عرض مشاركة واحدة
  #9  
قديم 10-10-2021, 08:32 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,128
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب التطبيق)
(210)

- (تابع باب نوع آخر من الدعاء في السجود)
أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، لذا يستحب أن يكثر المصلي من الدعاء، ويلح على الله عز وجل، تأسياً بالنبي عليه الصلاة والسلام.
تابع نوع آخر من الدعاء في السجود

‏ شرح حديث عائشة في دعاء النبي في السجود: (اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الدعاء في السجود، وقال: نوع آخر.أخبرنا محمد بن قدامة ، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن هلال بن يساف قالت عائشة رضي الله عنها: (فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم من مضجعه، فجعلت ألتمسه، وظننت أنه أتى بعض جواريه، فوقعت يدي عليه وهو ساجد، وهو يقول: اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت)].
فالتراجم هذه تتعلق بالدعاء في السجود، وقد مر بعض الأحاديث المشتملة على الأدعية الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدعاء في السجود، وقد عرفنا من قبل أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: إن السجود يكثر فيه من الدعاء، وأن الركوع يعظم فيه الرب، حيث قال عليه الصلاة والسلام: (أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه في الدعاء؛ فقمن أن يستجاب لكم).
وقد وردت أدعية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في السجود، وقد عقد النسائي عدة تراجم بهذه الأنواع من الأدعية، وقد مر بعضها وهو الدعاء الذي فيه: (اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً..)، إلى آخره، والدعاء الذي فيه -أيضاً- التعظيم لله عز وجل وهو حديث عائشة، أنه ( كان يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي )، وهو مشتمل على دعاء، وعلى ثناء على الله عز وجل، ثم بعد ذلك جملة من التراجم المشتملة على أنواع من الأدعية الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في السجود، ومن هذه الأنواع هذا الحديث، أو ما اشتمل عليه هذا الحديث عن عائشة رضي الله عنها، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم في سجوده: (اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت)، وقد أخبرت عائشة رضي الله عنها: أنها سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو بهذا الدعاء، وكان ذلك في مناسبة حصلت لها، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عندها، وكان في مضجعه، فتنبهت وإذا هو ليس في مضجعه، فظنت أنه ذهب إلى بعض جواريه، وهذا فيه بيان ما كانت عليه النساء من الغيرة على الأزواج، فبحثت عنه عليه الصلاة والسلام، فوجدته ساجداً، وهو يدعو في سجوده ويقول هذا الدعاء: (اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت)، يعني أنه قام من مضجعه يصلي عليه الصلاة والسلام، وكان يدعو في سجوده بهذا الدعاء: (اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت) وهذا من الجوامع، أن العبد يسأل الله عز وجل أن يغفر له سره وعلانيته، ما حصل له في السر، وما حصل له في العلانية، ومن المعلوم أن أحواله تنقسم إلى قسمين: سر وعلانية، فالمصلي عندما يدعو ربه بهذا الدعاء المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يسأل الله عز وجل أن يغفر له ما أسره وما أعلنه، وهذا من جوامع الأدعية التي كان يدعو بها الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في دعاء النبي في السجود: (اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت...)
قوله: [أخبرنا محمد بن قدامة].وهو محمد بن قدامة المصيصي، وهو ثقة، أخرج له أبو داود، والنسائي.
[حدثنا جرير].
وهو ابن عبد الحميد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن منصور].
وهو منصور بن المعتمر، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن هلال بن يساف].
ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[قالت عائشة...].
