي لا تبلغ الأوهامُ عظَمتَه، وأن مَن أخلد إلى الباطل استحق سخَطَ ربِّ العالمين وغضبه وعقابه، فإن آتاه شيئًا مِن نعيم الدنيا فإنما ذلك لهوانه عليه؛ ليزيدَه بُعدًا عنه، وليضاعف له عذاب الآخرة الأليم الخالد، الذي لا تبلغ الأوهامُ شدتَه؛ اهـ[19].

وقال: يفكِّر في نسبة نعيم الدنيا إلى رضوان رب العالمين ونعيم الآخرة، ونسبة بؤس الدنيا إلى سخَطِ رب العالمين وعذاب الآخرة، ويتدبر قول الله عز وجل: ﴿ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ * وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الزخرف: 31 - 35].


وُيفهَم مِن ذلك أنه لولا أن يكون الناسُ أمةً واحدة، لابتلى اللهُ المؤمنين بما لم تجرِ به العادة؛ مِن شدة الفقر والضُّر، والخوف والحزن، وغير ذلك، وحسبك أن الله عز وجل ابتلى أنبياءَه وأصفياءَه بأنواعِ البلاء.


فتدبَّرْ هذا كلَّه لتعلَمَ - حقَّ العلم - أن ما نتنافس فيه ونتهالك عليه مِن نعيم الدنيا وجاهِها ليس هو بشيء في جانب رضوان الله عز وجل، والنعيم الدائم في جواره، وأن ما نفِرُّ منه مِن بؤس الدنيا ومكارهها ليس هو بشيءٍ في جانب سخَط الله عز وجل وغضبه والخلود في عذاب جهنم، وفي "الصحيح" من حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار، ثم يقال له: يا بن آدم، هل رأيتَ خيرًا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا يا رب، ويؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا مِن أهل الجنة، فيصبغ صبغة في الجنة، فيقال له: يا بن آدم، هل رأيتَ بؤسًا قط؟ وهل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا، والله يا رب ما مر بي بؤس قط، ولا رأيتُ شِدة قط))؛ اهـ[20].

وقال: يتدبر ما يرجى لمؤثِر الحق من رضوان رب العالمين، وحُسن عنايته في الدنيا، والفوز العظيم الدائم في الآخرة، وما يستحقُّه متَّبِع الهوى من سخطه عز وجل، والمَقْت في الدنيا، والعذاب الأليم الخالد في الآخرة، وهل يرضى عاقل لنفسه أن يشتريَ لذةَ اتباع هواه بفوات حسن عناية رب العالمين، وحرمان رضوانه والقرب منه والزلفى عنده والنعيم العظيم في جواره، وباستحقاق مَقْتِه وسخطه وغضبه وعذابه الأليم الخالد؟ لا ينبغي أن يقعَ هذا حتى مِن أقل الناس عقلًا، سواء أكان مؤمنًا موقنًا بهذه النتيجة، أم ظانًّا لها، أم شاكًّا فيها، أم ظانًّا لعدمها؛ فإن هذينِ يحتاطان، وكما أن ذلك الاشتراءَ متحقِّق ممن يعرِف أنه متَّبِع هواه، فكذلك مَن يسامح نفسه فلا يناقشها ولا يحتاط؛ اهـ[21].

5/ مَن ترك الحق لأجلهم لن يحمِلوا عنه أوزاره يوم القيامة:
بل يتبرَّؤون منه يوم القيامة؛ كما قال تعالى واصفًا حال مَن آثرَ التعصب للمخلوق على الحق يوم القيامة: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ﴾ [البقرة: 165 - 167].
والآيات في هذا كثيرة.
وقد يكون مَن يقلدهم معذورين بجهلهم الحق.

6/ يستحضر أنه ليس هو ومَن يعظِّمهم بأولى بالحق من غيره:
يتساءل: لماذا ما أنا وجماعتي عليه هو الحق وما عليه الآخر هو الباطل؟ فلو كان الاعتقادُ السابق حجةً لكان الحق متعددًا؛ فجميعُ المختلفين يحتجون بدين النشأة، فيدفعه هذا إلى البحث عن الحق.

قال المعلمي: يستحضر أنه على فرض أن يكون فيما نشأ عليه باطل، لا يخلو عن أن يكونَ قد سلف منه تقصير أو لا.

فعلى الأول: إن استمر على ذلك كان مستمرًّا على النقص، ومصرًّا عليه، ومُزْدادًا منه، وذلك هو نقص الأبد وهلاكه، وإن نظر فتبيَّن له الحق فرجع إليه حاز الكمالَ، وذهبت عنه مَعرَّةُ النقص السابق؛ فإن التوبةَ تجبُّ ما قبلها، والتائب مِن الذنب كمَن لا ذنبَ له..
وأما الثاني: وهو ألا يكونَ قد سبق منه تقصيرٌ، فلا يلزمه بما تقدم منه نقصٌ يعاب به البتة، بل المدار على حاله بعد أن ينبَّهَ، فإن تدبَّر وتنبَّه فعرَفالحق فاتَّبَعه فقد فاز، وكذلك إن اشتبه عليه الأمر فاحتاط، وإن أعرض ونفَر فذلك هو الهلاكُ؛ اهـ[22].

