عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 10-10-2021, 04:15 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,806
الدولة : Egypt
افتراضي رد: قطوف تربوية من كتاب العيال لابن أبي الدنيا

قطوف تربوية من كتاب العيال لابن أبي الدنيا


سعيد امختاري



ويقول أيضاً في موضع آخر: " وليست دراسة العلوم الحديثة التجريبية هي المضرة بالحقيقة الثقافية في الإسلام، وإنما المضر هو روح المدنية الغربية التي يقترب المسلم بها إلى تلك العلوم... وهذا معناه أننا مقيدون بمادة العلم وبأسلوبه ليس إلا. وبكلمة أخرى يجب علينا ألا نتردد في درس العلوم الرياضية الطبيعية حسب الأسس الغربية، ولكن يجب ألا نتنازل للفلسفة الغربية عن أي دور من أدوار تنشئة أحداث المسلمين...ثم إنه من الصعب في كثير من الأحوال أن نجد حلاً فاصلاً بين العلم التجريبي والفلسفة النظرية...[11].





وهناك تفاصيل أخرى عند محمد أسد وغيره، تؤكد أنه لا يمكن على وجه الحقيقة الفصل بين العلوم وروح الحضارة التي أنتجت تلك العلوم، لذلك يرى محمد أسد رحمه الله أن الغرب كان أكثر ذكاء واعتزازا بروحه الحضارة في فترة من فترات التاريخ حيث يقول: " والنهضة الأوروبية أحسن مثل في هذا الباب. فقد رأينا كيف ان أوروبة تقبلت المؤثرات العربية فيما يتعلق بالعلم وأساليبه عن طيب خاطر ولكنها لم تقبل المظهر الخارجي ولا روح الثقافة العربية قط، ولم تضح استقلالها العقلي أو البديعي على الإطلاق. لقد اتخذت أوروبة من المؤثرات العربية سمادا لتربتها كما فعل العرب حينما استغلوا المؤثرات الهيلانية ولكن كانت النتيجة في كلتا الحالتين نموا جديدا عظيما للمدنية الأصلية، مملوء بالإعجاب. وما نحن من مدنية تستطيع أن تزدهر أو أن تظل على قيد الوجود بعد أن تخسر إعجابها بنفسها وصلتها بماضيها[12].



نعم لقد أخذ الغربيون علوم ابن سينا ولكن لم يلبسوا لباس ابن سينا ولم يتدينوا بدين ابن سينا وكذلك مع الفارابي والغزالي وابن رشد وغيره، ولكن في عالمنا الإسلامي اليوم فبمجرد أخذ فتات من علوم الغرب صار المنبهرون المتنورون يتزيون بزي الغرب ويتحدثون بلغته بل يأكلون حتى بالشمال، وصارت أستاذة لغة من اللغات الأجنبية في بعض الأحيان تأخذ شكل ومظهر ولباس فتيات تلك اللغة التي تدرسها وقس على ذلك كل شيء، وما ذلك إلا كما قال المفكر محمد أسد من أن روح الحضارة الغربية تسير في كل ما نستورد من العلوم سواء كانت تجريبية أم إنسانية وأدبية وفلسفية....



وخشية أن يطول هذا المدخل، فإنني سأجول بعض الجولات في تراث واحد من أبرز علماء المسلمين، إنه ابن أبي الدنيا، فما من مسلم إلا يعرف هذا العالم الجليل، لكن الذي يظهر والله -أعلم- أن بعض علمائنا الكبار - ومنهم ابن أبي الدنيا - لما صنفوا كتبا في الزهد والأخلاق والاستعداد للآخرة، ظن الناس أن هؤلاء العلماء لا علاقة لهم بحقيقة الدنيا. والحق أن هذا الفهم البعيد عن الصواب راجع إلى سوء فهمنا لهذا الزهد الذي تحدث عنه علماؤنا الأقدمون، بحيث ظنناه دعوة إلى طلاق الدنيا والانزواء في المحاريب والزوايا والمساجد، ولكن النظر السديد في مناهج أولئك العلماء يجعلنا نصحح كثيراً من الأمور التي فهمناها على غير حقيقتها.



ابن أبي الدنيا- مولده ونشأته:

ولد ابن أبي الدنيا ببغداد سنة: 208 هــ وتوفي سنة: 281 هـ،[13].



أما عن ولادته ونشأته، فقد ولد ببغداد، في عهد الخليفة المأمون، آخر العصر العباسي الأول، في عهد الحضارة الإسلامية الذهبي.



وكانت الثقافة والعلوم يطفح بها المجتمع الإسلامي في كل ميدان من ميادين العلم والأدب. ولم يقتصر النشاط العلمي على العلوم النقلية فحسب، بل تجاوزها إلى العلوم العقلية، وذلك بفضل فتح باب الاجتهاد على مصراعيه، وترجمة الكتب من اللغات الأجنبية، وخاصة اليونانية والفارسية والهندية إلى العربية. ولقد كان طلب العلم والسعي في جمعه سمة ذلك العصر.[14]



نعم، لقد نشأ الإمام ابن أبي الدنيا في هذه البيئة العلمية القوية، تلك البيئة التي وصفها واحد من أهل الغرب، وهو الأستاذ نيكلسون حيث يقول: " وفي عهد الدولة العباسية كان الناس يجوبون ثلاث قارات سعياً إلى موارد العلم والعرفان، ليعودوا إلى بلادهم كالنحل يحملون الشهد إلى جميع التلاميذ المتلهفين، ثم يصنفون- بفضل ما بذلوه من جهد متصل - هذه المصنفات، التي هي أشبه بدوائر المعارف، والتي كان لها أكبر الفضل في إيصال هذه العلوم إلينا بصورة لم تكن متوقعة من قبل".[15]



في هذه البيئة العلمية نشأ الإمام ابن أبي الدنيا ماتحاً من معين هذا التطور العلمي والحضاري والثقافي، وهذا بلا شك سيكون له أعظم الأثر على صقل حياته الشخصية والعلمية والثقافية.



