
10-10-2021, 04:14 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,730
الدولة :
|
|
رد: قطوف تربوية من كتاب العيال لابن أبي الدنيا
قطوف تربوية من كتاب العيال لابن أبي الدنيا
سعيد امختاري
وأنا أرجو أن يخرج هذا التعليم إلى حيز الفعل ليبث في دين الإسلام التعاليم المستمدة من المدرسة الجامعة الفرنساوية"[5].
ولقد كان أصحاب هذا المشروع الملعون يستشعرون خطورة أهل العلم والفقه، ويحسبون لذلك حسابه خوفا من مقاومة هذه المشاريع الهدامة حتى قال شاتلييه نفسه: " أما الشيخ السنوسي، العدو الألد للنفوذ الفرنسي والإنكليزي فله تقاليد أخرى"[6].
وبالطبع، فقد توصل هؤلاء الغربيون الاستعماريون إلى الفصل بين الشعوب الإسلامية وتاريخها ودينها من خلال المدارس، حتى أنشأت أجيالا من المستعمرين فكريا يتنكرون لدينهم بل يحاربونه أيضا، ويرون - كما يرى الغرب - أن فقهاء الأمة الإسلامية يعتبرون ألد أعداء مشاريعهم الاستعمارية.
النظر الثاني: وهو نظر من يتمسك بما كان عليه الأسلاف رحمهم الله، من مبادئ تربوية وتعليمية، سواء من خلال طرقهم في التدريس أم من خلال مصنفاتهم التي أفردوها للتربية والتعليم، دون أي تطوير لتلك المبادئ حتى تصير نظريات تربوية تنسجم مع التطور الحاصل في المجتمع البشري، وتستجيب لتطلعات النفس الإنسانية في عصرنا الحاضر، وهذا النظر لن يقدم شيئا للتربية الإسلامية إلا التعريف والتأريخ والكشف والبيان، أما التنزيل على الواقع وفي المدارس المعاصرة والجامعات فالأمر مختلف تماما، بل أصبح مطلوبا " ألا يجيء تاريخنا التربوي في صورة سرد لوقائع وأحداث تجعله تاريخا مسطحا فاقدا دلالاته الاجتماعية، وموجهاته الفكرية، ويصبح مطلوباً أن يجيء في صورة جدل وتفاعل بين الواقعية التربوية وسياقها الاجتماعي، وفي صورة تظهر الرابطة التي تربط هذه الواقعة بما سبقها وبما لحقها لنضع أيدينا على الحركة الكلية والمسار الرئيسي للتاريخ فيتشكل وعينا الصحي لا وعينا الزائف"[7].
ولو أنفق المسلمون جل وقتهم في استنطاق التراث العربي الإسلامي، ثم استنطاق كتب العلماء الأذكياء الذين عرفتهم الأمة الإسلامية، لأنتجوا علوما تربوية رصينة ودقيقة، يشهد لذلك أن كثيرا مما يتبجح الغرب وأتباعه بالسبق إليه في القرون الأخيرة، موجود عند علمائنا منذ القدماء وإن كان قد ورد عندهم بألفاظ ومباني مختلفة لكن المقاصد والمعاني واحدة، فأي نضج هذا الذي بلغه أسلافنا من العلماء الأجلاء، ولكن الغرب المتحيز إلى تاريخه أنكر تاريخنا وأقنع أتباعه من بني جلدتنا بإنكار ذلك التاريخ الزاخر بالمنجزات.
لذلك يبين الدكتور سعيد إسماعيل علي:" ومما يؤسف له حقا هو أن هذه الجهود التي بدأت تظهر في شكل رسائل ماجستير ودكتوراه ينحو أغلبها منحى تاريخياً، وهو على الرغم من ضرورته، إلا أن تسيده ليس أمرا مطلوبا، وذلك أن الحقل التربوي المعاصر يتخم بالعديد من القضايا والمشكلات الملحة التي تتطلب تحديد موقف التربية الإسلامية منها مما قد لا يفيده كثيراً الإغراق في التغني بعظمة ما قاله وكتبه - مثلاً - الغزالي وابن سينا وابن خلدون وغيرهم من المفكرين والفلاسفة"[8].
