عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 10-10-2021, 04:15 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,080
الدولة : Egypt
افتراضي رد: قطوف تربوية من كتاب العيال لابن أبي الدنيا

قطوف تربوية من كتاب العيال لابن أبي الدنيا


سعيد امختاري



وهذا هو الرأي الصائب إن شاء الله، لأن الغرض من هذه الدراسة ليس البكاء على الماضي دون أي عمل، صحيح أن البكاء على الماضي إن كان خيرا من حاضرنا أمر نافع، لا كما يزدري الناس الماضي بهذه العبارة التي ظاهرها حق وباطنها باطل. البكاء على الماضي يكون سلبيا إذا كان لمجرد البكاء، أما أن نقارن بين كيف كنا يوم تمسكنا بالمنهج وكيف أصبحنا يوم تخلينا عن المنهج، فالأمر يدعو إلى دراسة ذلك الماضي وأسباب التفوق فيه لعلنا نرجع إلى الأصل، ولا تطور لحضارة من الحضارات إلا إذا رجعت إلى أصلها ثم استأنفت التطوير والتجديد من الداخل لا إملاء من الخارج.



ولن يكون العمل في دراستنا هذه المقاربة بين ما كان عند علمائنا في التدريس وما عند الغربيين الآن، لأن هذه المقاربات غالبا ما تنحاز في الأخير نحو النظريات الغربية، أو تسهل الطريق نحو الأخذ بالثقافة الغربية، وذلك راجع إلى كثرة التطبيع مع هذه الثقافة بسبب المقاربة، إذ كثيرا من الدراسات التي تعتمد المقاربة لا تعتمدها إلا لتبرير أخذها بالنظريات الغربية، موهمة الناس أن ذلك مما يقره الإسلام والتراث الإسلامي أيضا.

إن العمل في هذه الدراسة وما سيأتي بعدها إن شاء الله، سيكون إظهارا وإبرازا لما تتميز به العلوم التربوية في تراثنا الإسلامي الخالد، أي هكذا كان تراثنا وسيظل، وأما زوبعة العلمانيين والمقلدين والعملاء فسينهزمون مع انهزام الغرب الذي يقلدونه تقليد من لا يملك لنفسه حولا ولا قوة، ولا عقلا ولا تفكيرا: فكم من اسم بارز في التربية والتعليم ملأ الدنيا ضجيجا، فإذا استمعت إليه وجدته يلوك في فيه كليمات أمليت عليه، ويصدر غمغمات غربية بلسان عربي، ويخط باليمين أفكار أصحاب الشمال.

إن نصوص التراث الإسلامي نصوص مفعمة بالحركة والجد والنشاط، إنها نصوص تسري فيها روح الرجولة والقوة، وتنبعث منها رائحة التقدم والتفوق الإنساني ماديا وروحيا، إنها نصوص صيغت وفق العقيدة الإسلامية التوحيدية، إنها نصوص تحث على حب الشرف والوطن، والتحلي بمحاسن الأخلاق وجميل الآداب الإسلامية، نقول هذا في الوقت الذي يتحدث فيه المقلدون العلمانيون عن الأخلاق الكونية العالمية، ولا نرى أخلاقا كونية ولا عالمية، بل نرى الظلم يسري في عروق هذه الحياة ونرى الاستعمار والقتل والتشريد والتجويع والعنصرية والأنانية وغير ذلك في كل مكان.

ولن تجد نصوص تراثنا إلا داعية إلى الفضائل والمحاسن، والعزة والكرامة والأنفة، لم نجد في نصوص العلماء والفقهاء نصا يدعو فيه الفقيه من حوله من المتعلمين إلى الانبطاح بين أيدي الثقافات والحضارات الأخرى التي كانت سائدة، بل إننا نجد عكس ذلك تماما، نجد فقهاءنا يدعون من حولهم إلى الارتباط بالحضارة الإسلامية، والثقة بالنفس، والتحصين الثقافي والعلمي والديني وغير ذلك من مظاهر القوة والثبات.

