
10-10-2021, 04:16 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,473
الدولة :
|
|
رد: قطوف تربوية من كتاب العيال لابن أبي الدنيا
قطوف تربوية من كتاب العيال لابن أبي الدنيا
سعيد امختاري
• « حدثني أبي محمد بن عبيد بن سفيان، عن بعض أشياخه , وحدثت بذلك أيضا , عن قران بن تمام الوالبي، عن مجالد، عن الشعبي، قال: كانت قريش تحب عثمان حتى إن المرأة كانت ترقص ابنها فتقول: أحبك والرحمن حب قريش عثمان »[34].
• حدثني علي بن سهل بن المغيرة، حدثنا محمد بن سعيد، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، قال: كان العباس يرقص قثما يقول:
يا قثم يا قثم
يا ذا الأنف الأشم
يا شبه ذي الكرم»[35].
• « وحدثني أبو زكريا الخثعمي، أن أعرابيا قال لبني له:
وهبته بعد اللتيا والتي
حتى حما قوسي وشابت لمتي
ولمع الشيب بياض لحيتي
ماض على الأعداء فيه قسوتي
يكبت أعدائي ويحمي نسوتي»[36].
وهذا النوع من النصوص والأخبار الطريفة كثيرة جدا تحت هذا الباب الماتع، والذي نستفيده منه أن ما يقرع به كثير من الدارسين اليم أسماعنا من مصطلحات مستوردة باسم رعاية الجانب العاطفي للطفل، إنما هو محض توهم وجود ذلك عند غير السلمين، والحق أن المسلمين هم فرسانها وأبطالها، فأي رعاية للمشاعر والعواطف أكثر من هذا؟، حينما نرى كبار الصحابة والتابعين والعلماء والأئمة، يقومون بتنقيز الصبيان، مع أنشاد بعض القصائد والأناشيد، التي تؤدي أكثر من وظيفة تربوية، فسماع الصبي لهذه الأشعار يؤدي به إلى سماع اللغة العربية وتعلمها، وعويد لسانه على النطق بها بعد تعويد أذنه على سماعها، كما أن هذه الأشعار التي كانت تنشد أثناء مداعبة وتنقيز الصبيان، كانت تحمل معاني الرجولة والقوة والسيادة، والسؤدد وعلوم الهمة، تلك هي المعاني السامية التي تربي الأمم من أجلها أبناءها، وليس بأغاني ماجنة أو كلمات أجنبية لا قيمة لها إلا ما كان من إفساد العقول والفطرة، وزرع ثقافة هدامة في نفس الصبي اليوم، بحيث يكبر وهو لين سهل لا همة له في الحياة، أو ينشأ خشنا عنيفا يخرب كل ما يحيط به، فكيف يتصور أن يكون ضمير الطفل الذي كان يسمع أنه عند الكبر يكبت الأعداء ويحمي النسوة؟ ماذا لو عاش هؤلاء في زمن يوالون فيه الأعداء ويتوددون إليهم، ويستهينون بالعرض والشرف تحت مسميات زائفة باطلة رعناء من قبيل الحرية الشخصية والانفتاح والتنوير وغي ذلك من هرطقات التقليد الأعمى.
أضف إلى ذلك ما يشعر به الطفل من خفة الروح والفرح والسرور والغبطة بالحياة، إذ نجد في زماننا هذا أطفالا يقدمون على الانتحار، أو يحاولونه ثم يفشلون، فإذا سئلوا عن السبب أخبروا أنهم يعيشون عنفا أسريا قاهرا جعلهم يكرهون الحياة.