وهي أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق، التي أنزل الله براءتها في آيات من سورة النور، وهي من أوعية السنة، وممن حفظ الله تعالى بها سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإنها روت الأحاديث الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا سيما الأحاديث المتعلقة بأحوال البيوت، والتي تجري بين الرجل وبين أهله، فإنها حفظت الشيء الكثير في ذلك وفي غيره، رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
ومن المعلوم أن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام هم الذين حفظوا السنن وتلقوها وأدوها إلى من بعدهم، فمن أخذ وعمل بتلك السنن التي جاءت عن طريق الصحابي، أو عن طريق الصحابية، كالذي جاء عن طريق عائشة رضي الله عنها وأرضاها من السنن، فإن أي عامل يعمل بتلك السنن، فإنه مأجور على عمله الذي جاء عن طريقه ذلك، والذي استفاد عن طريقه ذلك، يكون مأجوراً مثل أجور ذلك العامل، ولهذا فإن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم مأجورون على أعمالهم، ومأجورون على ما يعمله العاملون من السنن التي جاءت عن طريقهم، فإن الأحاديث التي يروونها هم الواسطة وهم السبب فيها، فكل من عمل بتلك السنة، فإنه يكون مأجوراً على عمله بها، ويكتب الله عز وجل لمن كان هو الدليل، ولمن كان واسطةً في ذلك، وهم أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، مثل أجور العاملين، وكذلك يكتب لمن بعدهم والذين كانوا سبباً في حفظها، أي: حفظ السنن، مثل أجور من عمل بها؛ لأن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم قال: (من دل على هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً)، وكذلك: (من دل على خيرٍ فله مثل أجر فاعله)، ومعلوم أن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، هم الذين دلوا على هذا الخير، الذي تلقوه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولهذا صاروا أفضل الناس، وصاروا خير الناس، ولهم مثل أجور من جاء بعدهم ممن أخذوا عنهم السنن، وممن عملوا بتلك السنن التي جاءت عن طريقهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، ولهذا فإن محبتهم علامة الإيمان، وبغضهم أو بغض أحد منهم علامة النفاق، وعلامة الخذلان، وليس هناك أعظم خذلاناً ممن يبتلى بأن يكون في قلبه غل على أصحاب الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عنهم وأرضاهم، والله عز وجل أخبر في سورة الحشر أن الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: المهاجرين، والأنصار، والذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار، سائلين الله عز وجل ألا يجعل في قلوبهم غلاً لهم، فهذه هي علامة الإيمان، وعلامة الهداية، والناس ثلاثة أصناف لا رابع لها، الناجون، والذين هم على الحق والهدى، هم هؤلاء الأصناف الثلاثة: المهاجرون، والأنصار، والذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار مستغفرين لهم، سائلين الله عز وجل ألا يجعل في قلوبهم غلاً لهم، وحقداً عليهم، ومن كان في قلبه حقد وغل على أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإن هذه هي العلامة الواضحة على أنه مخذول، وعلى أنه جنى على نفسه، وعلى أنه جر البلاء إلى نفسه؛ لأن هؤلاء الأخيار، وهؤلاء الصفوة المختارة، لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، وقد جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في حق الأنصار: (أن آية الإيمان: حب الأنصار، وآية النفاق: بغض الأنصار)؛ وذلك لأنهم نصروا الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد أظهر الله على أيديهم دينه، وكذلك المهاجرون مثلهم؛ لأنهم تركوا بلادهم، وجاءوا لنصرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وللجهاد معه، فمن يحب أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام سعى إلى جلب الخير إلى نفسه، ومن كان في قلبه بغض لهم، أو لأحد منهم، فإنه جنى على نفسه، وجلب المصائب على نفسه، ونادى على نفسه بأنه مخذول ممن خذله الله.
فـعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، ممن حفظ الله تعالى بها سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكذلك غيرها من الصحابة، الذين حفظ الله تعالى بهم السنة، وكانوا هم الواسطة بين الناس وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمسلمون لا يربطهم بالرسول صلى الله عليه وسلم إلا الصحابة، ولا يعرفون شيئاً جاء عن رسول الله، إلا عن طريق الصحابة، فإذا قطعت الصلة بالرسول عليه الصلاة والسلام، وذلك بالقدح في الصحابة، وبالنيل من الصحابة، فإن هذا علامة الخذلان، وأن الإنسان لا صلة له بالرسول صلى الله عليه وسلم أصلاً، ولا علاقة له بالرسول، ولا تربطه به أي علاقة؛ لأن فيه رد للشريعة، ورد للكتاب والسنة؛ لأن القدح في الناقل قدح في المنقول، وقد قال أبو زرعة الرازي رحمة الله عليه، وهو من علماء القرن الثالث الهجري، ومن أئمة الجرح والتعديل، ومعروف بكلامه في ذلك، كان يقول كلمة رواها عنه الخطيب البغدادي في كتاب الكفاية بإسناده إليه، أنه قال: إذا رأيتم أحداً ينتقص أحداً من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم فاعلموا أنه زنديق، ثم بين ذلك فقال: وذلك أن الرسول حق، والكتاب حق، وإنما أدى إلينا الكتاب والسنة، أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء -يعني يشير إلى الذين يقدحون فيهم- يجرحون شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، وذلك أن القدح في الناقل قدح في المنقول، القدح في الصحابة قدح للكتاب والسنة؛ لأن الكتاب والسنة ما جاء إلا عن طريق الصحابة، وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، ثم قال: والجرح بهم أولى وهم زنادقة، وإذا كان من خذله الله عز وجل لا يقدر الصحابة، ولا يعرف فضل الصحابة، بل يذمهم، ويعيبهم، ولا يقبل ما جاء عن طريقهم، فما هو الحق الذي في يده؟! إنه ليس في يده إلا الخذلان، وليس في يده إلا الحرمان، وليس في يده إلا الوقوع في حبائل الشيطان.