نصوص تربوية من كتاب العيال:
إن نصوص الإمام ابن أبي الدنيا متعددة الفوائد وغزيرة المنافع رغم كونها مختصرة، إلا أن فوائدها عظيمة القدر جليلة الشأن، قال الدكتور نجم عبد الرحمن خلف: " تضمن الكتاب 674 نصاً، جامعاً لكل ما يتعلق بشؤون العائلة وتربيتها من أحاديث مرفوعة، وآثار عن الصحابة والتابعين، وبهذا التوسع الموضوعي الشامل أصبح الكتاب وحيدا في بابه، فريدا في استيعابه، وضم بين دفتيه طائفة كبيرة من النصوص النادرة التي قد لا تجدها في كتاب مسند سواه. فمصنفات ابن أبي الدنيا تعتبر من المصادر الرئيسية لكل من له عناية بالأخلاق والتربية الرقاق"[20].

إن كتاب العيال لابن أبي الدنيا يعطينا الصورة الحية لما كان عليه المجتمع الإسلامي حينئذ، ذلك المجتمع الذي ورث الدين والخلق عن مرحلة من أقرب المراحل إلى الهدي النبوي التي تمثله الصحابة والتابعون، انطلاقاً من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، إن هذا الكتاب النادر النفيس الذي كتبه ابن أبي الدنيا يعتبر من أقوى الأدلة القاطعة في الرد على الأديب الكبير والفيلسوف زكي نجيب محمود الذي قال في كتابه تجديد الفكر العربي، وفي فصل تحت عنوان: نموذج الإنسان في تراثنا: " إن الأمر كثيراً ما يختلط علينا إذ نقرأ لأسلافنا ما كتبوا، فنسأل: ترى هل كانوا يرسمون بأقلامهم صورة معاصريهم، أو أنها صورة رسمت لتصلح في المعاصرين فساداً؟ ترى هل حاكوا الواقع أم تصورا المثال؟ وأيا ما كان شأن الأسلاف الكاتبين، حينما كتبوا عن الإنسان كيف كان أو كيف ينبغي له أن يكون، فهأنذا أمام تحليلات هبطت منهم إلينا، ولو نشرت أمام أبصارنا نحن أبناء هذا العصر، لوجدنا فيها - يقينا - صورة الكمال الإنساني، التي تصلح معيارا نقيس إليه واقع الإنسان المعاصر. لنرى كم بلغت في سلوكه زاوية الانحراف، نعم إن هذه التحليلات التي أعنيها، تفوح برائحة اليونان الأقدمين. كأنما تلك - في مواضع كثيرة - تلخيص لهذه، لكن القبول نصف الابتكار، فيكفينا في هذا الصدد أننا قد قبلنا الصورة الكاملة معيارا لنا، قبلناها عن اعتقاد ورضى، وأجريناها على أقلامنا جزءاً من تراثنا، وليس يحد من كمال الكامل أين يكون مصدره...."[21].

أمام نصوص ابن أبي الدنيا في كتاب العيال، لم يبق هناك شك في أن الكتاب يرسم صورة مشرقة عما كان عليه أسلافنا رحمهم الله، وكذلك يخبرنا الكتاب أن ما كان عليه سلفنا لم يكن مستمدا من اليونان ولا من رائحة الثقافة اليونانية، فابن أبي الدنيا أبعد ما يكون عن الثقافة اليونانية والفلسفة اليونانية، وكذلك ما دونه في كتابه لم يكن تأملات فكرية فلسفية وإنما كان رواية وإسنادا وإخبار عما قيل أو فعل، أو رواية لأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولا علاقة لذلك كله بالتأملات الفلسفية اليونانية، قال محقق كتاب العيال: " لقد تضمن الكتاب بلسان الحال صورة عن الواقع الذي كان يعيشه المجتمع الإسلامي وقتذاك، مع محاولة لعلاجه، ذلك أن ابن أبي الدنيا لم تأته فكرة الكتاب من فراغ، وإنما جاءت ضرورة ملحة تقتضيها أجواء المجتمع الإسلامي. فقد كانت هناك مآت الآلاف من الوافدين الجدد على هذا الدين القيم لم تأخذ حظها من الإعداد والتربية والصقل، كما أنهم كانوا أحوج الناس إلى هذا المنهج وإلى التعليم والتوجيه، فجاءت مصنفات ابن أبي الدنيا علاجا لهذه الحالة وجاء كتاب العيال ليسد هذا النقص، ويذكر المسلمين الجدد بمنهج النبي صلى الله عليه وسلم في تربية الأسرة المسلمة..."[22]