وبعد النفقة والمداعبة والملاعبة والتنقيز، انتقل الإمام ابن أبي الدنيا بترتيبه العجيب لمواد كتابه إلى تعليم الأصاغر الصلاة، وذلك لأن الطفل من العام السابع ينبغي أن يعود الجد والعمل والالتزام، بحسب ما يليق بعمره، وفي هذا من التربية الخلقية والاجتماعية من الفوائد ما لا يعلمه إلا الله، ذلك أن الصلاة تعود الطفل الالتزام بالوقت، وتعوده البكور لأجل العمل واستقبال اليوم الجديد بمزيد من الحيوية وانشراح العقل والصدر للدرس، كما أن الصلاة هي التي تعود الطفل الاستقامة وتقيه من الانحراف فقد أخبرنا الله تبارك وتعالى أن الصلاة تعدل سلوك الإنسان قائلا سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ [العنكبوت: 45]، وكم أصبحت المدارس اليوم تشتكي من انحراف الشباب والمراهقين من التلاميذ، وكم من العناء أصبح يتحمله المسؤولون عن التربية والتعليم، وفي كل لحظة يمكن إصدار مذكرات تلو مذكرات وزارية حول شغب التلاميذ داخل المؤسسات، وكم من المخاطر أصبحنا اليوم نواجهها في المؤسسات التعليمية، ولكن عناد المقلدين للفكر التربوي الأوروبي يزيدون في العناد فيقرعون آذاننا بمصطلحات لا تعدو أن تكون فرارا من الواقع، من قبيل المراهق، والمرحلة الصعبة، والمشاكل السيكولوجية، والتغيرات الفيسيولوجية، والعنف الأسري وغير ذلك. ونحن لا ننكر ذلك ولكن الحل الأمثل هو ما جعله الله تعالى علاجا للانحراف في السلوك والأخلاق، لأن الله تعالى الذي أمر بالصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، كان سبحانه وتعالى يعلم ما سيكون عليه الحال في زماننا وفي غيره. وقد عايننا بالتجربة أن التلاميذ المحافظين على الصلاة في المنزل والمسجد والمدرسة بعيدون كل البعد عن العنف والانحراف داخل المؤسسات التعليمية.
لذلك كانت عبقرية الإمام ابن أبي الدنيا أن جعل بداية التربية والتعليم، تبدأ بتعليم الصلاة أولا، فحشد لذلك مجموعة من النصوص، سواء المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو عن بقية السلف الصالح رضي الله عنهم.
وهنا نورد بعض هذه النصوص لأنها كثيرة، ونحن نقصد التمثيل فقط:
♦ باب تعليم الصبيان الصلاة:
• حدثنا إسحاق، حدثنا حميد بن عبد الرحمن بن حميد، حدثنا حسن بن صالح، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن عبد الرحمن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا بلغ أولادكم سبع سنين فمروهم بالصلاة فإذا بلغوا عشر سنين فاضربوهم عليها وفرقوا بينهم في المضاجع»[37].
• «حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا خالد بن إسماعيل، عن محمد بن أبي يحيى، عن أمه، عن جدته، أن عمر بن الخطاب، مر على امرأة وهي توقظ ابنها لصلاة الصبح فهو يأبى فقال: دعيه لا تعنيه فإنها ليست عليه حتى يعقلها»[38].
• « حدثنا محمد بن أبي سمينة، حدثنا عبد الله بن داود، عن فضيل بن مرزوق، قال: قلت لسفيان: أضرب ولدي على الصلاة؟ قال: أجدًّه »[39].
إن التأمل في هذه النصوص - وغيرها كثير - يجعلنا نلمح العبقرية عند الإمام ابن أبي الدنيا، وهو يدرج هذه النصوص في كتابه، إنها النظرة التكاملية إلى الأشياء، فحتى لا يظن البعض أن الضرب على الصلاة في العام السابع تعنيف للصبي، فإن الإمام ابن أبي الدنيا جاء بنصوص أخرى تبين المعنى الكلي لتعليم الصلاة للصبي وهو ابن سبع، ذلك لأن أمور الدين الإسلامي لا تفهم إلا في كليتها ومجموعها، أما اجتزاء بعض القضايا الجزئية بعيد عن النصوص الأخرى التي تتناولها فأمر لا يأتي بالفهم الصحيح للمنهج الإسلامي في معالجة الأمور، وهذا صنيع عمر أمير المؤمنين رضي الله عنه حينما وجد امرأة توقظ ابنها لصلاة الصبح فقال لها: دعيه ولا تعنيه، فإنها لا تجب عليه حتى يعقلها، وذلك أن التعليم الذي يكون برفق ودون عناء، هو التعليم الأرجى لنفع المتعلم، هو الأجدى في الامتثال والعمل، وأما فرض الأمور فرضا دون تعويد عيها بالرفق والعقل، فلا تكون ذات فائدة مؤثرة.