شرح حديث عائشة في قول النبي في سجوده: (رب اغفر لي ما أسررت وما أعلنت) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن المثنى ، حدثنا محمد ، حدثنا شعبة ، عن منصور ، عن هلال بن يساف ، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فظننت أنه أتى بعض جواريه، فطلبته، فإذا هو ساجد يقول: رب! اغفر لي ما أسررت وما أعلنت)].ثم ذكر الحديث من طريق آخر، وهو مثل الذي قبله إلا أنه بلفظ: (رب! اغفر لي ما أسررت وما أعلنت)، بدل: (اللهم اغفر لي) فهو رب، يعني: يا رب، و(اللهم)، يعني: يا ألله؛ لأن (اللهم) معناها يا ألله، يعني حذفت ياء النداء وعوض عنها ميم في الآخر، والروايتان جاءتا بلفظ واحد إلا في هذا اللفظ، ولا فرق بين اللفظين؛ لأن (اللهم) هي بمعنى يا رب، أو بمعنى رب.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في قول النبي في سجوده: (رب اغفر لي ما أسررت وما أعلنت) من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].وهو أبو موسى الملقب بـالزمن، كنيته أبو موسى، وهو العنزي الملقب بـالزمن، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرةً وبدون واسطة، وهو من صغار شيوخ البخاري، إذ كانت وفاته قبل البخاري بأربع سنوات، فـالبخاري توفي سنة ست وخمسين ومائتين، ومحمد بن المثنى توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وقد ذكرت فيما مضى أن هناك شيخين للبخاري، هما مثل محمد بن المثنى في كونهم من صغار الشيوخ، وكونهم ماتوا في سنة واحدة، وهما: محمد بن بشار بندار، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، فإن هؤلاء الثلاثة: محمد بن المثنى الذي معنا، ومحمد بن بشار بندار، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، هؤلاء الثلاثة روى لهم أصحاب الكتب الستة مباشرةً وبدون واسطة، وهم من صغار شيوخ البخاري، وقد ماتوا في سنة واحدة، وهي سنة اثنتين وخمسين ومائتين.
[حدثنا محمد].
غير منسوب، والمراد به محمد بن جعفر الملقب غندر، إذا جاء محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى يرويان عن محمد غير منسوب، فالمراد به ابن جعفر الذي هو: غندر، وكذلك إذا جاء محمد يروي عن شعبة غير منسوب، فالمراد به محمد بن جعفر غندر، فمحمد هذا غير منسوب وهو ابن جعفر الملقب غندر، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا شعبة].
وهو ابن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
وما بعد شعبة قد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا منصور بن المعتمر، وهلال بن يساف، وعائشة.
نوع آخر من الدعاء


شرح حديث علي: (أن رسول الله كان إذا سجد يقول: اللهم لك سجدت ولك أسلمت وبك آمنت...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر.
أخبرنا عمرو بن علي ، أخبرنا عبد الرحمن هو: ابن مهدي ، حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة ، حدثني عمي الماجشون بن أبي سلمة ، عن عبد الرحمن الأعرج ، عن عبيد الله بن أبي رافع ، عن علي رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد يقول: اللهم لك سجدت، ولك أسلمت، وبك آمنت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره فأحسن صورته، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين)].

أورد النسائي نوعاً آخر من الدعاء في السجود، وهو عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: [(أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في سجوده يقول: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، وعليك توكلت، سجد وجهي لله الذي خلقه، وصوره فأحسن صورته، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين)].