وسنرى من خلال نماذج من نصوص كتب العيال، تلك المكانة العظمى التي بلغها مجتمعنا الإسلامي من حيث التربية والأخلاق، وحسن السلوك، وهذا هو أصل المجتمع الإسلامي، وإن حدث خروج عن هذا المنهج في ذلك الوقت فإنما هو استثناء يحتاج إلى تربية وتقويم، أما ما كان يخص الداخلين الجدد في الإسلام، كما قال محقق كتاب العيال، فالأمر إذن عادي جدا لأن الداخل الجديد في الدين يحتاج إلى مدة من الزمن لأجل تعريفه بهذا الدين وشرائعه.

إن تأليف كتب في التربية والتعليم في هذه المرحلة المبكرة من تاريخ الإسلام، يعني بما لا يدع مجالا للشك أن الكتب تحكي لنا صورة أناس شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخيرية، وإن بركتهم كانت لا تزال سائرة فيما بينهم لأنهم كانوا مشمولين ببركة إخبار النبي صلى الله عليه وسلم، بأنهم خير القرون بعهده، وأما أن ندعي أنهم كتبوا ما كتبوا لأجل بيان ما ينبغي أن يكون عليه الإنسان لا ما كانوا عليه هم، فها القول بعيد عن الصواب والله أعلم.

إن الناظر في أبواب كتاب العيال لابن أبي الدنيا يدرك مدى التوسع والشمولية التي كانت تميز نظرة أئمتنا إلى تربية النشء والأجيال، إنها المعاني الجميلة التي استنبطت من القرآن والسنة وتراث السلف العقلاء العلماء، وهي في كثير من الأحيان نفس المعاني التي أصبح يتشدق بها المقلدون المغردون في أعشاش غيرهم، ولا يغردون بها إلا مقرونة بأسماء أجنبية غربية استعمارية، ففي كثير من الأحيان تكون الفكرة متطابقة تماما، لكن إذا كان قائلها ابن تيمية أو ابن القيم أو الجاحظ أو الغزالي أو غيرهم، فلا قيمة لها، لكن إذا قالها بياجيه، أو ديوي أو غيره فإنهم يتناولونها بكثير من الحفاوة والتقدير، مثل ما يتشدقون به اليوم من الفروقات الفردية، والذكاءات المتعددة، والجانب السلوكي والمعرفي والوجداني والحس حركين وغير ذلك من المصطلحات التي لا تقبل إلا إذا صدرت من أفواه أجنبية ولاكتها ألسنة غربية، حتى ولو نقلتها عن تراثنا وعلمائنا، إنها الهزيمة النفسية في أحيان كثيرة، والعمالة الحضارية في أحيان أخرى.

إن كثيرا من الناس يستسيغون التقليد الأعمى متذرعين بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الحكمة ضالة المؤمن..." فيلقون بأنفسهم في أحضان التقليد، ناسين أن النبي صلى الله عليه وسلم تحدث عن وصف من أعظم الأوصاف وهو المؤمن، المؤمن بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، المؤمن بالمنهج القرآني والنبوي، المؤمن بأمته وحضارته، وواجبه نحو خدمة تراث دينه، وغير ذلك من المعاني التي يوحي بها وصف المؤمن العزيز الذي أعزه الله بالدين الإسلامي، وليست الحكمة ضالة الضال عن المنهج، المنبهر بغيره، وليست الحكمة ضالة المقلد المهزوم نفسيا وحضاريا، وليست الحكمة ضالة من رضي بمفارقة روح القرآن الكريم والسنة النبوية...

أن الإمام ابن أبي الدنيا تناول في كتاب العيال أبوابا كثيرة متكاملة فيما بينها، فهي أبواب تتعلق بالأسرة أولا ثم بأماكن التعليم خارج الأسرة، ذلك لأن المتعلم يتخرج أولا من أسرته، إن لم ينجح فيها فيصعب عليه أن ينجح خارجها.

كما أنه رحمه الله يبدأ بالتكوين المادي والعاطفي للأولاد قبل التكوين العلمي المعرفي، وذلك أن أول أبواب كتابه هو باب النفقة على العيال والثواب على النفقة عليهم. ثم باب العدل بين الأولاد، ثم بعد ذلك بقليل تحدث عن العطف على البنين والمحبة لهم، ثم الرأفة على الولدان والرأفة بهم، ثم حمل الولدان وشمهم وتقبيلهم، ثم باب تنقيز الولدان ومداعبتهم، ثم باب التسليم على الصبيان.