وهذا الرأي من الباحث في غاية الوضوح والصراحة، فالعكوف على التعريف ببعض العلماء ومناهجهم التعليمية، لمجرد التعريف أمر لا يفيد كثيرا ولكن لا بد من إعادة الصياغة والتطوير، ولكن في النقيض من ذلك نجد بعض الموالين للثقافة الغربية لا يذكرون مناهج علمائنا التربوية حتى ولو كان على شكل مرحلة من مراحل التاريخ، نظير ما صنع الباحث المغربي المولد عبد الكريم غريب حيث ألف كتابا تحت عنوان مستجدات التربية والتعليم، تحدث فيه عن التربية والثقافة لدى المجتمعات البشرية الأولى، فذكر مجتمعات الشرق الأقصى بما فيها الهند القديمة، والصين القديمة، ثم الشعوب الإفريقية القديمة بما فيها المجتمع المصري القديم ثم أفريقيا السوداء ثم التربية لدى اليونان والنهضة اليونانية في إسبارطة وأثينا ثم عرج على التربية في الحضارة الرومانية لينتقل مباشرة إلى الفلسفات التي سماها بالتقدمية ثم أغرق في شرح ما جادت به قريحة المجتمع الغربي متجاهلا تمام التجاهل العصور الذهبية الإسلامية التي لا ينكرها إلا جاهل أو جاحد أو حاقد أو حاسد.
وأما عندما تحدث عن القيم فلم يتطرق تماما إلى القيم الإسلامية التي جاءت للكون من قبل الله تعالى الذي يقول: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107] بل تطرق إلى القيم العالمية وأثرها في السلوك الإنساني، إلى غير ذلك من تجاهل متعمد لتاريخ بكامله، وما ذاك إلا الاستسلام الكامل للغرب والارتماء بين أحضانه، لأجل إذلال أجيال من الناشئة في البلدان الإسلامية.
النظر الثالث: وهو النظر الوسط الذي يرى أن التراث لا غنى عنه لمن يريد الانطلاق من أجل صياغة نظريات تربوية كما يرى مثلا الدكتور طه عبد الرحمن " أن التعامل مع التراث الأصلي كان وسيبقى مطلوباً لنا كلما أردنا أن نجدد ثقتنا بقدراتنا ونؤصل مصادر استلهامنا، وليس معنى بقاء التعامل مع التراث هو حفظ كل ما فيه على الوجه الذي كان به من غير اعتبار لمقتضى الماضي ولا لمقتضى الحاضر "[9].
ونحن في هذا الموضوع لا نحاول الإلزام بالعودة الحرفية إلى كل التراث التربوي، غير أننا لا بد من التنبيه إلى شيء في غاية الأهمية، وهو أننا حينما نقول إنه يجب الأخذ بما وصل إليه التطور البشري في التربية والتعليم، دون التقيد بكل ما كان من التراث، فإن البعض يجدها فرصة سانحة لإحلال التقليد الغربي محل الهوية الحضارية لأمتنا في التربية، والحق أن رأينا على غير ما يظن هؤلاء الذين يتصيدون الفرص للتخلي عن الثوابت الثقافية والحضارية لأمة الإسلام، وذلك أن القصد من كلامنا أن ديننا قائم على المقاصد والوسائل المؤدية إليها، فكثيرا ما نسمع فقهاءنا يحدثوننا عن التفريق بين الوسائل المتغيرة والمقاصد الثابتة، وهذا ما نسير عليه، إذ نعتبر أن النظريات والأساليب والطرق وما شابه ذلك، كله يعتبر من الوسائل التربوية والتعليمة، لكن المقصد الأكبر هو أن تسري في كل تلك الطرق روح الأمة الإسلامية والثقافة الإسلامية والحضارة الإسلامية والتاريخ الإسلامي، أي أن يسري منهج القرآن الكريم والسنة النبوية في كل خطوة من خطوات التعليم، ولكن من يرى استحالة ذلك ندعوه للنظر بعينيه في النظريات والطرق والأساليب والمضامين التعليمية الآن كيف تسري فيها روح الحضارة الغربية والعلمانية الغربية بحيث يستطيع كل ذي نفس حية أن يستشعر ذلك لمجرد إلقاء نظرة واحدة على ما تعج به المقررات الدراسية مثلا من مضامين تختلط بالروح الغربية الثقافية الاستعمارية.
وهذا هو الذي دعا إليه المفكر النمساوي المسلم محمد أسد حينما لاحظ بعينه النقدية هذه الملاحظة إذ يقول: " على أن هذا يجب ألا يحول أبداً دون إمكان أخذ المسلمين من الغرب ببعض البواعث في ميدان العلوم المجردة والعلوم التجريبية، ولكن صلاتهم الثقافية يجب أن تبدأ عند هذا الحد وتنتهي عنده أيضا. أما أن يخطو المسلمون إلى أبعد من ذلك أو أن يقلدوا المدنية الغربية في روحها وأسلوب حياتها وفي تنظيمها الاجتماعي فهو المستحيل، إلا إذا سددت ضربة قاضية إلى الإسلام..."[10].
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|