ابن أبي الدنيا والفكر التربوي:

بالإضافة إلى العلوم الغزيرة التي حصلها الإمام ابن أبي الدنيا في تلك الحقبة المزدهرة من تاريخ الإسلام والدولة العباسية، فإنه مارس مهمة التدريس والتعليم بنفسه، مما يعني أنه ستمتزج لديه الثقافة العلمية الواسعة بالطرق والأساليب المتنوعة في تبليغ هذه الثقافة لغيره، مما ينعكس بقوة النظر أثناء التأليف في مجال التربية والتعليم، يقول الدكتور نجم عبد الرحمن خلف: " كان ابن أبي الدنيا إلى ما ذكرناه من رصانته العلمية، وموسوعيته، ووفرة عطائه، أستاذاً ماهراً ومدرساً قديراً، اصطفاه الخلفاء لتأديب أبنائهم وتثقيفهم. لأن التأديب في ذلك الوقت عمل علمي جليل، لا يليه إلا كل عالم ضليع باللغة والأدب، ولا يسند إلا إلى أهل النبل والاستقامة، ليكون تأديبهم بالقدوة قبل الكلمة. وكان ابن أبي الدنيا قد توفرت فيه هذه الصفات بالإضافة إلى أنه كان شخصية محبوبة ومؤْثًرة وكان إذا جالس أحدا، أذا شاء أضحكه، وإن شاء أبكاه في آن واحد.



أما أولاد الخلفاء الذين أدبهم ابن أبي الدنيا فقد أغفلت المصادر ذكرهم، واكتفت بالتعميم، ولم تسم منهم سوى اسنين وهما الخليفة المعتضد، وابنه علي بن المعتضد الملقب بالمكتفي بالله.



وفي راي الدكتور نجم عبد الرحمن خلف، أن السبب في ذكر هذين الخليفتين فقط، هو أنهما حكما فاشتهرا، وبقية أبناء الخلفاء أهملوا لعدم شهرتهم، واكتفى المؤرخون بالتعميم[16].



وفي هذا المقام ينقل الدكتور نجم عبد الرحمن خلف ما ذكره بعض العلماء عن تأديب ابن أبي الدنيا لأبناء الخلفاء، منهم ابن الجوزي الذي يقول: " وقد أدب غير واحد من أولاد الفقهاء، منهم المعتضد وعلي بن المعتضد، وكان يجري له في كل شهر خمسة عشر ديناراً"[17]. ومن المؤرخين الذين ذكروا هذا الخبر: ابن كثير في البداية والنهاية، وابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات، وابن تغري بردي في النجوم الزاهرة،...[18].



وهناك مؤرخون آخرون تحدثوا عن تربية ابن أبي الدنيا لأبناء الخلفاء، ليس هذا محل بحثها، ويستحسن الرجوع إلى مقدمة الدكتور نجم عبد الرحمن خلف القيمة لتحقيق كتاب العيال لأجل الوقوف على مزيد من التفاصيل حول الإمام ابن أبي الدنيا. وقد ذكر الدكتور نجم أن ابن أبي الدنيا ترك أثرا عظيما في الخلفاء الذين أدبهم إضافة إلى جمهور المسلمين من طلبته الذين أخذوا عنه العلم أو اطلعوا على كتبه ومصنفاته.



إن عالماً من طراز ابن أبي الدنيا، الذي امتلأ علماً وحلماً وزهداً وغَيرة على أمة الإسلام ودينها، وكانت حياته وقفاً على خدمة القرآن الكريم والسنة النبوية وتراث العلماء والشيوخ المسلمين، لهو العالم الذي ينبغي أن يدرس علمه وينشر، ويتخذ نبراساً لكل من أراد أن يضرب بسهم في تربية الأجيال المسلمة في وطننا الحبيب، وذلك للوقوف في وجه العملاء الثقافيين المنتسبين إلى عالم التنوير في زعمهم، ممن يسرقون منا فلذات أكبادنا ويطوعونهم للأساليب الاستعمارية، ويدجنونهم ليكونوا عبيداً للغرب نيابة عن ذلك الغرب نفسه.



إن الغرض من إبراز معالم التربية والتعليم لدى الإمام ابن أبي الدنيا هو غرض الإمام نفسه والذي يبينه محقق الكتاب قائلا: " لم يكن الحافظ ابن أبي الدنيا يوم وضع هذه المصنفات الهامة - ولم نكن نحن حين نهضنا بمهمة بعثها وإخراجها - يطمح هو أو نهدف نحن إلى التذكير النظري المجرد السالب، بل قصد - وقصدنا من ورائه - إلى التذكير الإيجابي الذي يجعل من هذه الموضوعات - الجامعة في بابها - دليلا هاديا، يدعو إلى العبرة والدرس، والمتابعة والتأسي، وكذلك يكون التعامل المجدي مع النصوص العلمية، وكذا تكون صورة العلم النافع، وبدون هذا التصور الحركي يصبح استحضار هذه النصوص وإحياؤها هربا من الواقع، وضربا من المتعة والتسلية، وسبيلا إلى ملء الجعبة بالمعلومات والروايات، كنوع من أنواع الترف الثقافي البارد الذي لا يدفع ولا ينفع والعياذ بالله "[19].


يتبع


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 21.19 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 20.56 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.96%)]