هذه الأبواب الأولى كلها - كما نلاحظ - تركز على التنشئة الجسدية النفسية للولدان قبل تعليمهم وتلقينهم المعارف والعلوم. وهذا ما يراه جل المربين والدارسين لعلوم التربية، فالمتعلم قبل أن يلج باب التعلم، ينبغي أن يحصل له إشباع مادي من أكل وشرب ولباس وغيره، إضافة إلى الإشباع العاطفي من حب وتقبيل وشم من قبل الوالدين، واللعب معهم وحملهم وتنقيزهم، كل ذلك يجعل المتعلم إذا ولج إلى المسجد أو المدرسة أو أي مكان للتعليم، يشعر بتوازن في شخصيته ونفسه، فهو يلج باب التعلم وقد حقق الإشباع النفسي من الرحمة والرأفة والحب والحنان واللعب، ما يجعله مستجمعا لكل قواه حول التعلم.

ثم ينتقل الإمام ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى إلى الحديث عن التعليم بعد ذلك، وإن روعة التربية والتعليم لدى ابن أبي الدنيا لتظهر في أن أول ما يتعلمه الصبي هو الصلاة.

ثم بعد ذلك خصص بابا لتعليم الأصاغر القرآن، سواء في البيت أو عند شيخ من الشيوخ خارج البيت، ثم باب تعليم الرجل أهله وتعليم ولده وتأديبهم، وفي هذا دلالة عظيمة على أن التربية خارج البيت لا تؤتي أكلها إلا بقيام الرجل بتربية وتعليم أبنائه في البيت.

وبعد هذه الأبواب أبواب أخرى مفعمة بالحيوية والمنهج التربوي المتين، والتي قد يراها القارئ للكتاب أمرا عاديا لكنه إذا نظر إلى ترتيب ابن أبي الدنيا سيدرك السر والسبب وراء ذلك كله، لأن الإمام ذكر في ثنايا كتابه أبوابا تلت الأبواب السابقة ونمثل لذلك بما يأتي:
باب التوسع على العيال، باب العطف على الأزواج والرأفة بهم والمداراة لهم، باب حق المرأة على زوجها والثواب على النفقة عليها، باب ملاعبة الرجل أهله، ثم ذكر مرة أخرى باب اللعب للصبيان، وأتبعه بباب تعليم العلم للأصاغر، مع أنه ذكر في السابق ما يتعلق باللعب والمداعبة للولدان، وذلك عند الحديث عن تعليم الولدان الصلاة والقرآن، فلما عاد للحديث عن تعليم العلم للأصاغر قرن ذلك بالملاعبة واللعب للصبيان، إنه أمر غريب حقا لمن يقرأ ترتيب هذه الأبواب قراءة سطحية، ولكن من نظر إلى ابن أبي الدنيا على أنه مرب من الدرجة العالية، وأن شهرته في تعليم وتأديب الخلفاء قد ملأت الآفاق تبين له السر العظيم وراء هذا الترتيب العجيب الذي بنى عليه الإمام كتابه العجاب هذا. قال محقق كتاب العيال: " لقد بقيت هذه المواد العلمية والتربوية الهامة مبثوثة موزعة في مصنفات المحدثين، ولم أقف على كتاب نهض لجمعها وتنسيقها بطريقة منسقة مبوبة سوى ما بين أيدينا من محاولة الحافظ ابن أبي الدنيا الذي اضطلع بهذا الأمر الهام، وقام بأعبائه، وتنبه لضرورته وعظيم جدواه"[23]. ويقول أيضا: " أما كتاب العيال للحافظ ابن أبي الدنيا فإنه عالج موضوع العائلة، وشؤون الأسرة معالجة موسوعية شاملة خصت كل فرد فيها بباب متميز، أو أكثر من باب، ومن زاوية، أو من زوايا عديدة، ثم يبحث الموضوع بصورة كلية باعتبار أن الأسرة لحمة واحدة وبنية متماسكة مترابطة"[24].


يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 24.76 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 24.13 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.54%)]