
13-10-2021, 04:36 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,130
الدولة :
|
|
رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )

تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة الانعام
الحلقة (396)
تفسير سورة الأنعام (29)
مما أوحى به شياطين الجن إلى إخوانهم من شياطين الإنس أن قالوا للرسول ولمن معه من المؤمنين: كيف تأكلون ما تقتلون وتذرون ما يقتله الله، فنبه الله عباده المؤمنين إلى أن شياطين الجن يوحون إلى الأخباث من الإنس الذين استجابوا لهم بعبادة الأوثان مثل هذه الأقوال ليزعزعوا إيمان الصادقين ويشوشوا عليهم، ثم أمرهم سبحانه بأن يأكلوا مما ذكر اسم الله عليه؛ لأنه حلال وليس مما حرمه الله على عباده.
تفسير قوله تعالى: (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين)
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.
ثم أما بعد:
أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة واللتين بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).
والسورة ما زالت سورة الأنعام المباركة المكية الميمونة، فلنستمع إلى تلاوة الآيات مجودة مرتلة، ثم نشرع بإذن الله في شرحها وبيان مراد الله تعالى منها.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ( فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ * وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ * وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ * وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ )[الأنعام:118-121].
مشروعية الأكل مما ذكر اسم الله تعالى عليه وحرمة الأكل من غيره من الذبائح
معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: ( فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ )[الأنعام:118]، هذا أمر الله لنا -معاشر المؤمنين والمؤمنات- أن نأكل من الذبائح مما أذن الله في أكله، وهي الأنعام ومن غير الأنعام كالطير -مثلاً- أو الدجاج، وسائر ما أذن الله في أكله، وعند الذبح وعند التذكية يجب أن يقول من يذكي ومن يذبح: باسم الله، فإذا ذكر اسم الله بهذا اللفظ: (باسم الله) حل أكل ذلك الذبيح، وأصبح من الطيب الحلال، فإن هو لم يذكر اسم الله عليه، سواء ذكر اسم غير الله كالأصنام والأحجار، أو الأنبياء والصالحين، أو لم يذكر اسم الله ولا اسم غيره؛ لم يحل الأكل؛ إذ هذه الذبيحة لولا إذنه تعالى بذلك ما جاز أن تذبح هذا الحيوان وتقطعه عن الحياة، فأنت تقول: باسم الله أذبحه.فمن هنا لا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يذكي شاة أو بعيراً أو بقرة أو طائراً من الطير كالدجاج وسائر أصنافه حتى يقول: باسم الله، فإن نسي أن يقول: باسم الله وهو مؤمن موحد لا يشرك بالله جاز أكله؛ لأن الله رفع عن هذه الأمة الخطأ والنسيان، أما أن يقول: لا أقول اسم الله ولا أذكره؛ فلا يصح أكله أبداً ولا يجوز.
هنا بعض الشياطين من المجوس واليهود والمشركين قالوا: لماذا الذي يقتله الله جل جلاله ويميته تحرمونه ولا تأكلونه وتقولون: ميتة، والذي تقتله أنت يا آدمي تقول: هذا حلال؟ وهذه من وسوسة الشيطان وإملائه لأوليائه المتفق معهم على الإضلال والإفساد في الأرض.
إذاً: فمن هنا أزال الله تعالى من نفوس المؤمنين والمؤمنات هذا الوهم وقال: ( فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ )[الأنعام:118]، آمنا بالله وبلقائه وكتابه ورسوله. إذاً: فلا نصغي ولا نسمع إلى وساوس الشياطين، يقال: كيف الذي تقتلونه أنتم تقولون: هو حلال وتأكلونه، والذي يقتله الله ويميته تقولون: هو حرام؟ توجد نفوس صغيرة تصغي إلى مثل هذا، فأبطل الله هذا وانتزعه من ألسنتهم قبل أن يصل إلى قلوب المؤمنين، وهي آية محكمة إلى يوم القيامة، ( فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ )[الأنعام:118]، وآيات الله بينت لنا الحلال والحرام، في سورة النحل، في سورة المائدة، وإن كانت سورة المائدة ما نزلت بعد.
تفسير قوله تعالى: (وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم ...)
وقوله تعالى: ( وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ )[الأنعام:119]، جاء من سورة النحل بيان ذلك في آخر السورة، وفي سورة المائدة: ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ ... )[المائدة:3]، وفي قوله تعالى في سورة البقرة: ( إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )[البقرة:173].إذاً: ( وَمَا لَكُمْ )[الأنعام:119]، أي شيء يمنعكم ( أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ )[الأنعام:119] ربكم وبين ( مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ )[الأنعام:119] في النحل -كما قلنا- وفي غيرها، ( إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ )[الأنعام:119]، فالذي يخاف على نفسه الموت له أن يأكل مما حرم الله القدر الذي يحفظ به حياته، لا أن يأكل ليشبع ويتلذذ بالميتة المحرمة أو لحم الخنزير أو الدم، وإنما يأكل بقدر الحاجة، إذا أكل ما يسد رمقه ويقيم صلبه يكتفي بذلك، لا يتلذذ ويشبع منه، ( إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ )[الأنعام:119].
معنى قوله تعالى: (وإن كثيراً ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين)
ثم قال تعالى لهم: ( وَإِنَّ كَثِيرًا )[الأنعام:119]، أي: من الشياطين من الإنس والجن، ( لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ )[الأنعام:119]، يفتون ويقولون: هذا حلال وهذا حرام، بدون علم عن الله ولا عن رسوله، فأكثر الناس هكذا، وخاصة أهل الكفر والشرك.(وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ )[الأنعام:119]، وسوف يجزيهم مقابل اعتدائهم؛ لأن التحريم والتحليل حق الله فقط، التحريم للمأكل، للمشرب، للملبس، للمسكن، للمركب، للمنكح، التحريم والتحليل من حق الله تعالى وحده، ولماذا؟ لأن العبيد عبيده، وهو القائم على حياتهم أولاً، وثانياً: هو الذي يعلم ما يضر بأنفسهم وما ينفع، وهل غير الله يعرف هذا؟
فهو تعالى -أولاً- الملك ملكه، يأذن في كذا ولا يأذن في كذا، فهل تعترض عليه؟
ثانياً: هو إذا أحل يعلم أن هذا الحلال ينفع الآكل، وإذا حرم يعلم أن هذا الحرام يضر الآكل؛ لأنه ولي المؤمنين ورب العالمين، فلهذا ندد بالذين يضلون الناس حيث يفتونهم بدون علم، وهم في ذلك معتدون، وسوف يلقون جزاءهم من الله، جزاء اعتداءهم، اعتدوا على ماذا؟ على الله، حيث أخذوا يشرعون لعباده، فأي اعتداء أعظم من هذا؟ فلهذا توعدهم بقوله: ( إِنَّ رَبَّكَ )[الأنعام:119] أيها المستمع ( هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ )[الأنعام:119]، وسوف يجزيهم مقابل اعتدائهم؛ إذ أحلوا ما حرم الله وحرموا ما أحل الله، فلنحذر هذا في كل شيء، لا نفتي إلا بعلم، وإلا نقع في العدوان.
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|