قطوف تربوية من كتاب العيال لابن أبي الدنيا
سعيد امختاري
إن العلاقة الأسرية هي التي ستحكم العلاقة خارج الأسرة للمتعلم، فهي امتداد لتلك اللحمة التي يعيشها المتعلم خارج أسرته، وإننا اليوم نرى نتيجة ذلك في الشارع وفي المؤسسات التعليمية، وذلك أن التخلي عن البناء الأسري المنظم والمحكم يؤدي غلى تكوين أفراد غير طبيعيين في هذا الواقع الذي أصبح ينذر بالخوف، والمتأمل في مشروع ابن أبي الدنيا يدرك العبقرية الفذة لهذا الإمام، وإن كثيرا من العلماء رحمهم الله قد كتبوا في تربية الأبناء كتبا جليلة القدر كما فعل ابن القيم رحمه الله في تحفة المودود، لكنه كما يرى محقق كتاب العيال قصره على المولود فقط، أما ابن أبي الدنيا فقد تناول البناء الأسري ككل، ويقرر هذا الأثر الأسري في تربية المتعلمين وتعليمهم الفيلسوف المغربي الدكتور طه عبد الرحمن قائلا: " أن الأسرة تقوم على عنصرين أساسين: أحدهما العلاقة النسبية باعتبارها تجمع بين طرفين على الأقل، وهي على ضروب مختلفة، الأصل فيها العلاقة الزواجية، وسواها متفرع عنها كعلاقة الأبوة وعلاقة الأمومة وعلاقة البنوة وعلاقة الأخوة، والعنصر الثاني هو الخلق باعتباره يخلع على هذه العلاقة صفة الإنسانية... فالأسرة هي إذن منشأ العلاقة الأخلاقية بين الناس بحق، بحيث لا علاقة إنسانية بغير أخلاق، ولا أخلاق بغير أسرة. ويقول في الهامش معلقا على هذا التقرير: لا يقال بأن هناك علاقات أخلاقية خارج الأسرة، مثل علاقة الأستاذ بالتلميذ، وعلاقة الصديق بالصديق، لأن الجواب هو أن هذه العلاقات تتخذ من العلاقات القائمة داخل الأسرة نماذج لها كأن تحتذي علاقة الأستاذ بالتلميذ حذو علاقة الوالد بولده وتحتذي علاقة الصديق بالصديق حذو علاقة الأخ بأخيه.[25]
بل إن ابن أبي الدنيا قد ألحق اليتامى أيضا بكتابه، وجعلهم ممن يستحقون العناية والتأديب، وقد يقرأ بعض الناس قراءات معاصرة صرفة لنصوص تراثية كتبت وقيلت في ظروف تاريخية خاصة، لكن رغم ذلك فإن التمسك بروح تلك النصوص مع إعادة النظر في بعض تفاصيلها هو المنهج الأسلم للحفاظ على التطور الحضاري من داخل أمتنا لا من خارجها، لأن كل الشعوب والأمم كانت لها بعض التفسيرات القديمة التي تحتاج إلى تطوير كما في الوسائل مثلا لكن هذه الأمم طورت مناهجها ونظراتها النقدية من داخل وعيها الحضاري لا مما يملى عليها من الآراء الاستعمارية الفكرية.
نصوص مختارة من كتاب العيال:
فبعد باب النفقة والإطعام والتعهد بالرعاية والنمو الجسميين، ينتقل بنا الإمام ابن أبي الدنيا إلى ما يتعلق بالنمو النفسي والروحي والوجداني، فمن ذلك مثلا:
♦ باب في العطف على البنين والمحبة لهم:
• حدثنا أبو عبد الرحمن القرشي، حدثني خالد بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، عن أبيه، قال: قال عمر بن الخطاب: «ما من أهل ولا مال ولا ولد إلا وأنا أحب أن أقول عليه إنا لله وإنا إليه راجعون إلا عبد الله بن عمر فإني أحب أن يبقى في الناس بعدي»[26]
• حدثنا علي بن الجعد، أخبرني عاصم بن محمد العمري، عن زيد بن محمد، عن نافع، قال: كان ابن عمر إذا لقي ابنه سالما قبله ويقول: «شيخ يقبل شيخا»[27]
• حدثنا أحمد بن جميل، أخبرنا عبد الله بن المبارك، حدثنا عاصم بن سليمان، عن مسلم أبي عبد الله الحنفي، قال: «بر ولدك فإنه أجدر أن يبرك , وإنه من شاء عق ولده»[28]
• حدثنا عبد الله بن أبي بدر، حدثنا شعيب بن حرب، عن سلام بن مسكين، عن عمران بن عبد الله الخزاعي، قال: قال رجل: يا رسول الله، من أبر؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بر والديك» قال: ليس لي والدان قال: «بر ولدك»[29]
• حدثت عن أبي همام، عن الأشجعي، قال: كنا مع سفيان الثوري فمر ابنه سعيد فقال: «ترون هذا ما جفوته قط وربما دعاني وأنا في صلاة غير مكتوبة فأقطعها له»[30].
وغير هذا من النصوص كثير جدا تحت كل باب، والذي يمكن استشفافه من النماذج السابقة مثلا، تلك الروح التي كان السلف ينظرون بها إلى الأولاد، فنظرتهم كانت تطبعها الرقة والرأفة والمحبة الشديدة إلى درجة البكاء، مما يشعر الولد أنه محبوب وأنه ذو مكانة في هذه الدنيا تلك المكانة التي تبدأ من قلب أبيه وأمه، مما يجعله ينظر إلى غيره بنفس النظرة، ولكن العكس الذي يحدث أحيانا، فإن الولد المعنف داخل الأسرة والذي يشعر أنه غير مرغوب فيه، بحيث يتعرض للضرب والإهانة والعنف المادي والمعنوي، فإنه يحمل تلك الروح العدوانية خارج البيت ليعمل على إخراجها إما في خصومات عنيفة مع زملائه في الشارع وفي المدرسة، أو في أعمال تخريبية أخرى، لأننا لاحظنا بالتجربة أن الأسر الأكثر استقرارا هي التي يكون أبناؤها المتعلمون أكثر اتزانا في الفصول الدراسية، وتلك ميزة كبيرة لا يتفطن لها كثير من الناس، ولن تستقر الأحوال من هذه الناحية إلا بالعودة إلى النبع الصافي الذي كان عليه السلف الصالح.
♦ باب تنقيز الولدان ومداعبتهم:
وهذا باب آخر انتقيته من اجتهادي، وإلا فالكتاب كله حافل بأبواب تعتبر صفحات ناصعة في التربية وتنشئة الأجيال السليمة المشبعة عاطفيا ونفسيا.
• «حدثنا أبو خيثمة، حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن عمر بن سعيد بن أبي حسين، عن ابن أبي مليكة، عن عقبة بن الحارث، قال: رأيت أبا بكر رضي الله عنه يحمل الحسن بن علي ويقول: بأبي شبه النبي***ليس شبيها بعلي، وعلي يبتسم»[31].
• وزعم مصعب بن عبد الله الزبيري عن أبيه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كان أبي ينقزني ويقول: «
أبيض من آل أبي عتيق
مبارك من ولد الصديق
ألذه كما ألذ ريقي»[32].
• « حدثني العباس بن هشام، عن أبيه، قال: كانت أم الفضل بن عباس ترقص الفضل وتقول:
ثكلت نفسي وثكلت بكري
إن لم يسد فهراً أو غير فهر
بالحسب العز وبذل الوفر»[33].
يتبع