فهذا دعاء من الأدعية الثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في السجود، وقد جاء عن علي رضي الله تعالى عنه، بهذا اللفظ وبألفاظ أخرى، وفيه ثناء على الله عز وجل وتعظيم له، وأن وجهه سجد له، ثم يثني على ربه الذي خلقه فأحسن خلقه، وصوره فأحسن صورته، وشق سمعه وبصره، فجعل في وجهه السمع والبصر، ويسمع بسمعه الأصوات، ويبصر ببصره المرئيات، وهي من أعظم النعم التي أنعم الله تعالى بها على عباده، فالعبد يثني على ربه، ويعظمه، ويذكر آلاءه عليه، ونعمه عليه، وأنه ما من نعمة إلا وهي منه سبحانه وتعالى، ثم بعدما ذكر هذه الهيئة التي خلقه الله تعالى عليها، وهي أنه خلقه وصوره فأحسن صورته، وشق سمعه وبصره، قال: (فتبارك الله أحسن الخالقين)، والمراد بالخالق هنا بمعنى المقدر، الخالقين بمعنى: المقدرين؛ لأن الخالق يأتي بمعنى الموجد من العدم، وهذا لا يوصف به إلا الله عز وجل، فهو الذي يوجد الشيء من العدم، ويأتي بمعنى التقدير، وهذا يضاف إلى الله عز وجل، ويضاف إلى غيره، ولكن إنما يضاف إلى الله عز وجل من التقدير ما يناسبه ويليق بكماله وجلاله، وما يضاف إلى العباد يليق بنقصهم وافتقارهم؛ ولهذا جاء: (فتبارك الله أحسن الخالقين) والمراد بذلك: المقدرين؛ لأن الله تعالى يقدر، وغيره يقدر، ولكن تقدير الله عز وجل يليق بكماله وجلاله، وتقدير المخلوقين يليق بضعفهم وافتقارهم، وكل تقديره يناسبه، ولكن ليس أحد يقدر كتقدير الله، بل الله عز وجل يعلم الشيء كيف يكون، ثم يوجده على الوجه الذي كان عليه، وأما الناس فقد يقدر الإنسان، ولكنه لا يقدر على أن ينفذ الشيء الذي قدره، وعلى هذا فإن الخلق يفسر بمعنى الإيجاد من العدم، وهذا لا يضاف إلا إلى الله عز وجل، ويفسر بمعنى التقدير، وهذا هو الذي يضاف إلى الله عز وجل ويضاف إلى غيره، مع الفرق بين ما يضاف إلى الله عز وجل وما يضاف إلى المخلوقين.
وقوله: (فتبارك الله أحسن الخالقين) هو من هذا القبيل، الذي هو من قبيل التقدير، وأن الله تعالى يقدر وغيره يقدر، ولكن ليس تقدير غيره يشبه تقديره، بل تقديره وفعله هو الذي في غاية الكمال، وأما غيره فهو يليق بضعفه وافتقاره، وقد ذكر هذا ابن القيم رحمه الله، في كتابه شفاء العليل، بين أن هذا المعنى، أو أن هذه الآية الذي يناسب في تفسيرها، ما دام أنه ذكر فيها من هو خالق مع الله، أنه بمعنى التقدير، (تبارك الله أحسن الخالقين)، الله تعالى يخلق وغيره يخلق، بمعنى يقدر، لكن لا أحد يوجد من العدم، بل هو وحده الذي يوجد من العدم، ولهذا يأتي في كلام العرب ذكر الخلق مضافاً إلى العباد ويراد به التقدير، ومن ذلك قول الشاعر يمدح ممدوحه:
ولا أنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري
يعني: أنت تقدر وترسم لنفسك خطة ثم تنفذ، يعني: تقول وتفعل، لست ممن يقول ثم لا يتمكن من الفعل، بل أنت ترسم الخطة وترسم الشيء الذي تريده، وتنفذ ما أردت وما قدرت، ولا أنت تفري ما خلقت، وأصل الفري هو أن الحذاء عندما يريد أن يعمل النعال، يكون عنده الجلد، فيعمل بالقلم، يعني رسمة لمقدار الرجل، يعني على هيئة الرجل في الجلد، ثم يأتي بالمقص ويقص على مكان التقدير، فإذا كان حاذقاً في القص، يأتي به بسرعة على نفس الرسم، وإذا كان ليس بحاذق، فإنه يميل شمالاً ويكون معروجاً ولا يكون مستقيماً، فهذا هو معنى قوله: ولا أنت تفري ما خلقت، يعني: تقدر ثم تشك طبقاً لتقديرك، وطبقاً لما رسمته لنفسك.