7/ ليس في إيثار الحق على أسلافه نقصٌ له ولهم، كما أنه ليس في التعصُّب لهم دفع النقص عنه وعنهم:
التعصب: لا يصوِّب، ولا يدفع الذم إذا كان المتعصَّبُ له يستحقه، بل يضرهم، فيحملون وِزْره ووِزْر مَن تبِعه.

ترك التعصُّب:
لا يضر بالمتعصَّبِ له: فإن لم يكن معذورًا واستحق العذاب، فبإيثاره للهوى، وإن كان معذورًا، فيُعفَى عنه بنيَّتِه في طلب الحق.
ولا يضرُّ بمؤثِر الحق: ضلالُ أسلافه.
وإنما يضرُّ به في العاجل والآجل إيثارُ الهوى على الحق، وتحمله وِزْر نفسه ووِزْر مَن تبعه.
قال المعلمي: يستحضر أن الذي يهمه ويسأل عنه هو حاله في نفسه، فلا يضره عند الله تعالى ولا عند أهل العلم والدِّين والعقل أن يكونَ معلمُه أو مربيه أو أسلافه أو أشياخه على نقص، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يسلَموا مِن هذا، وأفضلُ هذه الأمة أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضِيَ عنهم وكان آباؤُهم وأسلافُهم مشركين.
هذا مع احتمال أن يكونَ أسلافُك معذورين إذا لم يُنبَّهوا ولم تقم عليهم الحجَّة.
وعلى فرض أن أسلافك كانوا على خطأ يؤاخذون به، فاتباعُك لهم وتعصُّبك لا ينفعهم شيئًا، بل يضرهم ضررًا شديدًا؛ فإنه يلحَقُهم مِثلُ إثمك ومثل إثم من يتبعك من أولادك وأتباعِك إلى يوم القيامة، كما يلحَقُك مع إثمك مِثلُ إثم مَن يتبعك إلى يوم القيامة، أفلا ترى أن رجوعَك إلى الحق هو خيرٌ لأسلافِك على كل حال؟!؛ اهـ[23].

ثانيًا[24]: ثم السعي في هداية مَن رحم الله من عباده، واختاره للسعادةِ في العاجل والآجل.
ويأتي الكلام عنه فيما تبقى من كلام المعلمي.
ولهذا - وقوع الأمم السابقة في الاختلاف مع وجود البيات - حذَّر اللهُ آخرَ الأمم أن تسلُكَ سبيل مَن قبلها في الاختلاف بعد معرفة الحق.
فقال: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾ [آل عمران: 103]، وقال: ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا ﴾ [الشورى: 13]، وقال: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [آل عمران: 105]، وقال: ﴿ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ [الروم: 31، 32].

وأخبر أن هذا القرآنَ يبيِّن الحقَّ فيما اختَلَف فيه أهلُ الكتاب مِن قبلنا.
وقال: ﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ ﴾ [النحل: 39].
وقال: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ [النمل: 76].
يتبع...


[1] إرادة الوصول إلى الشهوة.

[2] التنكيل 2/ 180 - القائد إلى تصحيح العقائد.

[3] التنكيل 2/ 180 - القائد.

[4] التنكيل 2/ 180 - القائد.

[5] التنكيل 2/ 181 - القائد.

[6] التنكيل 2/ 181 - القائد، وسبق في أول الكلام عن "طلب الحق".

[7] التنكيل 2/ 189 - القائد.

[8] التنكيل 2/ 181 - القائد.

[9] لا تعارضَ في كلام المعلمي بين الاعتراف والاعتقاد؛ فقد يعلم ويعتقد، لكن لا يعترف، وقد يمنعُه رفض الاعتراف من العلم والاعتقاد، كما سيأتي في كلام المعلمي.

[10] التنكيل 2/ 181 - القائد.

[11] التنكيل 2/ 182 - القائد.

[12] التنكيل 2/ 182 - القائد.

[13] ليس بالضرورة في ذكر الأسباب ونحوها أن تكون مجموعةً في موضع واحد.

[14] التنكيل 2/ 186 - القائد.

[15] التنكيل 2/ 188 - القائد.

[16] التنكيل 2/ 202 - القائد.

[17] الاستقامة 2/ 302 - 303.


[18] النبوات 1/ 346 - 347.

[19] التنكيل 2/ 190 - القائد.

[20] التنكيل 2/ 190، 193 - القائد.

[21] التنكيل 2/ 199 - 200 - القائد.

[22] التنكيل 2/ 199 - القائد.

[23] التنكيل 2/ 199 - القائد.

[24] تابع لـ: التعامل مع قضاء الله الكوني في الاختلاف: الأول: طلب الحق.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 35.75 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 35.13 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.76%)]