ونفس الشي بالنسبة لسفيان رحمه الله حينما قال له فضيل بن مرزوق: أضرب ولدي على الصلاة؟ قال: أجدًّه، أي عوده وشجعه[40]، بالعادة والتعود حتى يعقل معناها، وهذه من مميزات تراثنا، ولكن جاء في عصرنا من لا يعرف هذا التراث أدنى معرفة، فصار يتلو علينا مما استورده من الغرب، وكأن الغرب أول من تحدث في العادة والتعود على الشيء.
ولو أن المدارس فتحت للتلاميذ مساجد، أو قاعات الصلاة، لفعلت في أخلاق التلاميذ الشيء الكثير من التهذيب والتربية، ولامتصت هذه المساجد كثيرا من توترات المؤسسات التعليمية، ولكن لما أبت الجهات المسؤولة عن التعليم إلا علمنة هذه المؤسسات، لم يجد التلاميذ فضاء روحانيا ترتاح فيه أنفسهم من ثقل المشاكل والضغوط النفسية، ولم يجد التلميذ قوة له داخل هذه المؤسسة التعليمية كي يأخذ بيده إلى الصلاة التي تريح الناس من هموم الحياة كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، حينما لم يجد التلميذ هذه الأشياء فجر غضبه وضغوطه النفسية في أعمال العنف والتخريب.
ومما عرف به السلف الصالح، تشجيعهم للأطفال وتحفيزهم باللعب لأجل أداء الصلاة وتعويدهم عليها، من ذلك النص الذي رواه ابن أبي الدنيا:
• « حدثنا محمد بن أبي سمينة، حدثنا بشر بن المفضل، عن خالد بن ذكوان، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نصوم عاشوراء فكنا نصومه ونصوم صبياننا ونعمل لهم اللعب من العهن ونذهب بهم إلى المسجد فإذا بكوا أعطيناهم إياها »[41].
وبعد هذا ينتقل الإمام ابن أبي الدنيا إلى تعليم القرآن للأصاغر، ذلك لأن القرآن الكريم هو أساس كل علم، والعجب ممن يتكلم باسم الحضارة الإسلامية، والتعليم في الحضارة الإسلامية، ويتبجح بانتمائه إلى الحضارة الإسلامية وبدفاعه عن ثقافتها، ثم هو في كتاباته ومؤلفاته لا تجد إلا الثقافة الغربية والأسماء الغربية، والمبادئ الغربية، ولا وجود للمنهج القرآني في تلك الكتابات!.
إن علماء السلف كانوا على حكمة بالغة، حينما جعلوا القرآن الكريم أول ما يتعلمه المتعلم، لأن القرآن سيكون هو الأصل لكل علم يتعلمه المتعلم، لذلك كانت كل كتبهم تنبعث منها رائحة القرآن الزكية، ومهما دارت المعرفة عندهم فلا تدور إلا في فلك القرآن الكريم، لذلك أنتجوا علوما إسلامية خالصة، فلما ابتعدنا نحن عن القرآن الكريم تلاوة وحفظا وفهما واستنباطا للمعرفة، صرنا نعيش تشتتا فكريا لا دواء له إلا بالرجوع الصادق إلى القرآن الكريم.
أما النصوص التي تحث على حفظ القرآن في كتاب ابن أبي الدنيا، وتبين فضله فكثيرة، لكنني أمثل بثلاثة نصوص أراها تنطوي على نظرة تربوية سديدة وسأذكرها كالآتي:
• حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأنا يونس بن محمد المؤدب، حدثنا عمران بن يزيد، حدثني عبد الله بن عيسى، قال: «لا تزال هذه الأمة بخير ما تعلم ولدانها القرآن»[42].
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|