ومنه قول الحجاج في خطبته في العراق:
إنني لا أقول إلا أمضيت ولا أخلق إلا فريت
ولا أخلق إلا فريت، يعني: ما أقدر إلا وأنفذ، معناه: لست من الناس الذين يتكلمون، ثم تخالف أفعالهم، أقوالهم، أقول القول ثم لا أنفذه، بل أنا أقول القول وأنفذه، وأنا لا أقول إلا أمضيت، ولا أخلق إلا فريت، يعني: ما أقدر إلا وفريت وفقاً لتقديري، فهذا هو معنى الخلق في هذه الآية الذي يناسبه ذكر الخالقين، وأما الخلق بمعنى الإيجاد من العدم، فهذا مما اختص به الله سبحانه وتعالى، ولهذا من الأسماء التي لا يصلح أن يسمى بها غير الله: الرحمن، والخالق، والصمد. هذه من الأسماء التي لا تضاف إلا إليه سبحانه وتعالى، ولا تطلق إلا عليه، ولا تطلق على غيره، يعني هذا الإطلاق، الصمد أو الخالق أو الرحمن، وإنما هذه من الأسماء التي يختص بها، وقد ذكر هذا ابن كثير رحمه الله في أول تفسيره لسورة الفاتحة، في تفسير القرآن العظيم عند تفسير سورة الفاتحة، وذكر الرحمن الرحيم، إما في البسملة وإما في الرحمن الرحيم، ذكر أن الرحمن من الأسماء التي لا تضاف إلا إلى الله عز وجل، بخلاف الرحيم، فإنه يطلق على غير الله، وقد جاء في القرآن وصف الرسول أنه رحيم، (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ )[التوبة:128]، فهذا وصف الله تعالى به رسوله عليه الصلاة والسلام بأنه رءوف رحيم، لكن (رحمن) ما تطلق إلا على الله، و(خالق) ما يطلق إلا على الله، و(الصمد) ما يطلق إلا على الله، وقد ذكر هذا ابن كثير رحمه الله كما قلت في أول تفسيره للقرآن الكريم عند تفسير سورة الفاتحة؛ ولهذا لما تطاول مسيلمة الكذاب وقال عن نفسه: إنه رحمان اليمامة، وأطلق عليه ذلك، ظفر بهذا اللقب الذي يلازم اسمه فصار يقال له: الكذاب، بحيث لا يذكر اسمه إلا ويقرن به كلمة: (الكذاب).
تراجم رجال إسناد حديث علي: (أن رسول الله كان إذا سجد يقول: اللهم لك سجدت ولك أسلمت وبك آمنت...) قوله: [أخبرنا عمرو بن علي]. هو الفلاس، المحدث، الناقد، ثقة ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من النقاد، وكثيراً ما يأتي ذكره عند تراجم الرجال يقال: قال فيه الفلاس كذا، ويقال: عمرو بن علي، وهو الفلاس، والنسائي كثيراً ما يذكره بهذا اللفظ عمرو بن علي.
[أخبرنا عبد الرحمن هو ابن مهدي].
وهو عبد الرحمن بن مهدي البصري، وهو ثقة ثبت، ممن كلامه في الرجال كثير، وهو محدث، ناقد، وعمرو بن علي قال: حدثنا عبد الرحمن، ولم يقل: ابن مهدي، لكن من دون عمرو بن علي، أي: النسائي أو من دون النسائي، هو الذي قال: هو ابن مهدي، أراد أن يوضح من هو عبد الرحمن؛ لأن عمرو بن علي لا يحتاج إلى أن يقول: هو، وإنما يقول: عبد الرحمن بن مهدي رأساً، ينسبه كما يريد؛ لأن التلميذ ينسب شيخه كما يريد، لكن من دون التلميذ هو الذي يحتاج إلى أن يضيف هذه الإضافة، حتى يعلم أنها ليست من التلميذ، وإنما هي ممن دون التلميذ، وعبد الرحمن بن مهدي حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة].
وهو عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثني عمي الماجشون بن أبي سلمة].
وهو يعقوب، ولقبه الماجشون، واسمه يعقوب بن أبي سلمة، وهو صدوق، أخرج له مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
[عن عبد الرحمن الأعرج].
هو عبد الرحمن بن هرمز الملقب بـالأعرج، ذكر باسمه ولقبه، وهو مشهور باللقب، ومشهور أيضاً بالاسم، يأتي ذكره عبد الرحمن بن هرمز، ويأتي ذكره الأعرج، ويجمع بين الاسم واللقب فيقال: عبد الرحمن الأعرج، وهو: المدني، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عبيد الله بن أبي رافع].
أبوه هو أبو رافع مولى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وعبيد الله بن أبي رافع هذا ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو كاتب علي رضي الله عنه، كان كاتباً لـعلي رضي الله عنه، وهو هنا يروي عن علي، وكان كاتب علي، ومعناه الارتباط بينه وبينه حاصل وموجود، من جهة أنه ملازم له؛ لأنه كان كاتباً له.
[عن علي].
وهو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي، ابن عم رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وصهره على ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها، وهو أبو الحسنين: الحسن، والحسين رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما، وهو رابع الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، وهو أفضل الصحابة بعد أبي بكر، وعمر، وعثمان، رضي الله تعالى عن الجميع، ومناقبه جمة، وفضائله كثيرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

يتبع


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 47.34 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 46.71 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.33%)]